على الرغم من كل التطمينات التي بدت تجاه التداعيات الأمنية الأخيرة في اليمن بعد توجيه الإدارة الأمريكية اتهامات مباشرة لعدد من علماء المسلمين بالارتباط أو تمويل جماعات إرهابية إلا أن المشهد بدا مقلقا بالنسبة لبعض المراقبين خصوصا أن الاتهامات ظهرت بصورة منسقة دعت البعض لوصفها بالحملة المنظمة والمخطط لها مسبقا. مسلسل الاتهامات بدأ مع الشيخ محمد المؤيد المعتقل حاليا في واشنطن بتهمة إرسال تمويلات مالية لتنظيم القاعدة ، ثم طال الشيخ عبدالله صعتر الذي اتهم أيضا بجمع تمويلات مالية من مساجد بروكلين في الولاياتالمتحدة لصالح جماعات متشددة ، ثم الشيخ والداعية الإسلامي الأبرز عبد المجيد الزنداني . الاتهامات التي جاءت متأخرة كثيرا لم تكن بكل الأحوال سهلة بالنسبة للسلطات اليمنية كما لم تكن سهلة بالنسبة لحزب التجمع اليمني للإصلاح الذي يعتقد بعض قيادييه أنه بات هدفا في الحملة الأمريكية على الإرهاب بعد أن بقى في الظل طوال السنوات الماضية. ولم تكن الاتهامات التي وجهت للشيخ عبدالله صعتر ، ذات بال بالنسبة للحكومة والإصلاح على السواء ، قياسا إلى ردة الفعل القوية من جراء ادخال الشيخ الزنداني في دائرة الاتهامات. واعتبر تتالي الاتهامات بحق الرموز الكبيرة في الإصلاح وهو من اكبر الأحزاب الإسلامية في اليمن ايذانا بمرحلة جديدة تؤشر إلى أن هناك حلقات لاتزال على الطريق. خاصة ان الاتهامات الأمريكية طالت رمزين من أهم رموز الحركة الإسلامية في اليمن هما الشيخ عبدالله صعتر ، والداعية الإسلامي الشيخ عبد المجيد الزنداني وهما من أكثر الشخصيات أهمية في حزب الإصلاح الإسلامي المعارض. البعض فسر الاتهامات بأنها عودة إلى الوراء في سياسة جديدة لواشنطن وصفها بعض المراقبين بلعبة تخطي الموانع في إشارة إلى نوايا الإدارة الأمريكية لإحداث خلخلة في بنية هذا الحزب سعيا لإعادة فتح الملفات القديمة دون إحداث ضجيج. ومن وجهة النظر الأمريكية ظل حزب الإصلاح الإسلامي متهما بانخراط الكثير من الرموز والعناصر التي كان لها تاريخ طويل في الحرب الأفغانية ضد حكومة الاتحاد السوفيتي السابق ، والذين عادوا إلى اليمن بعد انتهاء الحرب هناك ليشكلوا رقما قويا في المعادلة السياسية اليمنية خاصة بعد الدور الذي لعبه هؤلاء في الحرب الأهلية اليمنية صيف العام 94 ضد حكومة الحزب الاشتراكي اليمني . ورغم الصيغة التي تشكلت إثر المواجهات القوية بين السلطات اليمنية وهذه الجماعات خلال سنوات النصف الثاني من عقد التسعينات والتي صبت عموما في مصلحة السلطات اليمنية التي حاولت احتواءهم في إطار مشروع جديد بعد خروج الحزب الاشتراكي من المعادلة ، إلا أن هذه الصيغة ظلت هي الأخرى مثار شكوك خاصة بعد الهجمات الإرهابية التي استهدفت مصالح يمنية وغربية واتهمت فيها عناصر متطرفة من هذه الجماعات. ومنذ سنوات حاول حزب الإصلاح أن يبدو أكثر مرونة عن السابق ولعبت بعض قياداته الجديدة دورا مهما في تغيير الخط السياسي للحزب وتوجهاته ونجحت في تقليص هيمنة التيار المتشدد فيه وهي ملامح بدت بارزة أكثر مع