كانت وسيلة التنقل من مكان إلى آخر هي المشي أو استخدام الحيوانات، في العصر الحديث ومع التوسع في حجم المدن أدت الحاجة إلى اختراع وسائل النقل الحديثة ومنها السيارات والقطارات والطائرات وغيرها. كان المشي في زمن مضى ممارسة طبيعية ورغم توفر وسائل النقل الحديثة في هذا الزمن فإن الإنسان عندما يريد أن ينتقل من مكان لآخر وينادي على زميله أو صديقه أو قريبه، يقول له: (بدر، نمشي) رغم أن الوسيلة هي السيارة، هذا الفعل هو السائد في التخاطب لأن المشي هو الأصل. من الممارسات الجميلة الصحية حالياً اتجاه الناس بمختلف الأعمار ومن الرجال والنساء إلى ممارسة المشي كنشاط لا يحقق أهدافاً رياضية فقط وإنما يتضمن أهدافاً اجتماعية وصحية ونفسية، وقد ساعدت خطط أنسنة المدن على تشجيع الناس على الالتزام بهذه العادة المفيدة بتوفر المسارات والحدائق، وإذا كان يقال في الأمثال كنصيحة إن خير عادة ألا يكون للإنسان عادة فإن عادة المشي لا يجب أن تلتزم بهذه النصيحة. من الحوافز المشجعة على المشي الحافز الاجتماعي، ولهذا نشأت مجموعات مشي تلتزم بجدول معين وأوقات محددة وتضم الأصدقاء أو زملاء العمل، وبعضها مفتوحة للجميع لمن يرغب. من المجموعات التي عرفتها عن طريق إحدى قريباتي مجموعة خاصة بالسيدات يبدأ نشاطهن في الساعة الخامسة والنصف صباحاً لمدة ثلاثة أيام في الأسبوع. لاحظت بحكم مشاركة قريبتي أن هذه المجموعة تتسم بالانضباط وحسن التنظيم وتضم سيدات من أعمار وجنسيات مختلفة، ومن المبادئ الجميلة لهذه المجموعة التي تعزز فكر التعايش عدم سؤال المشاركة السؤال المعتاد (من أين أنت). لا يقتصر نشاط المجموعة على المشي فقط بل يتضمن الهرولة والمشاركة في المسابقات لمسافات مختلفة من بينها المارثون، كما أن هذا النشاط لا يتقيد بمكان واحد ولا بمدينة واحدة. المجموعة تعمل وفق تنظيم إداري وتوثيق رياضي بلغة الأرقام لتحفيز المشاركين، هذا التحفيز بين أعضاء المجموعة مبدأ يمارسه الجميع وهو نقطة انطلاق معنوية خاصة في بداية المشاركة مع المجموعة وفي الانتقال من مرحلة إلى أخرى في مسافات المشي. ذكرتني هذه المجموعة بوالدي -يرحمه الله-، كان يمشي مع صديقه بعد صلاة الفجر في أحياء عنيزة في زمن لم تكن فيه السيارات كثيرة وكانت فيه المدن الصغيرة ذات أنسنة عالية بطبيعتها وهدوئها كما هو حال كل المدن الصغيرة، كان المشي ممارسة طبيعية لا تمارس تحت شعار (رياضة). عندما كبرت المدن وأصبح التنقل بالمشي غير ممكن بسبب بعد المسافات، لم يغب عن المسؤولين أهمية ممارسة المشي فكانت برامج أنسنة المدن التي تعزز جودة الحياة وتشجع الإنسان أن يتصل بصديقه ويقول له (نمشي)، وسوف يجدون خيارات كثيرة في مدن المملكة المختلفة لممارسة رياضة المشي. أما مجموعات المشي كما هو حال المجموعة التي نتحدث عنها في هذا المقال فهي تبني صداقات جديدة وهي أشبه بنموذج مصغر للأمم المتحدة، الفرق بينها وبين تلك الأمم أنها لا علاقة لها بالسياسة، يجمع أفرادها الود والتسلية والهدف المشترك والشغف بالإنجاز، واستثمار الوقت في أمور مفيدة.