منذ غزو العراق والتبشير بالشرق الأوسط الجديد وبالديموقراطية وبالفوضى الخلاقة يسير على قدم وساق صدقه من صدقه وكذبه من كذبه، وفي المحصلة تحولت تلك الوعود إلى حقائق ولكن من نوع آخر، كل حقيقة منها تمهد الطريق للتي تليها وهي تتسم عموماً بجعل المنطقة برمتها تعيش فوضى مدمرة تمهيداً لخلق شرق أوسط جديد عماده تحويل الدول العربية فيه إلى دويلات أو كانتونات طائفية تحتمي كل منها ضد الأخرى بإسرائيل، وقد بنيت تلك الفوضى على دراسات معمقة للتاريخ وللاختلافات وللأعراق ولأساليب الحكم وإلى مطالب الأقليات وللمذاهب الدينية وللعواطف ولطموحات بعض الأشخاص والتنظيمات وللأطماع المحلية والاقليمية وللنزعات الانتقامية. هذا وقد قامت مراكز الدراسات الاستراتيجية الإسرائيلية ومراكز الدراسات التي يسيطر على مجريات الأمور فيها عناصر صهيونية موالية لإسرائيل والحركة الصهيونية في الدول الغربية ببلورة تلك التوجهات، وساعد على ذلك الشتات اليهودي في تلك الدول (إن صح التعبير) ما يحدث في العالم العربي ليس ربيعاً بل خريف تساقطت أوراقه على شكل جثث والتهبت أجواؤه بالبراميل المتفجرة والحروب الأهلية وسفك الدماء على الهوية وربما يتم إعداد بعض تلك الدراسات من خلال بعض الدراسات التي تقوم بها الجهات المختصة في السفارات المعنية كما تتم الاستفادة من بعض الرسائل العلمية التي تعد في بلاد الغرب والتي تتناول التركيبة الداخلية لبلدانهم بصورة بريئة والتي يكلف بها بعض المبتعثين بها دون علم منهم عن الأبعاد التي قد تترتب على التفاصيل والحقائق التي يتم التعرض لها ناهيك عما تعده الجهات الاستخباراتية والجواسيس والعملاء وغيرهم ممن يتنافسون على الإضرار بأوطانهم وبني جلدتهم في مقابل المال أو الوعود البراقة التي تكون نهايتها في الغالب نهاية محزنة، حيث يتم التخلص من هؤلاء من قبل مستأجريهم وذلك لكتم الأنفاس ومحو الأثر وطمس الحقيقة. نعم الحقائق على الأرض اليوم تقول إن اللاعبين كثر وإن الأساليب الحديثة قد تمكنت من اختراق التنظيمات وزرع العملاء الذين يجيدون الدور المطلوب منهم إن كان دينياً أو سياسياً أو خلط أوراق أو تجنيد أو إحداث فرقة أو خصام أو لي الحقائق وتحويلها إلى أكاذيب أو العكس، أو إثارة النعرات العرقية أو القبلية أو الطائفية والدق على إسفين الخلاف مهما صغر وتحويله إلى قوة تنافر تفرق الجمع مستغلين العوامل النفسية والعاطفية التي يتسم بها سكان المنطقة العربية، ومستغلين بعض السلبيات للحراك اليومي للدول، والتي تشمل الفساد والمحسوبية والتهميش والدكتاتورية وغياب الشفافية ناهيك عن الفقر والبطالة والجشع والغلاء التي يتم تعمد ممارسة بعض منها بواسطة مؤثرات خارجية أو داخلية، الغرض منها توليد عدم الرضا والسخط والنقمة. إن ما يحدث في العالم العربي ليس ربيعاً بل خريف تساقطت أوراقه على شكل جثث والتهبت أجواؤه بالبراميل المتفجرة والحروب الأهلية وسفك الدماء على الهوية وذلك مدعوم بخلط الأوراق ووجود زعامات تعمل على تأجيج الموقف ودفعه للأسوأ كما