لم يقترب بنو البشر من تحقيق أعز أمانيهم كما اقتربوا اليوم، فحجم الكشوفات العلمية والتطورات التقنية والثورة المعلوماتية الهائلة وغيرها من الإنجازات التي كانت تندرج منذ عهد قريب تحت نطاق الخيال العلمي وخلف أبواب المستحيلات، أصبحت اليوم واقعاً مشاهداً وملموساً، بل إنه لا يمكننا الاستغناء عنها في حياتنا وممارساتنا اليومية، وهذا الأمر اقتضى عشرات العقود حتى استطاع الإنسان أن يسخِّر الطبيعة لصالحه حيث تفجرت ملكاته الذهنية والعقلية ونمت قدراته -عبر ملايين السنين- على فهم أعمق لطبيعة المجتمع والنفس والعقل والتاريخ، ولكنه حتى الآن لم يدرك بعد أبعاد هذه الثورات العلمية التقنية العنقودية ولم يستدرك بعد كل زخمها ودلالاتها وكل آثارها المحتملة. إن الثورات المعلوماتية اليوم تقتحم طريقها إلى عالمنا بقوة في الوقت الذي لم نستوعب فيه حتى هذه اللحظة مقدار تلك التحولات الفكرية المصاحبة لها، فمنذ بداية عصر المعلومات كان لنا موقف أخلاقي سلبي رافض للتقنية الحديثة كمواقفنا المعتادة إزاء الحضارة الغربية، باعتبار أن ثورة المعلومات منتج من منتجاتها الشيطانية، لذا -وبطبيعة الحال- وقفت ضدها فئات معينة من الناس الذين يرفضون فكرة التقدم أساساً ويعتمدون في رفضهم على رؤية مبتورة لمفهوم الحضارة الخاضعة بالأصل لقوانين العصرنة بما تقتضيه السيولة الفكرية من التطور وعدم الثبات، ولكن بعدما طغت قوانين الحركة على قوانين الجمود واتسعت الدائرة الإلكترونية من حولنا بتنا نرى رافضي الأمس هم متسابقو اليوم على الشبكة العنكبوتية، ولكن بنفس أفكارهم الموروثة المتخمة بالرفض لكل ما هو جديد كالعادة. الوعي هو أعلى درجات التفاعل مع الحياة واستناداً إليه استطاعت التقنية المعلوماتية -التي هي مجموعة من التغيرات المعرفية والفكرية والنوعية – تغيير نظرتنا عن العالم وعن الأشياء من حولنا، وبالتالي أحدثت تحولات عملية في سلوكياتنا، وأياً كانت أفكارنا عنها فإن ثمة شيئاً واحداً واضحاً هو أن الممرات والطرق الإلكترونية تكاد تشكل اليوم البنية الأساسية الجوهرية لتغيراتنا الثقافية التي ساهمت في خلق فعاليات متطورة في توجيه الرأي العام، ومن هنا تنبثق مسؤولية المثقف الموضوعي في محاولة تكوين رؤية وصورة شفافة بعيداً عن الشحن الإقصائي تجاه أي قضية لا تتسق مع المنظومة الفكرية التابعة له، حتى نستطيع الانفصال عن تركة الماضي لأمتنا التي يعتبر جزء من ثقافتها قائماً على الانحياز دون توازن إلى أن ضاع الإنسان فيها بين أغلال السياسة وصنوف التطرف والقمع. لن نقترب إلى الحقيقة إلا إذا لامسنا طريق الإنسانية، فلقد أبدع الإنسان من أجل الإنسان على مر العصور في صناعة الحضارة الصناعية ولكننا أخفقنا -مع الأسف- في جعل أنفسنا جديرين بهذا الجهد الخارق، وحياتنا حياة لا تسودها المسؤولية والحق والعدالة، بل تجتاحها الفوضى الأخلاقية والمصالح الذاتية، وأصبحنا نعيش وفق كيانات منفصلة ونزعم أن حياتنا قائمة على أساس متين ونتجاهل ظلال التفرقة والعنصرية ونلوح بوجوهنا عنها، وتستمر هذه الحلقة في الدوران إلى أن يصبح لدينا القدرة على زيادة مساحة المعرفة واستنهاض آليات الرأي العام لصالح الإنسان والإنسان فقط.