في الماضي كتبت عن قواتنا العسكرية. وفي الماضي تحدثت عن قواتنا العسكرية. ولم أكن أجد أي صعوبة في إظهار ما يجول بخاطري، ولكن لسبب لا أعرفه ففي هذه المرة استغرق كتابة هذه السطور أسبوعا كاملا، كل يوم أكتب المقال وأعيد صياغته من جديد، ومع كل كلمة أكتبها تخطر على بالي ذكريات تحتاج إلى أكثر من مقال؛ لأنني -وببساطة- تشرفت أن أكون أحد منسوبي قواتنا العسكرية، ولهذا قررت أن أختصر ما يجول بخاطري وما كنت أسمعه من أناس يعرفون معنى ومتى يتم إطلاق قوة عسكرية ضاربة على دولة من الدول، وهذا هو ما حصل باختصار شديد، فما رأيناه وشاهدناه كرعد الشمال فقد رآه العدو رعودا وبروقا. قوة الدول ليست بقوتها العسكرية فقط، بل قوتها تنبع من حب المواطن لوطنه، وقوة الدول هي انعكاس لمتانة علاقة الحاكم والمحكوم، وهذا ما رآه العالم، وشاهدنا عسكر الجيش كيف يتحركون وبحارتنا كيف يناورون، وصقور الجو كيف ينقضون، وسهام الدفاع الجوي كيف يترصدون، شاهدنا صلابة الحرس الوطني، وشعرنا بيقظة وزارة داخليتنا. والأهم من ذلك، هو أن كل مواطن أراد أن يكون جزءا من المنظومة العسكرية، ولهذا رأيناه رعدا من الشمال والعدو رآه رعودا وبروقا. إن سلاسة وضخامة وتكتيكات مناورة رعد الشمال كانت مفاجئة لكل مراقب، ولكنها لم تكن مفاجأة لمن يعرف قادة المملكة ويعرف قدرة قواتها العسكرية. العالم الآن عرف من هي المملكة، ومن هو الجندي السعودي. وأما العارف ببواطن الأمور، فيعرف معنى قيام دولة بتنظيم وتجهيز وإدارة وقيادة مناورة مكونة من قوات عسكرية قدموا من 20 دولة، وقاموا بمناورة في شمال المملكة هي الأكبر في تاريخ المنطقة، وفي نفس الوقت قواتها نشطة في جنوبها وعيونها ساهرة؛ لتجتث الإرهاب من جذوره. فالمملكة قدمت مناورة عكست قدرتها على التحرك في ساحة المعركة، وأوضحت قدرتها على التعامل مع كل لعبة سياسية يريد أن يلعبها العدو، وكل هذا يحدث في منطقة لم تعرف الهدوء منذ ست سنوات، ومع ذلك رأينا نموا في بنية الوطن، وتزامن ذلك مع زيادة القدرة القتالية لقواتنا العسكرية بشكل جعل من قواتنا تعتبر وعلى مستوى العالم من الأقوى في التسليح والأفضل في التدريب والأعقد في نظام القيادة والسيطرة، والأكثر مرونة في التموين والأحدث في تنويع السلاح. وبهذا أصبحت المملكة من الدول القلائل في العالم التي لديها قدرة القيادة لقوات عسكرية متعددة الجنسيات وبأنظمة تسليح وتكتيكات مختلفة. ورأى العالم سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز مع قادة ومندوبي الدول المشاركة في مناورة رعد الشمال، ليرى العالم القدرة السعودية على توحيد الصف، في رسالة واضحة للعالم، تتحدث عن مكانة المملكة العربية السعودية في العالم، وتأثيرها على مجريات الأمور في وقت لا تترك الأمور للصدف.