يفعل نوري المالكي في العراق وكما يفعل الأسد في سورية. نعم الخريف العربي طال ويطول كلاً من ليبيا وسورية والعراق والسودان واليمن ومصر. والعمل يجري لتعقيد الموقف وذلك لأن الوضع الراهن وما سوف يترتب عليه يصب في صالح الكيان الصهيوني وفي صالح من يقف خلفه لصالح لوبيات تتحكم بالمال والإعلام، وبالتالي فهي ممسكة بزمام الأمور فلا يستطيع أي مرشح للرئاسة أو عضوية البرلمان أو التعيين كسفير أو وزير ناهيك عن رئاسة الدولة إلا برضاها لذلك تجد المرشحين لتلك المواقع يتنافسون في تحقيق قصب السبق لكسب رضا إسرائيل واللوبي الصهيوني. إذاً إسرائيل التي كانت محاطة بدول مستقرة مثل سورية ومصر ولبنان أصبحت تلك الدول اليوم في دائرة عدم الاستقرار والحروب الأهلية وأنهكت عسكرياً واقتصادياً وأمنياً ولازالت كذلك، ليس هذا فحسب بل إن الدول الرديفة مثل العراق وليبيا قد طالها التشرذم والانقسام وكل ذلك يعني أن إسرائيل هي من يعيش الربيع الحقيقي ولا أدل على ذلك مما يلي: * انخفضت القدرة الدفاعية لكل الدول العربية المحيطة بإسرائيل بصورة لم يسبق لها مثيل حيث تحولت جيوش تلك الدول إلى مسميات دون محتوى وتم إشغال تلك الجيوش بحروب ضد من كان يجب أن تحميهم. * أصبحت كل من العراق وسورية في فوضى عارمة إن لم نقل حرباً أهلية قضت على البنية التحتية والفوقية وأزهقت عشرات الآلاف من الشباب وأحيت النعرة الطائفية وأصبحت على وشك التفكك إلى دويلات متصارعة يغذيها النفس الفارسي والإسرائيلي. * أصبحت بلاد الخريف العربي مرتعاً ومسرحاً لعناصر المخابرات الإسرائيلية والإيرانية وغيرها حيث يقومون بإدارة دفة الصراع وخلط الأوراق وتحديد المواقع المستهدفة وتصفية العناصر المخلصة وغير المرغوب فيها ناهيك عن إيصال السلاح إلى كل من يستطيع أن يدمر بصورة أفظع وأسرع. * إسرائيل منذ أن وجدت وهي تقوم بلعبة "فرّق تسد" بين الدول إلاّ أنها اليوم تمارس ذلك بكل سهولة داخل النسيج الاجتماعي والشعبي، داخل كل دولة عربية حتى تلك التي لم يطلها الخريف العربي وذلك تمهيداً لوصوله إليها مستغلة الإرهاب والتطرف والنزعة الإقليمية وإحياء النزعة العرقية والطائفية ووجود من هو على استعداد لإثارتها في مقابل أو نتيجة لجهل أو تخلف أو عدم إدراك لما يترتب على الكلام سواء كان شعراً أو نثراً أو فتوى أو تصريحاً أو غير ذلك. * إسرائيل وإيران أصبحتا حليفتين بصورة مباشرة أو غير مباشرة يجمعهما كره العرب من ناحية والأطماع التي يسوقها مستهدفو المنطقة من فرس وصهاينة، ولذلك فإن الطرفين ضالعان فيما يجري على الساحة العربية، فكل منهما يكمل الناقص الذي لم يستطع الطرف الآخر منهما إنجازه. * في الماضي كانت أفغانستان مركز تدريب مفتوح للإرهاب والتطرف، واليوم أصبحت كل من العراق وسورية واليمن وليبيا وغيرها من البلدان مراكز مفتوحة لتدريب وتخريج المتطرفين والجواسيس والعملاء. كما أن تلك البلدان أصبحت مصايد للشباب الذين يتم التغرير بهم من قبل فئة باعت ضميرها وأطلقت العنان لألسنتها دون روية أو تفكير