انفراط التحالف الاستراتيجي الذي كان يجمع الإصلاح بحليفه حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم بزعامة الرئيس علي عبدالله صالح. ومع الخط الليبرالي الذي حاول الإصلاح تكريسه في الأعوام الأخيرة وتقاربه مع ألد خصومه في الأمس الحزب الاشتراكي اليمني ، أحرز الإصلاح نجاحا كبيرا في تغيير الصورة النمطية التي عرفت عنه ومكنته من البقاء خارج الحلبة في دوامة الحرب على الإرهاب. ولم يكن متوقعا بالنسبة للإصلاح أن يأتي الوقت الذي تفتح فيه الملفات القديمة وبخاصة منها الاتهامات التي كانت قد وجهت لبعض رموزه في التحريض ضد الامريكيين وإصدار فتاوى بالهجوم على المصالح الغربية إبان الهجوم الانتحاري الذي تعرضت له المدمرة الامريكية كول في ميناء عدن العام 2000. وتقول دوائر سياسية يمنية أن اسم الشيخ الزنداني كان قد ورد ضمن قائمة الأطراف التي قالت واشنطن انها متورطة بحادثة تفجير المدمرة الأمريكية كول ، كما اعتبر طرفا محرضا ومعاديا فيما نسب إليه من ادعاءات بإصدار فتوى دينية تجيز قتل الكفار وتحث على ضرب المصالح الغربية في المنطقة العربية وبخاصة المصالح الأمريكية ، وهو ما نفاه الشيخ الزنداني بشدة في وقت سابق. وكانت الاتهامات الجديدة مفاجأة للكثير من الأوساط السياسية ، خصوصا أنها جاءت بعد سنوات من بقاء هذه الشخصية المحورية في الظل وبعيدة عن دائرة الحرب التي تشنها الولاياتالمتحدةالأمريكية على الإرهاب منذ احداث سبتمبر . سيناريوهات جديدة على حد تعبير المراقبين فقد جاء فتح هذا الملف ليحرك المياه الراكدة في واحد من أكثر الملفات الأمنية حساسية وسط تكهنات تتحدث عن سيناريوهات بالغة الخطورة ستعيشها اليمن خلال الأيام المقبلة. هذه التطورات دعت الكثير من المراقبين للشأن اليمني للاعتقاد بأن حزب التجمع اليمني للإصلاح وهو اكبر الأحزاب الإسلامية في البلاد مرشح لمرحلة جديدة مختلفة عن كل المراحل السابقة. ومثلما بدا حزب التجمع اليمني للإصلاح مرتبكا أمام الاتهامات الموجة للشيخ الزنداني ، كانت السلطات اليمنية هي الأخرى مرتبكة أكثر من أي وقت مضى انطلاقا من فرضية أن المساس بشخصية كهذه يعني بداية لموجة اضطرابات واسعة قد تشهدها البلاد يصعب التكهن بنتائجها. هذه المخاوف تأتي كون الشيخ عبدالمجيد الزنداني يمتلك بحسب قول دبلوماسي عربي ، ثقلا سياسيا كبيرا ويعد مرجعا أصوليا له مكانته ليس على مستوى اليمن وحسب بل على مستوى المنطقة ككل. ويعتقد مراقبون أن هذه الخطوة مقدمة لخطوات لاحقة أكثر سخونة قد تطال رموزا أخرى في بنية النظام لاسيما من الشخصيات العسكرية التي كانت الولاياتالمتحدة قد أدرجتها ضمن قائمة المشتبه بهم في تفجير المدمرة الأمريكية يو.اس.