تتميز المبادرات المجتمعية والتنموية حين يتم ربطها بالاستدامة وهو النهج الذي يجب أن ترتبط به مبادرات المسؤولية المجتمعية، أي التوفيق بين الاقتصاد والمجتمع والبيئة ووفاؤها باحتياجات الحاضر ومراعاة احتياجات الأجيال القادمة. فمأسسة المبادرات الاجتماعية في مفهومها الشامل يجعلها تسهم في ديمومة التنمية بما يضمن تحقيق الاستدامة عبر تلبية احتياجات فئات المجتمع المختلفة في الحاضر دون المساس بمقدرات الأجيال القادمة وإهدار حقوقهم في الحياة وهو ما اعتمده المجتمع الدولي في قمة الأرض بالبرازيل عام 1992 حيث أكد على ضرورة الحفاظ على مستوى حياة للأجيال القادمة لا يقل عن المستوى الذي نعيش فيه اليوم. وخلال الأعوام الماضية تعالت المطالبات بتبني ثقافة الاستدامة في المشاريع التنموية المجتمعية والخيرية والتطوعية التي يجب أن تحتوي على النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية وحماية البيئة ومصادر الثروة الطبيعية بها، بما يعطي نظرة شاملة عند إعداد استراتيجيات التنمية المستدامة التي تراعي هذه الأبعاد الثلاثة بدقة. في مجتمعنا اليوم هناك عديد من المطالبات بتبني القطاع العام والخاص ورجال المال والأعمال والميسورين لاستراتيجية الاستدامة في تقديم مساهماتهم المجتمعية بشكلها ومضمونها بما يضمن توفير حياة أفضل للمستفيدين والأجيال المقبلة بشكل مستدام، لاسيما أن تحقيق التنمية المستدامة يعتبر أحد المفاهيم الأساسية في مجال التنمية الدولية التي يمكن مراعاتها في أي مشروع أو مبادرة أو برنامج تنموي، حيث تتكون التنمية المستدامة من مكونات تشمل النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية وحماية البيئة، وهي ما يمكن اتباعه عند تصميم أي مبادرات في مجال المسؤولية المجتمعية. المبادرات المجتمعية الرائدة تتميز بكونها تراعي رسم السياسات التنموية بما يضمن حصول الإنسان على فرص التنمية وتلبي احتياجات الأجيال المقبلة وتحقق شراكة حقيقية بين المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص للمساهمة في ديمومتها، فضلاً عن مراعاة تحقيق الرفاهية والتنعم بالموارد البيئية والتعامل الأمثل مع التطور المجتمعي والتقدم التقني. وتشمل أبعاد المسؤولية المجتمعية المستدامة البعد الاجتماعي كمعالجة البطالة والتنمية المحلية والرعاية الصحية والترابط الاجتماعي إلى جانب البعد الاقتصادي، فضلاً عن البعد البيئي الذي يتمحور حول الحفاظ على الطبيعة والمياه والهواء والتربة والتنوع البيولوجي. وما يميز مبادرات المسؤولية المجتمعية أنها تلبي الاحتياجات الفعلية وتنطلق من التحليل الدقيق للوضع الراهن والاتجاهات المستقبلية والمخاطر المتوقعة وتقييم الأثر واعتماد مشاركة جميع المنتفعين ذوي الصلة لتحقيق أفضل النتائج للجميع وتخطيط الميزانية لضمان توفير الموارد المالية والتكامل بين القطاعات المختلفة. لذا يجب أن يترسخ مفهوم المسؤولية والشراكة المجتمعية المستدامة ضمن قيم المنشآت التجارية ويتجسد كقيمة من قيم المواطنة، حتى تصبح هذه المنشأة وتلك شريكاً فاعلاً للتنمية، وهذا بالتأكيد سيؤثر بشكل إيجابي في مسيرة المسؤولية المجتمعية وتطور مفهومها وتطوير المجتمع وتحقيق التكافل الاجتماعي على أكمل صورة.