بالأمس، كنا ننتظر هلال رمضان ونترقبه كما يترقب العطشى غيمة توشك أن تمطر، نمد أرواحنا له كما تمد الزهور أوراقها لقطرات الندى، ونزين قلوبنا لاستقباله كما تُزخرف الدروب لمرور موكب ملكي، حالمين أن يطيل المكوث فينا، لننهل من فيض سكينته ورحمته. لكن ما إن أسدلنا الستار على لحظات الترقب، حتى وجدناه يودعنا وكأن الزمن التهم نفسه في غفلة منا. متى مرت كل هذه الأيام؟! وكيف انساب الوقت بين أصابعنا كقطرات ماء، لم نشعر بتسربها إلا حين وجدنا أيدينا خاوية؟! ربما لا تكمن المشكلة في الزمن ذاته، بل في أعيننا التي لم تعد ترى، في أرواحنا التي ازدحمت بالضجيج حتى فقدت قدرتها على الإصغاء إلى وقع خطواته. كان أجدادنا يحسبون الأيام بحركة الشمس، يرقبون الفجر وهو يتهادى في الشروق، والغروب وهو ينهمر ببطء، أما نحن، فصرنا نقيس الزمن بنبض الشاشات، ووميض الهواتف، وتدفق الأخبار السريعة، حتى فقدنا الإحساس الحقيقي به. فكيف لنا أن نشعر بلحظة تمر ونحن منشغلون عنها بعشرات اللحظات الأخرى؟ الزمن لا يسرع ولا يبطئ، إنما يبدو كذلك بحسب طريقة إدراكنا له. في طفولتنا، كنا ننغمس في اللحظات ونعيشها بكل حواسنا، فنشعر بأن الوقت ممتدّ وواسع، لكن حين نكبر، نغرق في دوامة الروتين، ونركض بين المسؤوليات وشتات التفاصيل، فيتسارع الزمن ويختزل الأعوام في ومضة، كأنها لم تكن سوى أيام عابرة. ها هو يمضي رمضان بخطوات وادعة، تاركا وراءه دربًا مضاءً بذكريات السحور والتراويح والدعاء لكنه لا يتركنا في ظلمة الفراق. ففي الأفق يطل هلال العيد حاملًا بيديه فرحة الحلوى وبهجة اللقاء فما أجمل أن نفتح له قلوبنا، كما تفتح الزهور أوراقها للفجر!