بالانعكاسات السلبية المترتبة على فعلها وقولها. * الفوضى التي تعم دول الخريف العربي فتحت الحدود وبذلك سهلت تهريب السلاح وتهريب المخدرات وغسيل الأموال والجريمة المنظمة والإرهابيين وكل ذلك يصب في خانة دعم إسرائيل والمنظمات الإرهابية التي تقتات على الدخل غير المشروع من تلك الممارسات، وفي نفس الوقت تشكل تلك الممارسات معاول هدم فعالة لقوام تلك الأوطان من الشباب والشابات حيث إن تفشي تعاطي المخدرات والإتجار بالأنفس والعقول يؤدي إلى تخلف البلد المستهدف وفقره حيث يصبح فيه من يبيع نفسه للأعداء مقابل الحصول على جرعة أو متعة أو مال أو وعود براقة تشبه السراب الذي لا يعدو كونه قيعة. هذا في دول الخريف العربي وفي المقابل تعيش إسرائيل أكثر أيامها سعادة وقوة وهناء وهي تتفرج على عدوها يحترق ويتقاتل ويدمر نفسه بنفسه فهي تعيش ربيعاً حقيقاً وليس خيالاً ولا أدل على ذلك من: * تحظى إسرائيل بكامل الأمن والأمان بعد أن انشغل كل من يعاديها بتدمير نفسه وطبقاً لدراسات مراكز الأمن الإسرائيلي فقد لا تتمكن الدول العربية المواجهة لإسرائيل من استعادة قوتها وتوحيد صفوفها على مدى ال(30) عاماً المقبلة هذا إذا حافظت تلك الدول على وحدتها وتمكنت من إعادة النظام والانضباط إلى صفوفها واستطاعت إعادة تدوير عجلة التنمية فيها وهذا ما لا يمكن أن يسمح به الأعداء. * الجيش الإسرائيلي تفرغ لهدم بيوت الفلسطينيين وقتل شبابهم والعربدة والسجن والتشريد والتحكم بالأراضي المحتلة وذلك لغياب الرادع وتسلح العرب بالشجب والاستنكار. * تفرغت إسرائيل لبناء المستوطنات ومصادرة الأراضي وتجريف البساتين والقضاء على أشجار الزيتون وسرقة المياه والتراث وتهويد المدن والقرى بما في ذلك القدس. * تفرغت إسرائيل للاستثمار حيث لم يعد هناك مخاوف من الحرب لأن العدو مشغول بقتل وتدمير ذاته، كما أن عناصر المخابرات الإسرائيلية أصبحت اليوم أكثر فاعلية من جيشها. * تفرغت إسرائيل لبناء الهيكل بعد أن جعلت المسجد الأقصى على وشك الانهيار بسبب الحفريات التي طالت جميع أساساته وأركانه. * تحولت مطالب إسرائيل من طلب الاعتراف بوجودها إلى طلب الاعتراف بيهوديتها وذلك لكي تتمكن من المضي قدماً في مصادرة بقية الأرض والعودة إلى كل بقعة سكنها أو تواجد فيها يهود على مر العصور محتجين بحجج وذرائع لو طبقت على مستوى العالم لوجدت شعوبه في عملية هجرة عكسية، فمعظم البشر لهم أجداد عاشوا في أماكن غير الأماكن التي يعيشون فيها الآن، إلا الإسرائيليين الذين يتم تجميعهم من جميع أنحاء العالم وإحلالهم محل الفلسطينيين قسراً وعنوة. * نعم إسرائيل هي التي تعيش الربيع بكل أبعاده ولم يطلق مسمى الربيع على الفوضى والانتحار والدمار والاقتتال العربي إلا استهزاء وسخرية، فالعرب اليوم يعيشون أسوأ أيام تاريخهم والعدو يشمت بهم فهل يدرك العرب أن ما يجري هو بداية نهايتهم كأمة وكحضارة وكوجود؟ إن لم يتداركوا الموقف وتصحو ضمائرهم ويتقدم الجميع عقلاؤهم بدلاً من سفهائهم أمثال المالكي والأسد.. والله المستعان.