البليهي ينتظر قرار جيسوس    دوري روشن المحطة الجديدة؟ دي بروين يرحل عن مانشستر سيتي    إمام المسجد الحرام: الثبات على الطاعة بعد رمضان من علامات قبول العمل    إمام المسجد النبوي: الأعمال الصالحة لا تنقطع بانقضاء المواسم    بلدية رأس تنورة تختتم فعاليات عيد الفطر المبارك بحضور أكثر من 18 ألف زائر    المملكة تدين وتستنكر بأشد العبارات للتصعيد الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة    طيف التوحد... لغز العصر الحديث وهمّ الإنسانية    نائب أمير مكة يدشّن معرض "في محبة خالد الفيصل" في جدة    رابطةُ العالم الإسلامي تُدين الغارات الإسرائيلية على الأراضي السورية    أمطار رعدية على معظم مناطق المملكة    جمعية «شريان» بجازان تعايد مرضى مستشفى الأمير بن ناصر    رؤية متكاملة لتنظيم سوق العقار    العماد والغاية    ماجد بن سعود الشعيفاني عريساً    حظوظ «الأخضر» في التأهل تزداد    نيوكاسل.. التجربة المفرحة    إقبال كبير على الجناح السعودي في معرض بولونيا الدولي للكتاب    قوميز في مؤتمر صحفي: جاهزون لمواجهة الفيحاء وهدفنا تحقيق الفوز    نهضة وازدهار    شكراً ملائكة الإنسانية    النوم أقل من سبع ساعات يوميًا يرفع من معدل الإصابة بالسمنة    بريد القراء    جزر فرسان.. طبيعة وفعاليات بحرية    ولي العهد والرئيس الإيراني يبحثان في اتصال هاتفي تطورات الأحداث في المنطقة    حرب «المسيّرات» تكلفة رخيصة للمهاجمين وخسارة كبيرة للمدافعين    المَلّة والعريكة.. تزينان موائد عيد الطائف    وسط إقبال كبير.. «الترفيه» تصنع المسرح    «ستاندرد اند بورز» يخسر 2.4 تريليون دولار من قيمته السوقية    فرع هيئة الصحفيين بحفر الباطن يقيم حفل معايدة للإعلاميين والإعلاميات بالفرع    تشيلسي يفوز على توتنهام ويعود للمركز الرابع    مدرب الأهلي "يايسله" قبل مواجهة الاتحاد: لانخاف من أي منافس ولن أتحدث عن تفاصيل المباراة    نائب أمير الرياض يعزي زبن بن عمير في وفاة والده    حرس الحدود بجازان يحبط تهريب (45) كجم "حشيش"    نجوم الفن العربي يتألقون في ليلة دايم السيف اليوم بجدة    السعودية تدين وتستنكر الغارات الإسرائيلية التي استهدفت 5 مناطق مختلفة في سوريا    الملك وولي العهد يعزيان عضو المجلس الأعلى حاكم أم القيوين في وفاة والدته    مركز 911 يستقبل أكثر من 2.8 مليون مكالمة في مارس الماضي    نفاذ نظامي السجل التجاري والأسماء التجارية ابتداءً من اليوم    المملكة تستضيف "معرض التحول الصناعي 2025" في ديسمبر المقبل    المملكة تدين اقتحام وزير الأمن القومي الإسرائيلي للمسجد الأقصى    العثور على رجل حي تحت الأنقاض بعد 5 أيام من زلزال ميانمار    ودعنا رمضان.. وعيدكم مبارك    أكثر من 122 مليون قاصدٍ للحرمين الشريفين في شهر رمضان    الجيش اللبناني يغلق معبَرين غير شرعيَّين مع سوريا    المملكة تحقِّق أرقاماً تاريخية جديدة في قطاع السياحة    الدول الثماني الأعضاء في مجموعة أوبك بلس يؤكدون التزامهم المشترك بدعم استقرار السوق البترولية    الأونكتاد: سوق الذكاء الاصطناعي يقترب من 5 تريليونات دولار    بلدية محافظة الأسياح تحتفي بعيد الفطر وتنشر البهجة بين الأهالي    بلدية محافظة الشماسية تحتفل بعيد الفطر المبارك    الدفاع المدني: استمرار هطول الأمطار الرعدية على معظم مناطق المملكة حتى الاثنين المقبل    أكثر من 30 فعالية في (٨) مواقع تنثر الفرح على سكان تبوك وزوارها    وزارة الصحة الأمريكية تبدأ عمليات تسريح موظفيها وسط مخاوف بشأن الصحة العامة    ترحيب سعودي باتفاق طاجيكستان وقرغيزستان وأوزبكستان    طيفُ التوحدِ همٌ أُمَمِي    محافظ الطوال يؤدي صلاة عيد الفطر المبارك في جامع الوزارة ويستقبل المهنئين    باحثون روس يطورون طريقة لتشخيص التليف الكيسي من هواء الزفير    جمعية " كبار " الخيرية تعايد مرضى أنفاس الراحة    الأمير سعود بن نهار يستقبل المهنئين بعيد الفطر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تسامح السلف وتعصب الخلف

