ليس غبياً كما ينبغي، كما أنه ليس ذكياً كما تشاء الحكاية، لا يثرثر عبثاً، ولا يفكّر غباءً، ولا يصمتُ حكمةً، تماماً تماماً كما تشتهي النميمة من الرواية.. عظةً.. طرفةً.. حكمةً.. حجّةً.. قالباً روائيّاً إلى آخر كل ذلك.. جحا الذي تعدّدت شخصياته وتفاوتت في التاريخ والمنشأ ليس أكثر من «كاركتر» معلّب لسيرةٍ موجّهة فهو «جحا بن نصر الدين» هكذا وحسب ابن زمانه وعصره أنّى جاء وكيفما كان.. لم يكن يومًا إلا رؤيا فكاهية انتشرت في كثير من الثقافات القديمة وتلبّست بها شخصيات عديدة عاشت في عصور ومجتمعات مختلفة.. ففي الأدب العربي، نسب جحا إلى «أبو الغصن دُجين الفزاري» الذي عاصر الدولة الأموية (662-750م). وظل أقدم شخصيات جحا وأكثرها حضوراً وكل النكات العربية القديمة نُسِبت له وتم تكييفها تاريخياً ورؤيوياً لذلك الزمن الافتراضي الذي عاشه أبو الغصن هذا، وفي الأدب التركي أو ما عرف فيه بسلسلة «جحا من اسطنبول» جاءت كل القصص التي ارتآها الرواة بذمة هذا الإسطنبولي. «الشيخ نصر الدين خوجة الرومي» الذي عاش في قونية معاصرًا الحكم المغولي لبلاد الأناضول وجلّ القصص المعروفة في الأدب العالمي تنسب له. ولأن التاريخ بحاجةٍ دائماً للحكاية كلما تلبّسه الخيال وتقاذفته الأهواء في ركنٍ بعيد منها نسب جحا كذلك لشاعرٍ يُدعى «أبو نواس البغدادي» نقلته بعض الروايات لنا بأنه كان مرافقًا خاصّا لهارون الرشيد (763-809م)، شاعرُه والمرفّه الشخصي له؛ وذلك بغرض إضفاء مزيدٍ من حياة اللهو والترف وتوثيقا لصورةٍ مشوّهة ألصقت بتلك الشخصية التاريخية العظيمة. إذن من كل هذا التقلّب التاريخي لشخصية جحا التي اغتابتها الطرفة وتمثّلها الغباء، وادّعاها الذكاء، وتقوّلتها السيرة، واستعان بها الهوى، لا يبدو لنا هذا الجحا غير شخصية افتراضية مُسْتَغلّةٍ جداً لرجل فقير يعيش أحداثه بطريقة مختلفة ويتماشى معها بما شاء له الحدث فهو يجيء في الحكاية غالباً كمن يتصرف بذكاء كوميدي ساخر على أيامه، منسدلاً على جدار الواقع يتماهى معه، ويتكيّفُ مع حيثياته، غباؤه دهشة، وذكاؤه مفاجأة، وحزنه طرفة، فانتشرت بذلك قصصه ومواقفه كقالبٍ جاهزٍ لقول الرؤيا واختراع المشيئة وتوجيه الحكاية حيثما يتعامل هذا الجحا مع الوجود في حياته اليومية كما يشاء أحدنا من وراء خيال، وبالتالي ظلّت الرؤيا الإنسانية دائماً تناور الحياة وتحاورها من خلال استعارة شخصية افتراضية كجحا بكل ما يحمله هذا الاسم من وحي تاريخي للطرفة والدهشة، أقول ظلت هذه الرؤيا الإنسانية المعلّبة تنهل من أثره في الذاكرة كلما أرادت الحجة، أو بوح بعض ما هو مسكوتٍ عنه، أو ترفيه الروح ببعض العبث الشهي، فتناقلت قصصه من شخص إلى آخر يضيف ما يشاء خياله وربما ما يتوخّاه مما هو فيه، فنتج تأليف الكثير من الأحداث الخيالية المنسوبة لهذا الجحا المغلوب على ذكره، فكل شخص يروى قصصه بطريقته الخاصة ويستعير منه متى شاء عقله ولسانه وزمنه؛ ليروي للناس غيبته ويتداول سيرته نميمة مشتهاة كلما أعيته الرواية!