وفقا لتقرير صادر عن مجلس الأعمال الأميركي السعودي، بلغت القيمة الإجمالية للعقود التي تمت ترسيتها خلال ما أنقضى من العام 2019 تحسنا قوياً لتبلغ 48.9 مليار ريال خلال الربع الأول من العام. ويشير هذا الأداء المميز لتركيز كلاً من الحكومة والقطاع الخاص على استعادة توجه النمو الإيجابي السابق للهبوط الحاد في إيرادات النفط. ومثلّ التراجع الكبير في إيرادات النفط نقطة تحول مهمة وعاملاً مساهماً في تراجع ترسية المشروعات العملاقة بالمملكة. بيد أن تحسن أسعار النفط، مترافقاً مع تركيز حكومي على الإنفاق بصورة مكثفة لتعزيز نفقاتها الرأسمالية، أسهم في نقطة التحول. وضمت العقود التي تمت ترسيتها خلال الربع الأول من العام 2019، وبلغ إجمالي قيمتها 48.9 مليار ريال، مشروعات عملاقة مهمة بقطاعات اقتصادية عديدة، أبرزها قطاعات النفط والغاز، والمياه، والنقل، والتي شكلّت حوالي 67 % من إجمالي قيمة كافة العقود التي تمت ترسيتها خلال الربع الأول من العام 2019. وشملت قائمة القطاعات الأخرى التي ساهمت في تلك القيمة الإجمالية القطاع العسكري، وقطاعا العقار والطاقة. ويجيء الإنفاق المكثف في هذه القطاعات متوافقاً مع ميزانية المملكة لعام 2019، حيث بذلت الحكومة جهوداً دؤوبة لتأمين قدرات بنى تحتية مستدامة، فضلاً عن تعزيز نطاق الخدمات المتوفرة لمواطنيها. وكما يوضح الرسم البياني التالي، فمن المرتقب لقيمة العقود التي ستتم ترسيتها خلال العام 2019 أن تنطلق صاعدة بقوة مقارنة مع الأعوام القليلة الماضية. سجل مؤشر مجلس الأعمال السعودي الأميركي لترسية عقود الإنشاء 168.69 نقطة بنهاية الربع الأول من العام 2019؛ ويعكس ذلك انتعاشاً للمؤشر بعد أداء باهت خلال العامين 2017 و2018. ويمثل مستوى 168.69 نقطة ارتفاعاً بنسبة 29 % عن المستوى المسجل للربع الأول من العام 2018 والذي بلغ 130.63 نقطة. فضلاً عن ذلك، فإن تحول المؤشر خلال الربع الأول من العام 2019 لم يشهد له مثيل منذ شهر يوليو من العام 2016 حينما بلغ المؤشر 176.53 نقطة. ومن الملاحظ على أداء المؤشر في الربع الأول من العام الجاري، أن هناك زيادة تدريجية مع مرور كل شهر؛ إذ بلغ المؤشر 143.29 نقطة لشهر يناير، ثم زاد إلى 155.34 نقطة لشهر فبراير، وسجل ارتفاعاً إلى 168.69 نقطة بنهاية شهر مارس. وإذا ما قدر لوتيرة ترسية عقود الإنشاء التي شهدناها خلال الربع الأول من العام 2019 أن تستمر خلال ما تبقى من العام، فمن الممكن لمؤشر ترسية عقود الإنشاء أن يعود إلى نطاقه المألوف الذي درجنا على أن نشهده قبل إلغاء وتأجيل المشروعات العملاقة نتيجة لانخفاض الإيرادات النفطية واستحداث أطر تنظيمية محسنة مثل إنشاء هيئة ترشيد الإنفاق الرأسمالي والتشغيلي. إن قيمة العقود التي تمت ترسيتها خلال الربع الأول من العام 2019، والتي بلغت 48.9 مليار ريال، تحقق زيادة هائلة بنسبة 113 % مقارنة مع الربع الأول من العام 2018، حينما بلغت تقريباً 23 مليار ريال. وسجل الربع الأول من العام 2019 أعلى قيمة للعقود التي تمت ترسيتها منذ الربع الأول من العام 2015 حينما بلغت 88.6 مليار ريال. فضلاً عن ذلك، فإن قيمة العقود التي تمت ترسيتها خلال الربع الأول من العام 2019 بمفرده تشكل حوالي 48 % من القيمة الإجمالية للعقود التي تمت ترسيتها خلال العام 2018 بأكمله. وبناءً على ذلك، فإن وتيرة ترسية العقود فيما انقضى من العام الجاري تشير إلى أن نشاطات الإنشاء، عبر كافة القطاعات، ستعاود البروز كمحور تركيز استراتيجي بالمملكة في مقبل السنوات. وكما أشرنا سابقاً، فإن توزيع قيمة العقود التي تمت ترسيتها خلال الربع الأول من العام 2019 حسب القطاعات تضمن عقود ضخمة في قطاعات النفط والغاز، والمياه، والنقل. أما قطاع الكهرباء الذي عادة ما يحوز حصة كبيرة من العقود التي تتم ترسيتها، فلم تتجاوز حصته 5 % من قيمة العقود التي تمت ترسيتها خلال الربع الأول من هذا العام؛ غير أن من المتوقع أن يكون له إسهام أكبر فيما تبقى من العام. من منظور جغرافي، تركزت بكثافة ترسية العقود في المنطقة الشرقية، التي استفردت بحصة 40 % من إجمالي قيمة العقود التي تمت ترسيتها؛ وليس هذا بمثار دهشة نظراً لما تضمه المنطقة من قدرٍ كبيرٍ من الصناعات الثقيلة. وجاء جزء كبير من العقود التي تمت ترسيتها بالمنطقة الشرقية في قطاع النفط والغاز وقطاع المياه، مما دفع بالقيمة الإجمالية لحصة المنطقة الشرقية لتبلغ 19.3 مليار ريال. ويخص العديد من المشروعات العملاقة التي تمت ترسيتها في المنطقة الشرقية استثمارات لشركة أرامكو السعودية في حقلي مرجان وبيري البعيدين عن الشاطئ. وخلال الربع الأول من العام 2019 استحوذت منطقة مكةالمكرمة على حصة 8.2 مليارات ريال، أو نسبة 17 % من إجمالي قيمة المشروعات التي تمت ترسيتها، وتصدر قطاعا المياه والضيافة بقية القطاعات. وشملت مشروعات المياه بالمنطقة محطات لتحلية مياه البحر في رابغ، بينما ضم قطاع الضيافة عقد لإنشاء فندق فور سيزونس "الفصول الأربعة" في مدينة جدة. وجاءت منطقة الرياض في المرتبة الثالثة بحصة 6.4 مليارات ريال، أي نسبة 13 % من إجمالي قيمة العقود التي تمت ترسيتها. وضمت المنطقة عقدين ضخمين في قطاعي النقل والعقار. كما تمت ترسية عقد كبير في قطاع النقل لتشييد طريق الرياض الدائري الثاني. وشهد قطاع العقار ترسية عقد مشروع سكني ضخم من قبل وزارة الإسكان. تصدر قطاع النفط والغاز كافة القطاعات حائزاً حصة 11.8 مليار ريال من قيمة العقود التي تمت ترسيتها. ويعكس الأداء القوي للقطاع خلال الربع الأول من العام 2019 زيادة هائلة بنسبة 329 % مقارنة مع أدائه في الربع الأول من العام 2018، حيث لم تتجاوز حصته من قيمة العقود التي تمت ترسيتها 2.7 مليار ريال. بل إن الأمر الأكثر إثارة هو أن قيمة العقود التي تمت ترسيتها في قطاع النفط والغاز خلال الربع الأول من العام 2019 شكلت 83 % من إجمالي قيمة العقود التي تمت ترسيتها خلال العام 2018 بأكمله، والتي بلغت 14.2 مليار ريال. وغني عن القول إن كل العقود التي ضمها قطاع النفط والغاز قد تمت ترسيتها من قبل شركة أرامكو السعودية، وأنها تركزت في المنطقة الشرقية. وتمت ترسية أكبر العقود في قطاع النفط والغاز في شهر يناير من قبل شركة أرامكو السعودية على اتحاد شركات يضم صبسي 7، ولارسن آند توبرو. وبلغت قيمة العقد 2.4 مليار ريال، وبموجبه سيتم توسعة وإنشاء تسهيلات جديدة في حقل نفط ظلف البعيد عن الشاطئ. وبتفصيل أكثر، ستنشئ شركتا صبسي 7 ولارسن آند توبرو محطات حقن بالماء، ومنصات فوهات آبار، ومنصات تجميع الإنتاج، وخطوط رئيسة وخطوط تدفق، ومعملين للمعالجة المركزية، ومعمل لفصل الغاز/ النفط، وتجهيزات لضغط الغاز، وتركيب مضخات غاطسة كهربائية. ومن المرتقب أن يكتمل تنفيذ المشروع في الربع الرابع من العام 2021. ضم قطاع المياه ما قيمته 11.8 مليار ريال من العقود التي تمت ترسيتها خلال الربع الأول من العام 2019. وقد زادت قيمة العقود التي تمت ترسيتها في هذا القطاع بنسبة 383 % مقارنة مع الربع الأول من العام 2018، وبلغت حوالي 84 %من إجمالي قيمة العقود التي تمت ترسيتها خلال العام 2018 والذي بلغ 14 مليار ريال. علاوة على ذلك، هذا المستوى يسجل أعلى قيمة للعقود التي تمت ترسيتها للربع الأول من أي عام منذ العام 2008. وقد تمت ترسية العقود بأقاليم مختلفة، وأتمت ترسية معظمها شركة الماء والكهرباء والمؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة. وتمت ترسية أكبر عقد في هذا القطاع في شهر يناير من جانب المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة على مشروع مشترك بين شركة الراشد للتجارة والمقاولات ومجموعة أكيونة بقيمة 2.3 مليار ريال. ويتضمن المشروع إنشاء معمل تناضح عكسي لمياه البحر بقدرة 600 ألف متر مكعب يومياً كجزء من المرحلة الثانية من محطة التحلية بالتناضح العكسي لمياه البحر في الخبر. وتشمل الأعمال الإضافية بالعقد إنشاء خزانات مياه عذبة وتركيب نظم لتلقيم مياه البحر ومصبات، ونظام لتنقية المياه وجعلها صالحة للشرب، وأنابيب مياه عذبة، ومحطات ضخ. ومن المرتقب أن يكتمل تنفيذ المشروع في الربع الرابع من العام 2021. جاء قطاع النقل في المرتبة الثالثة من حيث قيمة العقود التي تمت ترسيتها بحصة 9.2 مليارات ريال. ومقارنة بالربع الأول من العام 2018، نمت قيمة العقود التي تمت ترسيتها بنسبة 406 % لتسجل نسبة 85 % من إجمالي قيمة العقود التي تمت ترسيتها بالقطاع في العام 2018 بأكمله. وتعد قيمة العقود التي تمت ترسيتها في قطاع النقل بالربع الأول من هذا العام هي الأعلى لربع عام منذ الربع الرابع من العام 2014 حينما تمت ترسية ما قيمته نحو 11 مليار ريال من العقود. وتمت ترسية أكبر العقود بالقطاع من جانب وزارة النقل، وركزت على إنشاء الطرق والطرق السريعة. وأبرمت وزارة النقل 88 عقداً لإنشاء طرق حلال شهر فبراير، وبلغت القيمة الإجمالية لها 5.1 مليارات ريال وتمت ترسيتها على مقاولين مختلفين. واختص 15 عقدا بإنشاء وتطوير طرق بالرياض بقيمة 604 ملايين ريال؛ في حين تمت ترسية 15 عقدا آخر بمنطقة مكةالمكرمة بقيمة 984 مليون ريال. وشهدت منطقة عسير ترسية 13 عقد طرق بقيمة 822 مليون ريال. بينما تمت ترسية بقية العقود في المناطق الأخرى بالمملكة. قفزت بقوة قيمة العقود التي تمت ترسيتها خلال الربع الأول من العام 2019 بعد أن شهدت هبوطاً نسبياً خلال السنوات القليلة الماضية. ومن المتوقع أن يتواصل هذا الزخم الإيجابي مرتكزاً بقدر كبير على تخصيص الحكومة لمبلغ 246 مليار ريال للنفقات الرأسمالية في العام 2019. وجاءت المحاور التي ركز عليها الإنفاق الرأسمالي لهذا العام ممثلة في قطاعات التعليم، والصحة، والبنى التحتية العامة. ولعل من الملاحظ أن ما تم ترسيته من عقود خلال الربع الأول من العام 2019 لم يتضمن مشروعات كبيرة في هذه القطاعات، بيد أن من المتوقع تشهد هذه القطاعات مساهمات مقدرة خلال ما تبقى من العام. ونظراً للأولوية التي أوليت لنمو القطاعات غير النفطية، فمن شأن الاستثمارات المكثفة المستمرة في مشروعات الإنفاق الرأسمالي أن تساعد في توفير فرص التوظيف المحلي، وآليات التمويل، وبرامج التوطين والخصخصة. وباستشراف المستقبل المنظور، هناك العديد من المشروعات قيد الطرح في مناقصات، وسيتم في الغالب ترسيتها خلال هذا العام. ويوفر مشروع تطوير حقلي مرجان والبري من جانب شركة أرامكو السعودية ومشروع خطة النقل العام بجدة أمثلة للمشروعات العملاقة المرتقبة. وما بين المدى المتوسط والمدى الطويل، فإن مشروعات نيوم، ومدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة، ورأس الخير لمعادن، تمثل بضعة مشروعات قادمة ستعمل دوماً على تحفيز نشاطات الإنشاء بالمملكة العربية السعودية.