حين قلت له -جادا- ألم يقل ديكارت « أنا أفكر فأنا إذا موجود»، ضحك طويلا، وقد سبقت السخرية ضحكته لاحتلال ملامح وجهه.. وبعد أن تنفس (كما يصعد إلى السماء)، قال: لو لم يكن ديكارت موجودا هل كان يمكن أن يفكر؟ وهل أفرغ ذهنه كما يدعي من كل ما فيه من معلومات، وإرث فلسفي وثقافي.. وأين كان عقله الباطن؟ يا عزيزي إنها هرطقة. حين قلت له بغضب: لقد هرطقت كل ما مر من آراء، وأظنك لن تستطيع الشك في أن ابن رشد قد حسم الجدل بين الدين والفلسفة، أو بين العقل والنقل، حين قال: «إن الحق لا يعاند الحق» فالعقل والنقل كل منهما يوصل إلى الحق. حين قلت له هذا، صمت حتى خلت انه فقد لسانه وحين قلت له -متحديا-: إن سارتر زعيم أقوى التيارين الوجوديين قال: «إن الوجود يسبق الماهية»، وأظن ظنا يقرب من حسن الفطن، أن قوله هذا بعيد عن الشك، حيث قلت له هذا قام من مقعده ومشى كما يمشي النائم، ثم قال: هذا الذي يسبق وجوده ماهيته، كيف يستطيع أن يخلق هذه الماهية؟ إنه لا بد أن يخلقها عبر إتقانه اللغة التي تجسد كل التصورات، وحيث إن اللغة ظاهرة اجتماعية، فهي تحمل كل الانساق التي بلورها البشر من قبله. وهذه الانساق متطورة.. قد يستطيع اختيار بعضها، ولكنه لن يستطيع اختيار ما يشاء، إذاً المسألة جزئية، وإدعاء غير ذلك ما هو إلا هرطقة. وحين قلت له: إن الغزالي عاش في مهب الشك زمناً وصفه في أحد كتبه، فهل كان شكه ديكارتياً أو فلسفياً؟ أجاب: كلا، لم يكن شكاً.. بل كان حيرة.. كان فترة ضياع بين آراء مختلفة.. وكان هدف هذه الحيرة الوصول إلى اليقين بأحد تلك الآراء المختلفة.. ووصل أخيراً إلى الأخذ بكل تلك الآراء المختلفة، بل المتناقضة حين التجأ إلى خيمة العرفان أو التصوف بتعبير أوضح.. وأن تجمع بين آراء متناقضة ما هو إلا هرطقة. وحين قلت له بغضب: لقد هرطقت كل ما مر من آراء، وأظنك لن تستطيع الشك في أن ابن رشد قد حسم الجدل بين الدين والفلسفة، أو بين العقل والنقل، حين قال: «إن الحق لا يعاند الحق» فالعقل والنقل كل منهما يوصل إلى الحق. حين قلت له هذا، صمت حتى خلت انه فقد لسانه.