التقيت بصديقة قديمة، وكان لنا حديث طويل عن إشباع الرغبات الداخلية، والتي لا تسبب ضررًا، وكيف أن حرماننا من هذه الرغبات خوفًا من الناس يؤثر بشكل سلبي على مستقبلنا، حتى وصلنا في حديثنا إلى الطفل الذي يسكننا من الداخل، وحاجته الكبيرة ورغبته في أن لا يكبر، وهذا يفسر بعض تصرفاتنا التي تجعلنا نندهش حقًا، وكأننا شخص آخر فنجد أنفسنا نقدم رأيًا أو قرارًا أو ردة فعلٍ لا تتناسب مع عمرنا الافتراضي ولا تصدر من شخص عاقل. حتما تصرفاتنا مرتبطة بهذا الطفل بصورة معقدة، وهذا يفسر حرص أطباء العلاج النفسي عن السؤال عن طفولتنا! ماذا كانت؟ وهل عبرنا عما بداخلنا وقتها من حب أو حتى انتقام لمن آذانا؟! لذلك نجد الرغبة القديمة والتي حرمنا من تحقيقها مختبئة في عقلنا الباطن، وتنمو معنا، وقد تؤثر على مستقبلنا، وكأننا في حالة تربص ننتظر الفرصة ليثور الطفل الذي بداخلنا وينطق! وهذا كان واضحًا في رواية بكاء تحت المطر للكاتبة "قماشة العليان" حيث تمكنت الطبيبة النفسية من معالجة مريضها المصاب بنوبات تجعله يؤذي نفسه دون أن يشعر حتى وصل لمحاولة قتل نفسه! وقد تبين أن هذا كان له ارتباط عميق بمواقف حصلت معه في طفولته، كان قد نسي أمرها ولا يكاد يتذكرها بينما عقله الباطن ظل محتفظًا بها! هناك نظريتان في علم النفس الأولى: أن في داخلنا طفلاً يتربص بنا، ويفضحنا من حين إلى حين ويؤكد لنا أننا لا نزال صغارا. والثانية: أن في داخلنا قوة تخفي فشلنا في التعبير عن رأي أو موقف، وفي نفس الوقت ننتظر الوقت المناسب لكي تكشف عن القرار الدفين بغض النظر عن صحته حتى لو تأخر لسنوات! لذلك نرى التربويين يدعون الآباء والأمهات وحتى الجهات المعنية بمراكز الطفل إلى الاعتناء بهذه المرحلة الهامة في حياة الإنسان. لأن شخصية الإنسان تتكون من صغره وحياة الإنسان في طفولته لها تأثير كبير على تشكيل حياته في المستقبل، وأن عقله الباطن يرجع إلى تكون بنياته أيام الطفولة الأولى، ومتى ما كانت أيامًا سعيدة وآمنة فإن المستقبل كذلك، ومتى ما كانت عنيفة وصعبة كان مستقبله متأثرًا بها كثيرًا. وقلة من الناس من يتغلب على مرارة الأيام وقسوتها معه!