أمير نجران يكرّم مواطنة لإنقاذها عائلة تعرض منزلها للحريق    تمبكتي خارج قائمة منتخب السعودية    خادم الحرمين يتلقى رسالة خطية من سلطان عُمان    انطلاق مهرجان "كلنا الخفجي" في نسخته ال11 بفعاليات ترفيهية    اختتام فعاليات عيد الفطر في رأس تنوره بحضور أكثر من 16 ألف زائر    أمير نجران يطّلع على تقرير أعمال فرع وزارة الصحة بالمنطقة خلال إجازة عيد الفطر    المنتدى الاقتصادي العالمي يعلن عن إعادة جدولة الاجتماع الدولي حول التعاون والنمو في جدة    الذهب يتجه نحو تسجيل خسائر قياسية    نادي تطوع الإداري الصحي بالمملكة ينفذ مبادرة " عيدنا أنتم6″    أمطار غزيرة ورياح شديدة على معظم المناطق مع احتمال تساقط الثلوج بتبوك    فعالية السامر والمحاورة في ساحة العدل بالرياض    ترمب يعلن عن نقاط اتفاق رئيسية مع إيران لإنهاء الحرب.. وطهران تنفي وجود اتصالات    الدفاعات الجوية الكويتية تتصدى لهجمات صاروخية    خادم الحرمين وولي العهد يعزيان أمير قطر في شهداء المروحية    الديوان الملكي: وفاة نوره بنت عبدالعزيز    سمو ولي العهد يتلقى اتصالًا هاتفيًا من رئيس الوزراء الهولندي    نائب أمير الرياض يؤدي صلاة الميت على محمد بن بندر    ميسي يسجل الهدف 901 ويتخطى رقم بيليه    تسارع وتيرة التحول وتأكيد على قوة الاستثمارات.. 1.24 تريليون أصولاً بالسوق المالية    استثناء مؤقت للسفن من شرط «انتهاء الوثائق»    مريضة بالسرطان تقتل 5 من أبنائها    انتحار طفل أميركي بسبب التنمر والتجاهل    الدفاع المدني ينشر الوعي بالعواصف الرعدية    ارتفاع طفيف في تكاليف البناء    سمو ولي العهد يعزي أمير دولة قطر في استشهاد عددٍ من منتسبي القوات المسلحة القطرية    منظومة دفاع جوي متكاملة ومتقدمة لحماية الأمن.. السعودية تدمر صواريخ ومسيرات إيرانية ب 3 مناطق    يسرا ومحمد سامي وجهاً لوجه في «قلب شمس»    عيدية    برامج العيد في جدة التاريخية.. تجمع بين الأصالة والابتكار    معايدة الأسر    «الإسلامية»: تقديم 2.3 مليون خدمة دعوية للمعتمرين    الناتو وبريطانيا يشككان في الرواية الإسرائيلية: لا مؤشرات على استهداف قاعدة دييغو غارسيا    «تطبيقات النوم» تزيد الأرق    أبرز الأخطاء الطبية «5»    نتنياهو: ترامب أطلعني على فرصة جديدة لاتفاق مع إيران يحمي مصالحنا    أمير الرياض يعزي في وفاة محمد بن بندر بن محمد بن سعود الكبير    بيرنلي يعلن إصابة المجبري في عضلات الفخد الخلفية    «الدحة» تخطف الأنظار في عيد «الشمالية»    العيدية النقدية.. فرحة الصغار وابتسامة الكبار    القبض على إثيوبي في جدة لترويجه مواد مخدرة    "البيئة": رصد هطول أمطار في 10 مناطق.. وعسير تسجّل أعلى كمية ب 46,2 ملم    مفاجأة كونسيساو.. مدرب الاتحاد يظهر في مهمة خاصة خارج السعودية    الإنجازات التاريخية    مقتل 8 أشخاص وإصابة 83 إثر تحطم طائرة عسكرية كولومبية    السعودية ال 22 عالميا في تقرير السعادة العالمي 2026    المنتخب السعودي: زكريا هوساوي لم يكمل الحصة التدريبية لشعوره بآلام في الركبة    الحكامية بالدرب تحتفي بعيد الفطر بلقاء المعايدة الأول وسط حضور وتلاحم لافت    بين قانون الجذب وحسن الظن    أمير نجران يطّلع على تقرير الصحة بالمنطقة    أمير الرياض يعزي في وفاة محمد بن بندر بن محمد بن سعود الكبير آل سعود    بلدية قوز الجعافرة تختتم احتفالات عيد الفطر وسط حضور لافت وتفاعل مجتمعي مميز    الديوان الملكي: وفاة الأميرة نوره بنت عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود    من المسؤول الإيراني الذي تواصلت معه أمريكا؟    اعتراض صاروخ في الرياض ومسيّرة بالمنطقة الشرقية    ختام احتفالات العيد بالطائف وحضور اكثر 300 الف زائر وسط جهود تنظيمية فاعلة    أكثر من 33 مليون وجبة إفطار في الحرمين خلال شهر رمضان    دور الحكمة في اجتناب الفتنة    الصين: علماء يزرعون جزيرات البنكرياس المستخلصة من الخلايا الجذعية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أيهما صادق؟!
