على الرغم من أن الأهداف التي يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتحقيقها من خلال هذه القرارات، مثل تعزيز التصنيع وزيادة الإنتاج المحلي وزيادة إيرادات الحكومة الأمريكية، تبدو مشروعة، فإن الوسائل المتبعة لتحقيقها تفتقر إلى الصواب. إن التداعيات السلبية لهذه الاستراتيجيات قد تتجاوز الفوائد المتوقعة، وهو ما يتماشى مع القاعدة الإدارية التي تشير إلى أن الحلول التي تتبناها في الوقت الراهن غالباً ما تكون تحديات ومشكلات للمرحلة المقبلة. تنذر السياسات الأميركية الحالية وما يشنّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب من حروب تجارية وما يتبناه من تصورات وأفكار جامحة بمخاطر كبيرة وكلفة باهظة على الاقتصاد والسلم العالميين، ولا أدل على ذلك من خسارة سوق الأسهم الأميركية قبل أسبوع أكثر من 4 تريليونات دولار فيما اخترق الذهب حاجز 3000 دولار للأوقية كأعلى معدل ارتفاع في تاريخه، جراء السياسات الاقتصادية غير المدروسة للإدارة الأميركية والحرب التجارية المستعرة التي يشنها ترمب على كل الجبهات، وهذه العواقب والمخاطر بينما تطال المواطن الأميركي نفسه فهي ستؤثر بشكل كبير على حياة الملايين حول العالم، ومن بينها منطقة الشرق الأوسط ودولنا العربية، ما يجعل من الضروري مناقشة هذه السياسات ومواجهة إخفاقاتها. إن الطبيعة الفوضوية وتقلبات الرئيس ترمب وفريقه في إدارتهم لكل الملفات الخارجية لن تسهم بحال من الأحوال في تحقيق الازدهار والسلام اللذين وعد بهما ترمب ناخبيه في حملته الانتخابية، بل ما يراه المتابع أنه ربما ليست لدى هذه الإدارة رؤية حقيقية لمجريات الأمور صالحة للتطبيق في عالم اليوم، فهذه رسوم جمركية تُفرض ثم تُلغى ثم تفرض من جديد، ومساعدات تُقدم لأوكرانيا ثم توقف قبل أن تُستأنف من جديد، وإدارات حكومية وبرامج تقلص ثم يرجع في ذلك ثم تقلص عبر مراسم متضاربة، ووعيد وتهديد للعديد من الدول وتعدٍ على سيادتها ومواردها، والأدهى أنه كما يبدوا ليس بين أفراد إدارة ترمب من يحاول وقف جموحه أو مناقشته في آرائه، بعدما أحاط ترمب نفسه بعدد كبير من المستشارين والمساعدين قد يكون معيار اختيارهم الوحيد الولاء التام له ولأهوائه وإن خالف الدستور أو القانون أو القواعد الأساسية للاقتصاد أو تقاليد السياسة الخارجية الأميركية التي أرستها بنفسها للعالم من بعد الحرب العالمية الثانية. لذلك فالسياسة الخارجية الأميركية اليوم في مفترق طرق، حيث تُبرِز الأحداث العالمية الراهنة الحاجة الملحة لإعادة تقييم منهجياتها وأساليبها، فبينما تتزايد التحديات التي تواجه الولاياتالمتحدة والعالم من خلفها يكتشف المتابعون أن صعود شخصيات ذات خطابات "ديماغوجية" قادرة على اللعب بمشاعر الجماهير ونشر المعلومات المضللة قد وضع الجميع في مأزق يحتاج إلى مواجهة مباشرة، إذ لم يعد بإمكان الولاياتالمتحدة الاستكانة إلى القوة والنفوذ التقليديين، وهي التي تبتز حلفاءها كما يحدث عياناً الآن مع أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي بدلاً من التنسيق معهم لمواجهة منافسيها الرئيسيين وعلى رأسهم الصين. ولعل قرارات ترمب وتصرفاته المفتقرة للحكمة والمستندة إلى مبدأ القوة المفرطة التي يستشعرها الرئيس الأميركي ومن معه لو أن تأثيرها مقتصر على الداخل الأميركي لما انشغل بها أحد، إلا أن تأثيراتها تتخطى الحدود الأميركية نحو معظم مناطق العالم وعلى رأسها المنطقة العربية، كون هذه القرارات والحروب التجارية التي يصر ترمب على إشعالها حالياً بين بلاده ومختلف القوى الاقتصادية وعلى رأسها الصينوكندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي تهدد الاقتصاد العالمي بالركود والتجارة الدولية بالانكماش وبموجة غلاء كبيرة لمختلف السلع والواردات الأساسية ومدخلات الإنتاج قد لا تتحملها الكثير من البلدان النامية ومن بينها دول عربية تعاني بالأساس من أزمات اقتصادية طاحنة. المواطن الأميركي متضرر والملاحظ أنه مع الحرب التجارية والقرارات العنترية لترمب كان المواطن الأميركي أول المتضررين من ورائها، ويكفي أن أسواق الأسهم الأمريكية فقدت الأسبوع الماضي 4 تريليونات دولار جراء بعض التصريحات الإعلامية لترمب وبسبب هذه السياسات التجارية الصدامية، كما أن الدول المقصودة بهذه الحرب ككنداوالصين والاتحاد الأوروبي لم تقف موقف المتفرج بل ردت بقسوة وبرسوم مبالغ فيها ومؤلمة للاقتصاد الأميركي، حتى أن كندا التي تصدر الكهرباء لأميركا رفعت أسعارها إلى