اس. كول في ميناء عدن العام 2000. ويتحدث هؤلاء عن الدور الذي يلعبه مكتب التحقيقات الفيدرالي الذي افتتحته واشنطن في صنعاء قبل أشهر في النبش عن الملفات المغلقة والتحريات المكثفة التي يجريها في الكشف عمن يصفهم بخلايا إرهابية . بعض المراقبين يلمحون إلى أن الولاياتالمتحدة رغم أنها تعتبر اليمن بؤرة خصبة للعناصر الإرهابية المتطرفة ألا أنها اختارت التعامل مع اليمن بطريقة دبلوماسية هادئة ، في إشارة إلى التحركات الجادة التي تقوم بها لكسب تأييد اليمنيين عن طريق المعونات التي تقدمها في المجالات التنموية والمجالات العسكرية وتحريكها الملف الأمني بصورة هادئة دون احداث اية زوبعة . ويعتقد المحللون أن السفير الأمريكي بصنعاء ادموند هول وهو خبير سابق في مكافحة الإرهاب يلعب دورا مهما في إدارة اللعبة منذ تعيينه خلفا للسفيرة باربارة بودن. وطبقا لبعض الفرضيات فإن تحركات الولاياتالمتحدةالأمريكية في الحرب ضد الإرهاب بدأت تتجه للبحث عن الجذور التي تعتقد أنها تغذي ظاهرة الإرهاب حتى بعد الانتصارات التي حققتها في افغانسان. مخاوف سياسية تسيطر مشاعر قلق لدى قيادات وقواعد حزب التجمع اليمني للإصلاح من التداعيات الجديدة على مستقبله السياسي ، بعد الاتهامات المتلاحقة التي أعلنتها الإدارة الأمريكية بحق أبرز رموزه القيادية بالارتباط بتنظيم القاعدة وتنظيمات إرهابية متشددة. هذه النبرة القلقة بدت واضحة تماما من خلال التصريحات المقتضبة الصادرة عن حزب التجمع اليمني للإصلاح تجاه الاتهامات الموجهة للشيخ عبدالمجيد الزنداني والتي اكتفت بالاشارة إلى أن الحكومة اليمنية هي المسؤولة عن الدفاع عن الشيخ باعتباره مواطنا يمنيا. وقد كان الموقف الرسمي حيال هذه القضية مثيرا أيضا لدرجة دعت الشيخ عبدالمجيد الزنداني توجيه دعوة قوية إلى الأمة الإسلامية لإدانة الاتهامات الأمريكية ضده واعتبارها إرهابا تمارسه اكبر دولة في العالم ضد شخصية إسلامية . ويؤكد لمراقبون أنه وخلافا للاتهامات التي وجهتها الإدارة الأمريكية للشيخ عبدالله صعتر عضو الهيئة العليا للتجمع اليمني للإصلاح (مكتب سياسي) وقبله الشيخ محمد المؤيد المعتقل حاليا في الولاياتالمتحدةالأمريكية ، فقد أثارت الاتهامات الموجهة للشيخ عبدالمجيد الزنداني زوبعة سياسية كبيرة لدى حزب الإصلاح ولدى السلطات اليمنية على السواء . فمن ناحية يشعر حزب الإصلاح الذي يتزعمه الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر وهو زعيم كبرى القبائل اليمنية (حاشد) بتحركات جادة لتضييق الخناق عليه وإحداث نوع من التصدع في بنيته بتحويله إلى حزب إرهابي بعد أن ظل يمارس نشاطه كحزب سياسي راديكالي وسط دوامة صراع سياسي مع حليفه حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم . ويعترف الإسلاميون في حزب الإصلاح أن العديد من قياداتهم كان لها حضور في الحرب الأفغانية ضد المد الشيوعي السوفييتي.. لكن وبحسب قول قيادي في الإصلاح فقد كانت تلك مرحلة قديمة انتهت مع تصدع الاتحاد السوفيتي وعودة الكثير منهم إلى اليمن كمواطنين عاديين في نهاية الثمانيات وحتى مطلع التسعينات. وبانتظار ما ستسفر عن التطورات يرى بعض المراقبين أن حزب المؤتمر الشعبي الحاكم الذي يتزعمه الرئيس علي عبدالله صالح مؤهل أيضا للدخول في المعادلة الجديدة بالنظر إلى تاريخ علاقته الإستراتيجية مع الاخوان المسلمين عموما وحزب التجمع اليمني للإصلاح على وجه الخصوص.