هذه الحرب هي الحرب الوحيدة التي تنعكس آثارها على كل دول العالم، ليس الحل قريباً؛ لأن النظام العالمي بقيادة أميركا حاليا يتمسك بفلسفته الصارمة نهاية التاريخ لن تتحول إلى بداية التاريخ، هذه الحرب ليست ككل الحروب ونهايتها ليست ككل النهايات وآثارها ليست ككل الآثار، فهي سوف تنتهي على حدث عالمي لا يمكن توقع نوعه.. هناك فقرة مترددة في الكيفية التي يمكن من خلالها تقييم ماذا يجري بين روسياوأوكرانيا، من هو على خطأ ومن هو الصحيح، هناك سبب عميق للأزمة وهناك تناقض شديد في التفسير العسكري والايديولوجي للمواجهة، هذه ليست حربا طارئة أو يمكن إيقافها دون تحقيق نتائج حقيقية، الموقف الأوروبي في مقابل الموقف الروسي ينتج معادلة صعبة تتعقد أطرافها، هذه الحرب تشبه المسرح المفتوح بلا قيود ولا أحد من دول العالم يمكن استبعاد أن يكون طرفا في هذه الحرب. بعد قمة بوخارست في العام 2008م التي ضمت دول حلف الناتو اعتبرت روسيا تلك القمة مبررا لها لتكثيف مستوى المراقبة، فقد وعد حلف الناتو في تلك القمة جورجياوأوكرانيا من أجل الانضمام، وكان السؤال المهم في ذلك الوقت: هل كانت تلك الوعود خطأ استراتيجيا من حلف الناتو الذي تغيرت حساباته عندما بدأت الحرب بين موسكو وكييف؟ وعلى حد تعبير ميرشايمر وهو أستاذ أميركي في هارفرد "إن الضغط من أجل توسع الناتو كان خطأ استراتيجيا، ارتكب، إما لأن الولاياتالمتحدة أهملت ضرورات سياسات القوة، أو لأن صانعي السياسة الخارجية قد اقتنعوا برواياتهم الخاصة حول تعزيز الديمقراطية". الحرب الأوكرانية الروسية هي في حقيقتها تعبير عن خوف متبادل بين أوروبا وروسيا وقلق وشك عالي التكلفة قد يؤدي في النهاية بحسب وصف الكثير من الباحثين إلى تحفيز الأسباب الاستراتيجية لحدوث الصراع، ولقد كانت التساؤلات الأولى مربكة وغير دقيقة في صياغتها وذلك في بداية هذا العام 2022م وتحديدا في نهاية فبراير عندما بدأت روسيا الحرب على أوكرانيا، وفقا للمعطيات التاريخية بين أوروبا وروسيا فإنه لا يوجد أسباب تاريخية تجعل من قيام الحرب أمرا غير ممكن بين القوتين، فكل الشواهد التاريخية تدعم أن فكرة استيقاظ التاريخ الأوروبي أمر ممكن وفي أي لحظة. حلف الناتو كان ينظر إلى الواقع الأوروبي بموجب نظرية مهمة تتلخص في أنه يخوض سباقا مع روسيا للوصول إلى أكبر عدد من الدول القريبة منها من أجل ضمها إلى حلف الناتو حيث بدأ هذا السباق منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، ولكن السؤال الأهم يدور حول التأثير المباشر لهذه الحرب على العالم الذي ارتبك!، فللمرة الأولى بعد الحرب العالمية الثانية تطرح فكرة الحرب النووية وهي ليست وسيلة ضغط سياسي لأنه من الممكن أن تتحول القوة إلى حل جذري في أي لحظة، الصراع في أوكرانيا ليس قضية هجوم دولة على أخرى؛ القضية سياق تاريخي مكمل للقصة العالمية وللتنافس السوفيتي الأميركي بغض النظر عن الكيفية التي يحدث فيها. السؤال يقول: هل تريد أوروبا وأميركا تواجد روسيا في العالم وبهذا الإطار الجيوسياسي الذي تراه خطرا على أوروبا؟، الهدف الأساسي للدول هو البقاء على قيد الحياة، وعندما يكون هذا هو الهدف فذلك يعني بكل وضوح أنه لا توجد خطوط حمراء تتعلق باستخدام القوة، وهذا ما يقلق العالم من التصورات والسيناريوهات التي يمكن أن تذهب إليها الحرب، لأنه في النهاية تحاصرنا تلك الحقيقة السياسية التي تقول إنه إذا عجزت السياسية فإن الحلول المتاحة هي الحرب، وهذا ما يخشاه العالم الذي يتطلع إلى فهم سلوك السياسية الأميركية والروسية والأوروبية في مسار هذه الحرب، ولكن ذلك لا يمكن أن يتم دون فهم دقيق للمصالح والأيديولوجيا ومعرفة مقدار الصواب أو الخطأ الذي تتخذه السياسية وترى فيه ذاتها وكيف تفسر تلك السياسية نظرتها للعالم. في هذه الحرب هناك ايديولوجيا تتجاوز أن فكرة الصراع مجرد نزاع جيوسياسي، الأيديولوجا تدور حول هوياتنا وأخلاقنا وتساعدنا في تفسير الأحداث والإجراءات، التداخل العرقي بين الروس والأوكرانيين كان نقطة البداية في تفسير من يحق له أن يتمدد وفق مساره الأيديولوجي، تعقيدات هذه الحرب تقف خلفها أسباب كثيرة تجعل من أوروبا تتجنب الصراع المباشر مع روسيا ولكنها تبقي الباب مفتوحا مع موسكو. كل ذلك يحدث لأن الحرب كلما استمرت فإنها تكشف عن تقاطعات تذهب في هذه الحرب إلى عمق التاريخ وليس إلى أطراف السلام، هذه الحرب هي أكبر اختبار يمر به العالم بعد الحرب العالمية الثانية، فهذه الحرب هي الحرب الوحيدة التي تنعكس آثارها على كل دول العالم، ليس الحل قريباً؛ لأن النظام العالمي بقيادة أميركا حاليا يتمسك بفلسفته الصارمة نهاية التاريخ لن تتحول إلى بداية التاريخ، هذه الحرب ليست ككل الحروب ونهايتها ليست ككل النهايات وآثارها ليست ككل الآثار، فهي سوف تنتهي على حدث عالمي لا يمكن توقع نوعه؛ هل هو أيديولوجي أو عسكري أو سياسي؟ لنتذكر هذا الكلام..