ثلاثة أضعاف وهددت بعدم تصديرها رداً على قرارات ترمب الذي بدلاً في التهدئة واصل تهديداته بالقول إن كندا انحدرت إلى مستوى متدنٍ باستخدام الكهرباء ورقة مساومة وتهديد وإنها ستدفع ثمنًا باهظاً ستسجله كتب التاريخ لسنوات قادمة، متجاهلاً أنه من بدأ هذا الأسلوب، ما يدلل على أنه لا أمل قريب في تغيير هذه السياسة التي تخسر أميركا فيها الحلفاء وتتودد إلى بعض أعدائها. غير صائبة ورغم مشروعية الأهداف التي يسعى ترمب لتحقيقها من وراء هذه القرارات كزيادة التصنيع والإنتاج المحلي الأميركي وزيادة إيرادات الحكومة الأميركية إضافة إلى استخدام الرسوم الجمركية كورقة ضغط لإجبار الآخرين على تقديم تنازلات في قضايا أخرى، إلا أن طريقة تحقيقها غير صائبة والتداعيات السلبية قد تتجاوز هذه الفوائد، خاصة مع ارتفاع أسعار المستهلكين وتضرر المزارعين واضطراب سلاسل التوريد، كما أنه كنتيجة محتملة لاستمرار هذه الحرب التجارية بين الولاياتالمتحدة وأوروبا وغيرها من الجهات، قد تضطر الشركات الأمريكية إلى تعديل استراتيجياتها التجارية، وقد تلجأ أوروبا إلى تعميق علاقاتها التجارية مع الصين والهند، ما قد يضر بالمصالح الأميركية نفسها على المدى الطويل. وفي ضوء هذا التقييم، لا يمكننا تجاهل أن السياسات الحمائية الأميركية قد تبدو مبررة من منظور السياسة الأميركية لحماية الوظائف والصناعات داخل الولاياتالمتحدة، لكن يجب أن نكون واعين للمخاطر المحتملة جراء تبني مقاربات تؤدي إلى تدهور عام في الاقتصاد العالمي، كما أن التاريخ الذي يُعد بمثابة مرآة تتيح لنا التعلم من التجارب السابقة يخبرنا كيف ساهمت السياسات الحمائية التي اعتمدتها بريطانيا في القرن العشرين في إصابتها بما يُعرف ب "المرض البريطاني"، ومن هنا يُظهِر التحدي الحالي للولايات المتحدة أن اتباع نهج مشابه قد يؤدي إلى ما يمكن تسميته "المرض الأمريكي". التأثيرات على منطقتنا العربية فيما يخص منطقتنا وعلى الرغم من أن دول المنطقة ليست طرفاً مباشراً في هذه الحرب التجارية، فإن تداعيات هذه الأحداث بمجملها إن استمرت على الوتيرة الحالية ستمتد حتماً إلى منطقة الشرق الأوسط بلا جدال، خاصة أن معظم دوله ذات علاقات تجارية متشعبة سواء مع الجانب الأميركي أو الصيني أو الاتحاد الأوروبي، وما سينتج عن ذلك من اضطراب سلاسل التوريد والتجارة بمختلف القطاعات كقطاع المعدات الصناعية والتكنولوجية من أوروبا وأمريكا والصين، وزيادة تكاليف الاستيراد، فضلاً عن تقلب أسعار النفط والطاقة، والتأثير على التصنيع المحلي ومواجهة كثير من التحديات في الوصول إلى الأسواق الأوروبية والأميركية حال تغير سياسات التعريفات الجمركية، كما قد يؤدي ارتفاع التكاليف التجارية إلى زيادة أسعار السلع المستوردة، وبالتالي زيادة معدلات التضخم مما يؤدي لزيادة الضغوط الاقتصادية على بعض دول المنطقة. رب ضارة نافعة على أن هذه التداعيات يتوقف تأثيرها على مدة استمرار هذه الحروب، وهو الأمر الذي يتوجب معه اتجاه الدول العربية إلى تنويع اقتصاداتها والبحث عن أسواق بديلة مثل آسيا وإفريقيا، وزيادة التعاون الاقتصادي فيما بينها لتقليل تأثير تلك الحروب، فإذا تمكنت دولنا العربية من استغلال بعض الفرص المرتبطة بالحروب التجارية بين الولاياتالمتحدة وأوروبا والصين عبر زيادة الاستثمارات فإنه يمكن زيادة معدلات النمو الاقتصادي لمجموع دول المنطقة، كما من المهم أن نُدرك أن التحديات الحالية هي جزء من مشهد عالمي أكثر تعقيدًا، وعليه فإن الحلول تتطلب تعاونًا مستدامًا وشاملاً بين دولنا العربية، وعبر المحادثات والحوار والتكامل فيما بيننا يمكننا جميعًا أن نستفيد من الخبرات المتبادلة والنمو المستدام الذي يُؤدي إلى تحقيق الأمان والازدهار لمنطقتنا. وأخيراً فالحاصل أن الإمبراطورية الأميركية تتراجع، وأميركا الآن لم تعد هي نفسها أميركا السابقة، بل نحن بصدد أربع سنوات من "الجنون" ومن التحولات العالمية ينبغي لمنطقتنا أن يكون لها دور فيها، وهناك إدارة أميركية تُفضل الأثرياء وتُعرّض رفاهية مواطنها العادي للخطر، فكيف الحال مع الآخر، ومن المثير للاهتمام أن تآكل النفوذ الأميركي يأتي مع صعود اقتصادات جديدة مثل الصين ودول "البريكس"، مما يبرز حاجتنا إلى استراتيجية جديدة للتعامل مع الوضع الحالي والإفادة من هذا الواقع الجديد. *أستاذ زائر بكلية الزراعة وعلوم الحياة، قسم الهندسة الزراعية والنظم البيولوجية بجامعة أريزونا، توسان، أريزونا، الولاياتالمتحدة. تحليل - د. تركي فيصل الرشيد*