الفتاة جزء رئيسي في بناء الأسرة حاول المجتمع قديما تربية الأبناء تربية منهجية أدبية، بطرح قصص شعبية تحمل توجيهات تصل لفكر النشء بطرق مباشرة وبالهدف المنشود، كما في القصة الشعبية (صوعان) ذلك الرجل الذي يتأخر عن مشاركة الرجال في الغزو، فكان مادة سهلة لسخرية المجتمع منه في كل مرة يرونه بها، ورفضت الفتيات الزواج منه، ولا يقدم في مجلس بين الرجال، ويلقبونه (بالرخمة) أي الرجل الذي ليس له دور إيجابي في المجتمع، ويتسم بضعف الشخصية، حتى أرغموه لخوض الغزو مع القبيلة، وعندما أثبت لنفسه وللقوم شجاعته، تغيرت نظرة المجتمع له وأصبحوا ينظرون له باحترام ويرغبون في تزويجه، وأصبحت الفتيات تحلم بالزواج منه، وهنا نرى كيف يتم ترسخ عادة الدفاع عن النفس وشحذ همة النشء منذ الطفولة بمثل هذه القصص الشعبية الهادفة في وقتها للنشء، كمنهج تربوي. حرص المجتمع على اختيار الزوجة الصالحة، حيث تبدأ التربية من المرأة كأم، والتي تعد أخطر مرحلة في تكوين الشخصية حيث يكون الطفل ملاصقا لأمه ومرتبطا بها، ينهل منها ما تمليه عليه، ولها تأثير قوي وكبير في تربية الأبناء، وهي من تخرّج الرجال، لذا نرى أن توجيه الآباء للأبناء على حسن اختيار زوجاتهم، يبدأ من الطفولة، فهذا الشاعر عواد النافعي ينصح ابنه متعب الذي ما زال طفلا في مهده، على حسن اختيار الزوجة من بيئة صالحة ليضمن سعادته وتربية أبنائه التربية الصالحة : أوصيك يا متعب إن الله أعطاك اللازمه خلك عليها عزومِ وأوصيك بنت اللاش لو خدها أشقاك ترى ولدها ما يسد اللزومِ جود رحيمك كود تبغى النوالي ترى عروق الخال تلحق بناخيه الشاعر الرقيعي يوصي ويحذر ويوجه ابنه، باختيار الزوجة التي تصنع له رجال المستقبل، وأعطاه المحاذير التي قد يقع فيها في حال ترك النصيحة: حاذور بنت اللاش رزل الفعالي لو برّقت بالزين تاطا مواطيه تورث ولدها خبثها والخمالي بطباعها وإلا بدرٍّ تغذيه وأوصيك بنت اللي لها الهوش تالي ينطح سنانٍ كيد من هو معاديه لم يغفل المجتمع قديما عن العمر الذي يكون فيه تلقي للأفكار سهلا، ويختزنها حتى يصعب بعدها إقناعه في حال طلب منه التنحي عنها، ويجعله أمر صعب لا يستطيع تركها، وهي مرحلة الطفولة المبكرة جدا، لأنها أقوى مرحلة في بناء الشخصية وترسيخ الأفكار والعادات والتقاليد ويكون فيها العقل صفحة بيضاء. وفصل قديما في طرق التربية بين الصبيان والبنات، فكان للذكور توجيهاتهم التي تبني شخصية قوية فذة، وغرس مبادئ دورها الاجتماعي في شخصيته منذ الصغر، فصنعوا رجالا تميزوا بنبوغهم الفكري والجسدي من سن صغيرة، بينما تكون للفتيات توجيهات تصنع منهن نساء كادحات قادرات على مواجهة الصعاب كقصة (رونجة) وقصة (خضراء) التي توجه الفتاة على الحرص على الزوج وحفظه في حله وسفره، وأن الفتاة جزء رئيسي في بناء الأسرة، وعليها يعتمد الرجل في تربية أبنائه. لم يرحم المجتمع قديما النشء، فكان صارما في التربية، وجادٍّ في صنع مستقبل لرجال ونساء يعتمد عليهم المجتمع للاستمرار، ورباهم على الرضا بأقل ما يضمن لهم الحياة، فكان سن الطفولة المبكرة جدا التي ضمن فيها المجتمع فعالية التدريب والتوجيه في تكوين الشخصية، وأول التدريب كان القذف بهم لصعاب الحياة، في إعطائهم مسؤولية الرعي الأغنام من سن الخامسة، تتدرج حتى سن السابعة لرعي الإبل، ولا يستثنى ذكر أو أنثى، بل الكل مسؤول ومشارك في المجتمع، فكانت تطلب الأمهات من الفتيات الصغيرات الرعي، السدو، والتحطيب، وحلب الأغنام، وجلب المياه من مصادره بالقرب، فكان تدريب النشء من الضروريات التي يجب القيام بها ما جعل الجيل يستطيع تحمل المسؤولية، فأدى لنضوج أفكارهم، ومدتهم بقوة العزم واتخاذ القرار والاستقلالية في الرأي والتخطيط والرؤيا في سن مبكرة، وهو ما لا يستطيع عقل تصديقه في جيلنا الحالي، وكان المجتمع لا يرحمهم في حال التقصير بل يقوم بمعاقبتهم بدون رحمة. عرف المجتمع قديما أهمية التربية للنشء، فقدم كل ما بوسعه بالطرق المنهجية، والفكرية التربوية، خرجت شخصيات كان لها أثر كبير في رقي المجتمع، والحفاظ على نسقه ونسيجه الاجتماعي.