تُمثلُ استطلاعات الرأي العام جزءاً مهماً وضرورياً في حياتنا اليومية في الوقت الحاضر؛ حيث تعاظم دورها على الأصعدة السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية؛ فاستطلاعات الرأي العام هي رؤية أغلب أفراد المجتمع بكل شرائحه المتنوعة إزاء قضية ما؛ وذلك في محاولة للتعرف إلى ميول المجتمع وتوجهاته التي يعتمد عليها أصحاب القرارات العليا لوضع الاستراتيجيات والسياسات في كثير من الدول. وقد أصبحت استطلاعات الرأي العامة مهمة ومؤثرة في كثير من الناس وخصوصاً الدول المتقدمة؛ حيث يتأثر كثيرون بنتائج تلك المراكز الاستطلاعية، ويعدونها من القياسات المهمة والمؤثرة، فقد اعتادت تلك الدول على هذه المراكز، وأصبحت بينها وبين تلك المراكز مصداقية عالية، فتجدهم ينتظرون النتائج التي سوف تصدر عن تلك المراكز بعد قياساتهم لمشكلة معينة أو قضية ما؛ فالمصداقية والموثوقية من أساسيات مراكز الاستطلاع الناجحة؛ لأنه إذا غابت المصداقية ولم يثق الناس بتلك المراكز فسيصبح هناك خلل في عرض النتائج، وعدم جدواها؛ بسبب عدم تعاون أغلبية شرائح المجتمعات مع تلك المراكز، أما إذا كانت المصداقية عالية جداً وثقة الناس كبيرة بها فالنتائج سوف تكون إيجابية وصحيحة إلى درجة كبيرة ومفيدة للجميع. ونحن في هذا الوطن بحاجة إلى مراكز استطلاعية ذات مصداقية عالية تهتم بقياس الرأي العام حول القضايا التي تحتاج إلى إيجاد حلول سريعة؛ لأنه يوجد فراغ كبير في مجال استطلاعات الرأي العامة، ولابد أن ننظر إلى هذه المراكز متى ما وجدت وأُسست على أنها مراكز بحثية ونتعاون معها تعاوناً كبيراً من خلال تعبئة أدوات الدراسات، والإجابة عن أي استفسارات سواء عن طريق الهاتف (Call Center) أو الاستبيان، وهناك فئة من شرائح المجتمع لدينا لا يبالون بالدراسات الاستطلاعية حتى إن بعضهم لا يبذلون أدنى جهد في تعبئة أدوات الدراسة الاستطلاعية ظناً منهم أن هذه الدراسات لا تخدم إلا أهدافها، وهذا الظن يجب أن يتغير عند الجميع، ويجب وضع الثقة في مراكز الدراسات الاستطلاعية والاستراتيجية، وأن نتعاون معها في تعبئة الاستبانات المخصصة لتلك الدراسات، وأن تكون لدينا ثقة كاملة في نتائج مراكز الاستطلاعات العامة وما تتوصل إليه من نتائج؛ لأن ذلك يعطي الثقة لتلك المراكز في تنفيذ كثير من الدراسات الاستطلاعية المستقبلية التي تشمل معظم قضايانا الفكرية والاجتماعية والتربوية وغيرها. ومن فوائد الدراسات الاستطلاعية أنها تساعدنا على التنبؤ بالمستقبل بطريقة عقلانية وموضوعية من خلال قياسات الرأي العام فهي تساعد صاحب القرار سواء في السلطة العليا أو على المستوى الحكومي والخاص على اتخاذ القرارات المتوازنة لحل كثير من المشكلات ومواجهة الصعاب إن وجدت، ويصبح العمل مرسوماً وفق سياسات واستراتيجية مدروسة دراسة جيدة تجنبهم الأخطاء والمجازفات والوقوع في منعطفات خطيرة قد تعترض سعيهم مستقبلاً، ويُعد التركيز على الدراسات التنبؤية من أخطر أنواع الدراسات لأن أي خطأ قد يصدر أثناء قياس مجتمع ما أو دراسة مواضيع مهمة يكون كارثياً ومؤثراً سلباً على الاستراتيجيات المستقبلية؛ لذلك فإن مراكز الاستطلاعات يجب أن تكون متميزة في أدائها وأن تعمل على الوصول إلى ثقة الناس بها، فالمصداقية هي أساس ومرتكز عمل هذه المراكز. ولابد للمراكز الاستطلاعية أن يكون لديها فهم كبير لطبيعة المجتمع المراد دراسته، وأن يكون هناك إدراك لجميع الجوانب السيكولوجية والنفسية لجميع الشرائح المستهدفة حتى تتمكن تلك المراكز من قياس أي قضية ما بطريقة مناسبة وناجحة وهذه هي الطريقة الأنجع والأسلوب الأفضل والمتبع في قياسات الرأي العام, وكذلك تحديث قواعد البيانات والمعلومات ومصادرها بصفة دائمة؛ لضمان سير العمل الاستطلاعي وفق منهجية علمية رصينة تؤدي إلى نتائج واقعية . وما نلاحظه من غياب في التخطيط الاستراتيجي لدى كثير من الجهات الحكومية والخاصة سببه عدم إجراء دراسات استطلاعية لقياس مدى رضى المجتمع عن الوضع الراهن للوصول إلى المستويات الإيجابية ليتم تعزيزها مستقبلاً، وإيضاح السلبيات ليتم تلافيها والتخلص منها عاجلاً، لذلك ما زال مفهوم قياس الرأي العام غائباً عن ذهنية كثير من أفراد مجتمعنا وخصوصاً القياديين منهم؛ لأنهم رضوا بالواقع الحالي ولا يريدون تغيير ذلك الواقع. وختاماً نقول: إن نتائج استطلاعات الرأي العام ومؤشراته هي أهم مُدخلات صناعة القرار الرسمي والشعبي في دول العالم المتقدم، وهي متطلب ضروري لأي قرار أو خطة سواء في مجال التنمية والخدمات أو في التخطيط لمختلف القطاعات والحقول، وهنا نتساءل: ما الذي يمنع وجود مراكز متخصصة في هذا المجال في بلادنا لتكون عوناً للمواطن والمسؤول في سبيل توفير المعلومات الضرورية عن الميول العامة للمجتمع واتجاهاته للوصول إلى بوصلة حقيقية تُسهم في ترشيد مسارات اتخاذ القرار وتصويبه في الاتجاه الأمثل.