نشر في الرياض يوم 05 - 09 - 2019

الإبداع ما هو إلا ذرات متناثرة معلقة في فضاء حر لا يلتقطها سوى المبدعين، وهي جميعها ذرات المكنون التاريخي والجغرافي والإنساني في لحظة زمنية واحدة ولاقطة، تحددها عدسة الإبداع المكبرة والواضحة والباقية للباحثين وللعلماء، تتدارسها الأجيال القادمة في كبسولة سحرية راصدة وصادقة..
ألح علي تساؤل حر حول: أيهما أصدق التاريخ أم الجغرافيا؟ وأيهما ثابت وأيهما متحرك؟
تساؤلات ملحة في زمن هادر الأمواج محاولاً إعادة إنتاجه في ثوب جديد. فالثبات هو سمة الاستقرار والارتكاز حول نقطة بعينها، فلا يتحرك ولا يتغير، ومن العلوم الفيزيائية نجد أن الحركة دائمة ذائبة، ليس في الجغرافيا وما شابه، وإنما داخل الأجسام ذاتها هناك حركة دائمة كما أقرها الفلاسفة القدامى والمحدثون! وكلامهما يرتبطان بعنصر الزمان الذي يعد العامل الرئيس في ذلك الارتباط بين التاريخ، والجغرافيا، بالرغم من أن الزمن هو المتحكم للحظة محددة بعينها، ليرصد مقدار تلك الفترة الزمنية التي يرتكز فيها التاريخ والجغرافيا معاً.
ولكن ما نقصده هنا هو ثبات تلك الحدود الجغرافية وأركان الطبيعة، وإن تحركت فهل هي حركة طبيعية أم حركة سياسية أم حركة إنسانية بحسب مقتضى التاريخ؟
الحقيقة أن التاريخ يبدو ثابتاً في كونه أثراً لا يبرح مكانه بحسب حركة الزمان، إلا أنه بالرغم من ثباته فهو متحرك بحسب ما يكتبه المؤرخون.
ونحن هنا نتساءل: كيف يمكننا معرفة التاريخ وهو يكتب بأيد بشر لهم من نزعات السلاطين أمور كثر، قد تجعلهم يتبعون هواهم، ولذا بات الباحثون يهرعون إلى التراث الشعبي والسير الشعبية لتحليلهما ودراستهما! ولكننا في هذا الشأن إذا ما نظرنا إلى كتابة السير الشعبية نجدها أحداثاً تراكمية تزيد وتكبر مثل كرة الثلج، كلما مر عليها الحكاؤون، فيزيدون ما يزيدون وينقصون ما ينقصون بحسب ما يحب أن يسمعه السامعون حتى إن الراوي في بعض السير الشعبية يغير من خط سير البطل بحسب مقتضى الحال لإرضاء سامعيه!
فإذا ما تأملنا لبرهة تلك الحركة الدائمة في التاريخ - بالرغم من دعاة التأريخ إلى ثباته - نجد أنها تزخم بالأحداث التي تحتاج منا إلى نظرات تتوالى بحسب تلك التساؤلات الملحة عن مدى مصداقيتها وهي تكتب بحسب ما يرويه الرواة فتدونه أقلامهم، وتلوكه ألسنتهم، وإذا ما رجعنا إلى هؤلاء المؤرخين عبر مخطوطات عتيقة تعود لنا تلك التساؤلات. وهو ما يجعل التاريخ نفسه يتحرك في ذاته عبر ذرات دقيقة لا نستطيع إدراكها، وبضرورة الحال ذاتها، لا يستطيع التاريخ الحركة إلا عبر معين الجغرافيا، فلكل حبة رمل على وجه الأرض بمكانها الجغرافي تاريخ يجب أن ندركه، إلا أن التاريخ نفسه يتحكم في الجغرافيا، فيلونها كيفما يشاء، ويصبغ حبات رمالها بالألوان التي تروقه ومن وجهة نظره!
ولذلك كان ذلك التزاوج الحتمي بين التاريخ والجغرافيا، إذ إننا إذا أردنا الحديث عن حقبة تاريخية بآثارها ووهادها وحدودها، كان لزاماً أن نضع في مخيلتنا تلك الخارطة الجغرافية المرسومة، إما كطبيعة خالدة أو كظروف وحدود مستحدثة عبر الزمن، باعتبار أن الزمن التاريخي هنا هو يوم بألف عام - بما يسمى بتاريخ الحضارة - حتى بات يتنامى إلى الذهن تلك الشبكة العنكبوتية من هذا الإرث الإنساني، حيث إنه لا يداهمنا نحن سوى إحساساتنا الشخصية بحتمية المكان المتلازمة حينها للزمان، والسماح لذواتنا بالتجول في فضاء الحس الجغرافي الذي يقودنا بدوره إلى الحس التاريخي؛ ولذا فقد أخذني هذا الحس إلى بداية الخليقة وأنا أكتب كتاب (الجزيرة العربية المكان والإنسان) في حين أن التاريخ والجغرافيا أساسان غير مستقلين على الإطلاق، بل هو انعكاس لكل منهما على الآخر بالرغم من أن أحدهما مادي والآخر موضوعي! لكن العقل البشري - وخاصة في هذا الزمن النسبي المفتوح في ذات الوقت نظراً للثورة الإلكترونية - إذا كان العالم بالنسبة له مرتكزاً في حجم صغير بحسب خارطته الجغرافية، التي لم تكن سوى فكر موضوعي، والتي يعرفها وقد يسمع عنها، لكنها الآن تتحول من الملموس إلى المحسوس، إذ أصبح عالمه اليوم يتسع باتساع عدسات مكبرة عبر الفضائيات والأجهزة الإلكترونية، فبات العالم أمامه حساً، وبدأ يستشعره ويتماس مع الإنسانية على أي نقطة صغيرة على خارطة الجغرافيا.
ومن هنا كان يتوجب علينا نحن المبدعين ذلك التحول الذي بات واقعاً موضوعياً أمامنا بأن نهتم بالأدب الإنساني وننتجه، وذلك لسببين مهمين: أولهما ذلك الحس المشترك مع العالم، وثانيهما تربية الحس العام على الوعي والحس الإنساني الذي سطا عليه التوحش والقتل والحرب والدمار أمام أعين النظارة وبلا مراعات لهذا الحس الإنساني الذي أخذ في التآكل تدريجياً.
إن عملية إغفال الحس الإنساني في أدبياتنا وفي الناتج الإعلامي هي ما خلق ذلك التوحش، وهي ما أخرج لنا تلك الحروب، التي إذا ما دققنا في دوافعها فلن نجد لها دافعاً سوى ما يسمى بغريزة الانتصار التي نبتت مع الإنسان البدائي لكي يتغلب على وحوش الطبيعة آنذاك.
وفي نهاية الأمر نجد ضيفاً يدخل إلى هذا المثلث (التاريخ، الجغرافيا، الزمن) وهو الأكثر أثراً وأعمق مصداقية وهو الإبداع؛ فالإبداع ما هو إلا ذرات متناثرة معلقة في فضاء حر لا يلتقطها سوى المبدعين، وهي جميعها ذرات المكنون التاريخي والجغرافي والإنساني في لحظة زمنية واحدة ولاقطة، تحددها عدسة الإبداع المكبرة والواضحة والباقية للباحثين وللعلماء تتدارسها الأجيال القادمة في كبسولة سحرية راصدة وصادقة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.