من لا يحسن قراءة الإسلام في مظانه النصوصية الأولية، ويرى مع ذلك ما عليه المسلمون اليوم من تعصب وعنصرية وآحادية وضيق بالمخالف، سيجزم أنهم يتمثلون حالة اجتماعية صنعها الإسلام من حيث هو دين، لا من حيث هو تاريخ. ذلك أن الإسلام الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم كان إسلاما منفتحاً واسع الأفق، مدنياً يعترف بحق الإنسان في التدين وعَقْدِ قلبه على ما يريد، مادام أنه لم يفرض عقيدته أو تدينه على أخيه الإنسان. لقد نزلت النصوص القرآنية مشرعة لحرية العقيدة لتكون ضمانة أبدية لعالمية الإسلام، فنزل قوله تعالى "لا إكراه في الدين"، وقوله تعالى "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"،
والغريب أن سلفنا، إذ كانوا قد وصلوا إلى هذه الدرجة من حرية التفكير، ومدنية الثقافة، والتعايش مع المخالف: شخوصاً وأفكاراً، فلقد خلفَ من بعدهم خلفٌ يحذرون الناشئة من الذهاب إلى معرض الكتاب لوحدهم، خشية أن تصيبهم لوثة عقلية جراء قراءتهم لكتب لم يوصهم بها «موجه ناصح خبير!»
وغيرها من الآيات التي تؤيد حرية العقيدة. هذه الحرية العقدية القرآنية ينقضونها بحديث آحاد رواه عكرمة مولى ابن عباس، وعكرمة يجرحه أهل الجرح والتعديل بقولهم فيه، كما عند محمد بن سعد صاحب الطبقات "ليس يُحتج بحديثه، ويتكلم فيه الناس".
إن الخلف المسلمين الذين يعايشون اليوم أدواء التعصب والعنصرية والجهل، يظنون أنهم إنما يتبعون سنن سلفهم في ذلك، والحق أن السلف أسلاف، وليسوا سلفاً واحداً. لكن إن ابتغيت الحق الذي لا مجمجة فيه، فإن السلف الذين اتبعوا الرسول النبي الأمي وما أنزل عليه من الهدى والنور، كانوا متسامحين متحابين متآلفين محتضنين لغيرهم من الطوائف والأجناس والأناسي التي لا تدين بدينهم. لقد بدأ الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم مسيرة الإسلام الإنساني المدني عندما أبرم عقد (صحيفة المدينة) كأول عقد اجتماعي في التاريخ يستحضر المواطنة بشكلها المدني الصريح، والذي لا يتطلب من صاحبها سوى الوفاء بحقوق المواطنة فحسب، ثم ليتماهى مع دينه ومعتقده حيث شاء. لقد أخذ ذلك العقد على عاتقه تدشين علاقة تأخذ على عاتقها التعاقد على أساس حفظ مصالح البلد والدفاع عنه، وبنفس الوقت، احتفاظ أهل كل دين بدينهم. فلقد نظر إلى المسلمين واليهود على أنهم أمة واحدة يقع عليهم عبء الدفاع عن المدينة/الدولة: يثرب، لكن في مقابل أن يحتفظ كل منهم بدينه. أين هذا الرشد السياسي، والتحضر المدني مما يدعو إليه أولئك الغثائيون الجهلة من عدم إلحاق غير المسلمين، أو المسلمين من غير طائفتهم، في أعمال معينة بالدولة؟ أو لم يكفهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم كلف المواطنين اليهود بالدفاع عن المدينة؟.
ولقد كان السلف الذين ارتضوا المنهج النبوي في تدشين دين مدني على أنقاض الدين الكهنوتي الذي كان سائدا قبله، متسامحين، وبل متعايشين مع لداتهم ممن بقوا على مللهم ونحلهم. فلقد أوصى الإمام علي عليه السلام مالكا الأشتر حين ولاه مصر بقوله: "يا مالك إن الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق". وانظر كيف يساوي الإمام بين الناس على اختلاف أديانهم، فلم يستخدم في وصيته حرف التراخي (ثم)، بأن قال مثلا: أخ لك في الدين، ثم نظير لك في الإنسانية، بل ساوى بينهم بحرف العطف(أو).
وفيما بعد، بلغ المسلمون حدا من التسامح والروح المدنية الإنسانية أن المثقفين والمفكرين والفلاسفة في العصور الكلاسيكية، سواء في الأندلس، أم في القيروان، أم في بغداد، أم في غيرها من حواضر العالم الإسلامي، كانوا يعقدون المناظرات العلمية فيما بينهم، لمناقشة قضايا الفكر والعقيدة، ولما كانوا إذ ذاك خليطاً من مسلمين ويهود ونصارى وصابئة وملاحدة، فلقد كانوا يشترطون على بعضهم قبل بدء المناظرات، ألا يستشهد أي منهم بنصوصه الدينية، والاكتفاء بالمحاجات المنطقية والعقلية، فيقبل الجميع، وعلى رأسهم المسلمون، بهذا الشرط، ثم تجري المناظرات بهدوء، وينصرف بعدها كلٌ إلى شأنه، دون أن تثير مناقشاتهم، أو شروطهم "الليبرالية" حفيظة العامة، ناهيك عن أن تثير حفيظ أهل العلم، أو المهتمين بالشأن الثقافي.
