في رحاب المدينةالمنورة، تحتضن الجامعة الإسلامية طلابًا من جنسيات وبلدان ولغات مختلفة ومتنوعة من أنحاء العالم، وهم ما يسمون بطلاب المنح الدراسية، أو بالطلاب الدوليين، ممن جاؤوا حاملين شغف المعرفة والرغبة في خدمة أوطانهم من خلال حمل ضياء العلم والمعرفة، بعد أن منحتهم الجامعة فرصة إكمال تعليمهم الجامعي. وفي إحدى المحاضرات، كنت أتحدث عن التحديات النفسية التي قد يواجهها الطلاب الدوليون في التكيف الأكاديمي، وعندما انتهى الدرس وخرجت من القاعة، بدأ يسير معي إلى مكتبي، ثم تحدث معي بما لم يستطع طرحه في القاعة، وذلك عن شعوره بالرهبة والامتنان معًا، حيث إنه يسير اليوم على أرضٍ مشى عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، والصحابة الكرام، لكنه في الوقت ذاته كان يواجه تحديات لم يكن قد حسب لها حسابًا، وكان تعلم اللغة العربية أكبر العقبات، إضافة إلى تحديات أخرى تتمثل في الغربة، والقلق، واختلاف المجتمع والثقافة ونمط الحياة، وكيفية التّكيّف مع المناخ الأكاديمي الجديد، ومع زملائه من مختلف الجنسيات والثقافات الأخرى، في ظل الخوف من الإخفاق، وألا يكون على قدر الثقة التي منحتها له بلاده والمملكة. قلت له: أنت هنا لم تأتِ لتتعلم فحسب، بل لتكون جزءًا من إرث المدينةالمنورة، وثقافة المملكة في نشر العلم. هل تعلم أن هذه الأرض كانت عبر التاريخ مركزًا لتأهيل العلماء ونقل المعرفة للعالم؟ ليس المهم أن تتجاوز التحديات بسرعة، بل أن تدرك أنك قادر على تجاوزها، خطوة بعد خطوة. كانت هذه الكلمات كوقود أشعل بداخله عزيمة جديدة، ثم بدأ يتردد على مكتبي خلال الساعات المكتبية بين الفينة والأخرى، ويطرح عليّ من الأسئلة ما لا يستطيع طرحه في المحاضرة، وبدأت أشاهد عليه التحول من طالب يحتاج إلى الدعم والإرشاد النفسي والأكاديمي إلى نموذج يُحتذى به بين زملائه. ثم دارات الأيام وتسارعت، وفي يوم التخرج، عندما وقف أمام الحضور لإلقاء كلمته ممثلًا عن طلاب المنح الدراسية، كان صوته يملؤه الثقة والامتنان، وقال: "هذه الأرض لم تمنحنا العلم فحسب، بل غرست فينا مسؤولية نشره، وسنعود إلى أوطاننا، نحمل رسالة المملكة العربية السعودية التي أتاحت لنا هذه الفرص، وننقل ما تعلمناه هنا لنضيء به مستقبل أجيالنا... إلخ" ترددت كلماته وسط تصفيق الحضور، بينما كنت أراقب المشهد من بعيد، وأدركت تمام الإدراك أن طالب المنحة الدراسية ليس مجرد طالب فحسب، بل هو حامل للرسالة الإنسانية، كما كانت المدينةالمنورة عبر العصور، وكما هي المملكة على الدوام يدًا ممدودة لكل باحث عن المعرفة، تؤمن بأن الاستثمار في الإنسان هو أعظم استثمار، وأن نور العلم كلما انتشر، زاد العالم ازدهارًا وسلامًا، كما أدركت أن هذه الجامعة هي منارةً علم تمتد أنوارها إلى كل بقاع الأرض. * عضو هيئة تدريس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة