في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية، يبرز التحول الرقمي في القطاع الحكومي كأحد أهم المشاريع الاستراتيجية، وهو ليس مجرد تحديث إداري، بل نقلة نوعية تستهدف إعادة تشكيل العمل الحكومي بأساليب أكثر كفاءة وابتكارًا. وفي هذا السياق، تحدث رئيس القطاع الحكومي والعام في "كي بي إم جي - الشرق الأوسط" إسماعيل العاني، عن أهمية هذا التوجه خلال مشاركته في منتدى التميز الحكومي، مشيرًا إلى أن "القصة الأبرز اليوم في المملكة هي قصة تحول القطاع الحكومي، وهي تستحق أن تكون محورًا رئيسيًا للمناقشات والاستراتيجيات المستقبلية". وأكد العاني أن المنتدى جاء ليعالج فجوة واضحة في المؤتمرات والفعاليات بالمملكة، حيث قال: "لاحظنا أن هناك العديد من المنتديات في مختلف القطاعات، ولكن لم يكن هناك مؤتمر متخصص في تميز القطاع الحكومي، رغم أن التحول الحكومي هو القصة الأكثر تفوقًا وإثارة اليوم". وأضاف أن محاور المنتدى تم تحديدها بناءً على التحديات الأكثر إلحاحًا في العمل الحكومي، وتشمل "رأس المال البشري، واستخدام التقنية والذكاء الاصطناعي، والاستدامة بمفهومها الشامل (المالية، البيئية، والاجتماعية)، وإدارة المخاطر"، مشيرًا إلى أن التفاعل مع المنتدى كان استثنائيًا حتى قبل انطلاقه، حيث أرسلت العديد من الجهات الحكومية وفودًا رسمية لحضور الفعاليات، ما يعكس حجم الاهتمام بهذا التحول. وعن تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف، أشار إسماعيل العاني إلى أن التخوفات من فقدان الوظائف بسبب التقنية ليست جديدة، بل تتكرر مع كل ثورة تكنولوجية، قائلا: "هذا ما قيل سابقًا عن الإنترنت، وعن الطباعة، بل وحتى عن العجلة الدائرية، لكن في النهاية، البشر قادرون على التكيف وإعادة توظيف مهاراتهم في مجالات جديدة". وأضاف العاني أن المملكة تمتلك ميزة ديموغرافية فريدة تُعرف ب"الهبة الديموغرافية"، حيث إن معظم السكان من فئة الشباب المتعلمين القادرين على التكيف مع التحولات التقنية، كما أوضح أن الذكاء الاصطناعي لا يعني تقليل الوظائف، بل إعادة توجيهها "اليوم عندما تستخدم منصة مثل أبشر، قد لا تدرك أن خلفها آلاف الموظفين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتحسين الخدمات. الذكاء الاصطناعي لا يلغي الوظائف، بل يجعلها أكثر كفاءة". وعن رؤيته المستقبلية حول تقليل ساعات العمل مستقبلاً ، أشار العاني إلى أن التغيرات التكنولوجية عادة ما تؤدي إلى تحسين الإنتاجية، ما قد يقلل ساعات العمل على المدى الطويل، موضحًا: "قبل مئة عام، كان الإنسان يعمل 16 ساعة يوميًا، واليوم نعمل 8 ساعات في اليوم و5 أيام في الأسبوع، لا تستغرب إذا أصبحنا نعمل 4 أيام فقط في المستقبل نتيجة لتطور التقنية وزيادة الإنتاجية". وحول كيفية تحقيق التوازن بين تبني التقنية والحفاظ على استدامة التوظيف؛ أوضح العاني أن استراتيجية المملكة تعتمد على "الإحلال التدريجي"، حيث يتم استبدال الطرق التقليدية بآليات رقمية متطورة دون التأثير السلبي على سوق العمل، بل بالعكس، خلق فرص جديدة تتناسب مع مهارات المستقبل. وأضاف: "اليوم نرى أن معدل البطالة ينخفض رغم زيادة عدد المنضمين إلى سوق العمل، وهذا دليل على أن النمو الاقتصادي يستوعب هذه التغيرات بشكل إيجابي"، كم أنه مع تزايد عدد السكان واعتماد الخدمات الحكومية على التقنية، برزت تساؤلات حول قدرة البنية التحتية الرقمية على استيعاب هذا النمو، لكن العاني أكد أن المملكة انطلقت من قاعدة صلبة، قائلًا: "نحن لا نواجه مشكلة في البنية التحتية، بل بالعكس، في بعض المناطق مثل الرياض، هناك فائض في بعض عناصر البنية التحتية نتيجة التخطيط المسبق، ما يمنحها فرصة للنمو السريع دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة جديدة". وأضاف العاني، أن المملكة اليوم في موقع متميز للاستفادة من التحول الرقمي، حيث قال: "بينما تواجه بعض الدول تحديات في إدخال التقنية إلى أنظمتها، نحن في المملكة ننطلق من موقع قوة، ولدينا فرصة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي ليس كتهديد، بل كأداة تعزز الأداء الحكومي وتخلق فرصًا جديدة"، ويبقى السؤال المطروح: كيف ستبدو الوظائف الحكومية بعد عشرين عامًا؟ الإجابة ربما ستكون في يد الجيل القادم الذي سيشهد هذا التحول عن قرب.