يقول الأستاذ عقيل يوسف عيدان في كتابه (شؤم الفلسفة) ما نصه: "كانت المجالس في بغداد بدءاً من عهد المأمون حتى نهاية القرن الرابع الهجري/العاشر ميلادي مفتوحة لجميع الأطياف الدينية والفكرية والثقافية، كما كانت المسائل الفلسفية والعقدية تناقش بكل حرية، وليس شرطا أن تكون وفق قواعد الشريعة الإسلامية، فلم تكن مجالس الحوارات الدينية والفلسفية والعلمية تشتمل على المسلمين من كل الطوائف السنية أو الشيعية فحسب، ولكنها كانت تجمع، بالإضافة إليهم، المجوس على مذهب زرادشت، والماديين والملاحدة واليهود والمسيحيين. ولقد كان لكل طائفة رئيسها، الذي هو مكلف بالدفاع عن الأفكار التي تتبناها. وكان كلما دخل رئيس، قام له الجميع كعلامة احترام، فإذا غصت القاعة بالحاضرين ربما أخذ أحدهم من غير المسلمين الكلمة قائلا: لقد اجتمعنا بغرض التفكير، وتعرفون الشروط، أنتم أيها المسلمون أيضا لا تعارضوا بأفكاركم المستمدة من كتابكم، أو القائمة على سلطة نبيكم، لأننا لا نؤمن بهذا ولا بذاك. كل منا يقتصر إذن، على المعطيات المأخوذة من العقل البشري، فيهتف الحضور بالموافقة".
وهذا قريب مما ذكره أبو حيان التوحيدي (توفي عام 414ه) في كتابه (الإمتاع والمؤانسة) عن رئيس مناطقة بغداد: أبي سليمان السجستاني (توفي عام 371ه)، من أنه كان يعترض على محاولة بعض الفلاسفة المسلمين، كالفارابي، وكإخوان الصفاء، دمج الفلسفة بالدين، مؤكداً استقلال كل منهما عن الآخر، لأنهما مجالان مستقلان من وجهة نظره، فيقول: "إن الفلسفة حق، لكنها ليست من الدين في شيء، والدين حق، لكنه ليس من الفلسفة في شيء. ومن أراد أن يتفلسف فيجب عليه أن يُعرض بنظره عن جميع الديانات، ومن اختار الدين فيجب عليه أن يُعرض بعنايته عن الفلسفة". وهكذا، يصرح رئيس مناطقة بغداد ب"علمانيته" دون أن يخشى مفتيا يفتي بتكفيره، ثم يطالب بقتله مرتدا!
وثمة مظهر آخر يدل على ما وصلت إليه حرية الفكر في العصور الكلاسيكية الإسلامية، وهو أن مثقفي المقابسات الذين تحدث عنهم التوحيدي في كتابه السابق ذكره، كانوا، كما يقول الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه (المثقفون في الحضارة العربية)، "من ديانات مختلفة، فإذا كان غالبيتهم من المسلمين، فإن جل المناطقة والأطباء والمهتمين بالعلوم القديمة كانوا مسيحيين ك(يحيى بن عدي، وعيسى بن علي، وابن زرعة، وابن الخمار). بل إن فيهم المجوسي والصابئ والملحد. وهم على هذا التنوع والاختلاف عاشوا في جو من الحرية الفكرية والتسامح الديني قل نظيره. فلقد طُلِبَ مثلا من أبي إسحاق بن هلال (الصابئ) أن يعتنق الإسلام فامتنع، فتُرِكَ وشأنه. كما ألف يحيى بن عدي، علاوة على ترجماته ومؤلفاته في المنطق والعلوم والأخلاق، عدة مقالات ورسائل وكتب في الدفاع عن العقيدة المسيحية ضد انتقادات المتكلمين الإسلاميين، أو ضد الفرق المسيحية الأخرى التي تخالف فرقته، حيث كان يعقوبي المذهب".
والغريب أن سلفنا، إذ كانوا قد وصلوا إلى هذه الدرجة من حرية التفكير، ومدنية الثقافة، والتعايش مع المخالف: شخوصاً وأفكاراً، فلقد خلفَ من بعدهم خلفٌ يحذرون الناشئة من الذهاب إلى معرض الكتاب لوحدهم، خشية أن تصيبهم لوثة عقلية جراء قراءتهم لكتب لم يوصهم بها "موجه ناصح خبير!".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.