كثير من الأمان امتزج بوصايا أبي، واختلط بتعليماته التي كنت أحسبها غلظة، فاكتشفت حينها أن الحب يكمن في وصايا الاهتمام، وأن الإهمال نصف الكره، وكثير من الاطمئنان داخلي كان يلبسني حين أسمع اسمي يرنو من فيه أمي، فأدرك أن الكون يلفني بطهرها، والدنيا تزرعني في أنسها.. الشعور بالزمن يوخز الذاكرة هو نوع من الحدس الصامت الذي يسحبك بابتعاد عن واقعك إلى ماضيك، هناك رغبة ملحة ترغم نبضك الساخن بالبرود وتغرق ذهنك البارد بالسخونة، إحساسك مثقل بأنه ليس عليك فعل أمر ما أحيانا تعيش من أجل الآخرين، فتتحطم بعض حياتك على صخرة واقعك الماضي وماض واقع. هناك جزء طفيف مني يتوسل المواصلة، وجزء هائل مني يرغب في الهروب من صراع اليقظة والنعاس، لم استجدِ يداً تمسح هذا الانبعاث في مخيلتي لكن المضحك انتظاري أن يستيقظ أحد من الماضي ليعانقني كي أهدأ، تعيدني الحكاية لفصول حياتي بمفردي مرة أخرى. نتحدى الزمن وذاكرتنا تصارع الرتابة والحكايات تتقافز في مرامي التوقيت هنا وهناك نعبث ببراءة حواسنا ونرتب الفوضى على أسرّتنا في حجرة صغيرة، وننعطف بأحلامنا نحو فضاء فارغ من الحركة، والطرق تعترك خطواتي لكي ترجع بي إلى بيت جدتي. دقائق تعدو في مسالك الرقة وتختفي في صندوقها فواكه طفولتي وحلوى محبتي تغمسني في رحابة عطرها المعتق. تلازمني أطياف تمر في مسامعي كنبرات تضج بالطيب والحنان، هكذا الطين يسقي شغفنا بنكهته الرقيقة العطرة، هناك فعلا رحلة شاقة بلا مواعيد ولا أمكنة واضحة. لنبدأ فنحن عندما تتأمل، فترحل نفسك باتجاه تفاصيل الماضي الجميل، ستطأ عيناك بقع الشجن، وتقفز أذنيك فوق الحنين، وترتص الذكريات بلا ترتيب، وتسقط الحروف بين أصابع الظمأ. من قال إن الزمن يدور بل هو يذوب، والتوقيت ينصهر، والتاريخ يتلاشى، وحتى الزمن الأصيل يتبخر أسرع من السراب، مع أننا كنا لا نعد الدقائق لأننا لم نحسب الزمان، حقيقة كان القليل أشهى، وكانت العتمة تضيء بنشوتنا، ونتناول الليل بحكايانا الشقية، فكان البطل فينا هو الأكثر مقالباً وتخريباً، وهذه المراقد كخرائط مملوءة بتضاريس الراحة، ومناخات البرودة. آهات.. ولغز المطر تحله النفوس الطيبة، وأحجية جدي يكررها لا يجيب أحد، فيزهو بالكبرياء رأس جدي، لم يعرفوا أن الجواب في «حناء» جدتي، والحل في صندوقها الأخضر. أصوات سحرت الجهات، ونغمة جدتي رددها الطين العتيق في حارتنا القديمة، فتلذذنا بنكهة الطفولة بين ترانيم الكبار، لتشعر أن الأحلام تتطاير بين جنبات الحياة، وكثير من السعادة تحوم فوق رؤوسنا. هدوء ذلك الضجيج الذي يتخم أرواحنا البيضاء، وضجيج ذلك الهدوء الذي يخلو من الفرح، وحين تدور الأحاديث تصمت الأنفاس، وتنتثر الحكايا، وتنشر الضحكات، فتصبح الأماكن الصغيرة كبيرة بالبراءة. أبوابنا ترحب بالغرباء، وتنتظر الحلوى مثلنا، وهذه العتبات تقبلها الأقدام بالوصل والزيارة، والصحون تغني سمرا بالطعام البسيط، والأباريق ترقص طرباً ب «الشاي»، والفناجيل يشدو شذاها «هيلا». بعض الثياب متسخة على جسد نظيف، وهؤلاء الصغار يركضون على قطن «السكة» الضيقة، لا يشعرون بالغربة، ولا يحسون بالكربة، ما ألذ شكاويهم، وأطعم بكائهم، وامتع جدالهم. كثير من الأمان امتزج بوصايا أبي، واختلط بتعليماته التي كنت أحسبها غلظة، فاكتشفت حينها أن الحب يكمن في وصايا الاهتمام، وإن الإهمال نصف الكره، وكثير من الاطمئنان داخلي كان يلبسني حين أسمع اسمي يرنو من فيه أمي، فأدرك أن الكون يلفني بطهرها، والدنيا تزرعني في أنسها. يفكر هل ألعابنا تلعب بنا أم نلعب بها؟ ذلك جاري الصغير جسماً، الكبير عقلاً لم يستطيعوا الإجابة، فأكملوا اللعب وأطالوا يخشون سؤاله مرة أخرى، كان يسأل «لمَ جدي يقول: بطن الحوي «هل للمنزل بطن وظهر وكتف وجسم، ضحكنا وقذفنا عليه التراب فقررنا ندعه وشأنه وأسئلته، ونعود للعب». بقعة شجن تغرقني في غياهب التذكر.. فأسمع حسيس الذكريات، وأتعطر برحيقها.. وأدرك أن ما بقي إلا الدعاء.