يملك المسن عبدالحفيظ عباس معلومات كثيرة عن صهاريج المياه في محافظة الوجه، إلا أنه لا يعرف متى بنيت ولا تاريخ نشأتها. فهو منذ أبصرت عيناه الحياة، يراها قائمة ويسمع أحاديث الأهالي عنها، إلا أنه يعتبر نشوءها من مبدأ "الحاجة أم الاختراع". وتلك الصهاريج التي كانت تختزن ذاكرة الناس وحكاياتهم لم يبق منها إلا واحد لا يزال شاهداً على ما كانت توفره تلك الصهاريج من مياه لسكان المحافظة والحجاج العابرين إلى حين إنشاء التحلية عام 1387، كما أنها كانت فنا معماريا ميز الوجه عن سواها من مدن الحجاز، بحسب "العم" عبدالحفيظ. ويقول: كانت المحافظة تعاني من عدم وجود مياه عذبة وكانوا يعتمدون على بعض الآبار القريبة من المدينة مثل قلعة الزريب، حتى راودت بعض الأهالي فكرة الاستفادة من مياه الأمطار التي تتساقط بغزارة بأن تجمع في صهريج أو بركة - كما تعرف في أماكن أخرى كالمدينةالمنورة - بدلاً من ضياعها في مياه البحر، وفعلا طبقوا الفكرة وبدأ بعضهم بناء أحواض صغيرة لجمع مياه الأمطار، ثم تطور الأمر لاحقا وأنشأ كثير من الأسر صهاريج منهم أشراف آل بدوي وأشراف آل مرعي والعلي وآل بديوي والغبان والسنيور والسرور والحماص والغنيم وحمود الفلاح"، مشيراً إلى أن بعض الصهاريج أو البرك أصبحت تسمى بأسماء أصحابها مثل "بركة العون وكركدان وهي صهريج صغير، وصهريج أبو منظرة وأبو الحسنات". محطة الحجيج ويضيف "العم" عبد الحفيظ: كانت الوجه محطة لمرور الحجيج سواء من مصر أو المغرب، وربما يكون بعض الحجاج أشار على أحد أبناء الوجه بفكرة الصهاريج وربما تكون معروفة لديهم هناك، وهكذا بدأ إنشاء الصهاريج في مواقع مختلفة في البلدة سواء في الشمال الشرقي أو الشمال الغربي. وكان يقوم على إدارة كل صهريج محصل أموال، علما بأن أكثرها يحمل الناس مياهها بالقرب مجاناً، أما من يبيع الماء فيسمى السقا، وكان يجلب المياه على الدواب ويبيع القربة بهللة أو هللتين". وهذا ما يؤكده المعمر زارع حمزة أبو دريهم الذي عمل سقا في شبابه، بقوله إن "الصهاريج هي المصدر الوحيد للمياه العذبة لأهالي الوجه في كافة حياتهم اليومية. ويقول إنه عندما نشأ وجد أمامه هذه الصهاريج التي تملكها بعض الأسر والعوائل من الأهالي. وعن مهنة السقا يقول: كان يتولى جلب المياه وتوزيعه وبيعه، وكانت الوجه كانت عبارة عن شوارع وحوار يتم من خلاها توصيل الماء وبيعه من خلال الدواب. أشهر الصهاريج ومن الصهاريج التي اشتهرت بها محافظة الوجه، صهريج الشريف مصطفى بدوي وصهاريج أشراف آل مرعي وصهاريج آل بديوي والعلي وحماص والغبان والسنيور وآل غنيم والفلاح. ويقول المعمر عمر عيسى "لم يبق من هذه الصهاريج إلا صهريج واحد بجوار بلدية الوجه وهو صهريج السنيور". أسس علمية ويقول الأمين العام للجنة السياحية في محافظة الوجه، المهتم بتاريخ المحافظة إبراهيم الشريف, إن الهدف من بناء هذه الصهاريج, الاستفادة من مياه الأمطار كمصدر دخل لبعض الأهالي في توفير لقمة العيش والرزق"، موضحاً أنها كانت تنشأ في مصبات السيول خصوصا في المناطق المنخفضة لا سيما أن مياه الأمطار تنحدر من الشرق إلى الغرب وأكثرها بنيت قريبة من البحر للاستفادة من المياه وعدم ضياعها، ولهذا نجدها في أماكن مختلفة منها ما يقع في الشمال الغربي ومنها ما يقع في الشمال الشرقي". ويشير الشريف إلى أن "بناء الصهاريج كان يتم على أسس هندسية علمية للاستفادة من مياه الأمطار نظراً لقلة الماء العذب ومشقة الحصول عليه من أماكن بعيدة عن البلدة تأخذ الوقت والجهد"، لافتاً إلى أن "طول الصهريج يبلغ 60 ذراعاً وعرضه 20 ذراعاً وعمقه 20 مترا".