في الهند، وماليزيا، وسويسرا، واسرائيل، وغيرها قوميات وأقليات مختلفة الأعراق، ومع ذلك استطاعت الانصهار في الأرض الواحدة، التي يشكل الوطن قيمها وأصولها، وناتج مكاسبها وحقوقها، في حين فشلت في قبرص واندونيسيا ولبنان، والسبب أن تنازع الهويات جزء من تفرقة بالمصالح والاعتراف بالحقوق، وهنا شاعت قضية الدفاع عن الذات، أو تذويب الهوية وحرمانها بخلق دروع حماية دائمة، وقد يتم الدفاع عنها بخلق عوامل لزعزعة الاستقرار، مثل الإضرابات أو اللجوء إلى دول ومنظمات لها صلة روحية، أو مصلحة سياسية بها، وقد تتحوّل هذه الأقليات إلى بؤر لاستنبات عناصر إرهابية، أو مقاومة، خاصة في بلدان لم ترق بعد لخلق كيان واحد يُذيب التباينات في مصهر الوطن. الغريب أن حروب يوغوسلافيا، ولبنان، وقبرص لم يكن السبب لنقص شعوب تلك الدول في الثقافة، والوعي، ونسب الأمية المتدنية، قياساً لدول في أفريقيا أو جنوب أمريكا مثلاً، ولذلك فقد يسقط المفهوم الثقافي وبنيته من أي حسابات إذا ما تغلب فكر الطائفة والمذهب على مبدأ الوطن، والسبب أن الاحتقان الطويل والتربية، والفوارق الطبقية والسلطة القمعية التي تنتهج، أو تنحاز لهوية معينة، دافع لخلق التوتر ثم الصدام، وهنا كانت النظم الديموقراطية أكثر ضمانة من الثيوقراطية، والشمولية، أو الدكتاتورية في وضع موازين لتساوي الحقوق بين المواطنين دون فصل سياسي أو اثني، وعرقي. الفشل السياسي سبب رئيسي ،لأن انتشار الفساد وتراكم أعداد العاطلين وسيادة قوة المخابرات والشرطة، وانعدام خطط التنمية قادت بلداناً مثل السودان والعراق، واليمن في الوطن العربي، وغيرها في بلدان إسلامية أخرى، إلى أن تجعل تنامي الفشل في مشروع وطني تتضافر به قوى المجتمع كلها أدى إلى خلق جبهات مضادة، قد تدفع إلى حروب أهلية، وخاصة السودان والعراق. الإصلاح الاجتماعي والسياسي ليس اختراعاً خارجياً تقضي الظروف استيراده من مجتمعات متقدمة، أو رفضه لهذا السبب، بل لأن كل إنسان يحمل بذاته حاجته لضمان أمني، واقتصادي وتربوي، وحياة لا يطاردها بوليس السلطة وهي حالة عامة تشترك في مطلبها جميع شعوب العالم، وإلا لكان تفكك تلك الشعوب بأسباب تناقضاتها الداخلية أمراً حتمياً، ولما كانت الحضارة الإنسانية العظيمة.