وادي التقنية، رأس المال الجريء، الحاضنات، المسرعات، ريادة الأعمال، مصطلحات وردت على مجتمعنا الثقافي والتجاري والاقتصادي والتقني وشكلت العناوين لبرامج ومشاريع وضعتها الحكومة وبعض المؤسسات الخاصة.. وكل هذه المصطلحات لم تكن وليدة مشروع محلي ولكنها نبعت من خلال دراسة تجارب الشعوب الأخرى أثناء محاولات إصلاح بعض القضايا المحلية، ولا بأس أن ننقل من تجارب الدول الأخرى ولكن أن "نستنسخ" تجارب الشعوب فهذه مشكلة قد تتسبب في نتائج عكسية. ريادة الأعمال هي إحدى وسائل تجديد حياة اقتصاد الدول، أو الاقتصاديات المحلية لمناطق ومدن محددة. رواد الأعمال الأميركيين والأوروبيين هم سبب نهضة دولهم وتقدمها، وهم سبب تمتعنا بأجهزة وخدمات مثل الحاسب، ومنصات التواصل الاجتماعي، والسيارات، حتى مصابيح الإضاءة. وهذا المصطلح يستخدم بكثرة في المملكة، وتعرف مؤسسة كوفمان ريادة الأعمال ب: "إنشاء منشأة اقتصادية مبتكرة لغرض الربح والنمو في جو من المخاطرة وعدم اليقين"، وتُرجمت الكلمة إلى "ريادي" و"رائد الأعمال"، وهي ترجمة للكلمة الإنجليزية Entrepreneur التي تمتد جذورها للكلمة الفرنسية "Entreprendre"، والتي تعني "الشروع بالقيام بعمل" كما ظهرت ترجمات عربية مختلفة، فبعض المترجمين ترجمها ب"رائد"، وبعضهم الآخر ب"عصامي".. فهل هذا الوصف متوافق مع المسميات المماثلة في المملكة؟ قمنا بمسح إحصائي خلال سنة 2014 على منظومة الريادة والابتكار في المملكة، واتضح أن 86% من المؤسسات الداعمة غير متوافقة مع المنهج العالمي لريادة الأعمال، و5% فقط من الجهات التمويلية تتفهم مخاطر تمويل الرياديين وتضع برامج مخصصة لهم، وأن 98% ممن يسمون أنفسهم رياديين ليسوا كذلك، و86% من المشاريع المدعومة في المؤسسات الداعمة للريادة ليست مشاريع ريادية. كما أن بعض من فازوا بجوائز ريادية مرموقة هم رجال أعمال ناشئون ناجحون ولا شك، لكنهم ليسوا رياديين، هذه الأرقام تحيط ريادة الأعمال ومشاريعهم المبتكرة بكثير من الضبابية التي تؤدي إلى عدم وضوح الروية حين اتخاذ قرارات دعم الرياديين. غالبية الرياديين رجال أعمال ناشئون يفتقدون القدرة على تحليل المخاطرة والتخطيط للتغلب عليها تكاد تكون كل مؤسسات الدعم التي تستهدف "ريادي الأعمال" هي مؤسسات مخصصة للمؤسسات الناشئة بشكل أساسي وليس لريادي الأعمال، وتكون برامج دعم ريادة الأعمال أحد البرامج الفرعية فيها، أو أنها مشمولة بدعم جزيء، لأن هذه المشاريع الريادية تشترك في بعض صفات واحتياجات المشاريع الناشئة، ويكون هذا الاختلاف أكبر في مؤسسات الدعم المالي؛ فهي جميعا ترفض تقديم الدعم المالي المطلوب للرياديين (حسب التعريف العالمي) إذ إن نسبة المخاطرة العالية في هذا النوع من المشاريع لا يتوافق مع سياساتها، ولكن بعض هذه المشاريع تحصل على تمويل من خلال إخفاء المخاطر، وإعادة صياغة خطط المشروع لتتوافق مع المشاريع التقليدية ومع سياسة الدعم المالي للمؤسسة. 86 % من المشروعات المدعومة من المؤسسات الداعمة للريادة ليست مشروعات ريادية لا يعني ذلك أننا لا نحتاج لدعم المؤسسات الناشئة أو أنه منهج خاطئ أو أن قرار تأسيسها غير سليم، بل إن الحاجة لهذا الدعم مطلب أساسي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في المملكة، ولكن المشكلة تكمن في أن هذه المؤسسات بمشاريعها، وبرامجها لا تفي بمتطلبات الرياديين الحقيقيين الذين تختلف احتياجاتهم عن احتياجات مؤسسي الأعمال التجارية الناشئة، والذين نحتاج لهم لتنويع اقتصادنا، وبث الحياة والنشاط فيه. ومما جعل مشكلة دعم الريادة تتفاقم أنه حينما تقوم جهة ما بتأسيس برنامج دعم للرياديين، فإنها تحاول نسخ برامج ناجحة في دول العالم وتنفيذها في المملكة سواء من خلال نسخ نموذج عملها، أو من خلال التعاقد مع مؤسسات دولية متخصصة لتنفيذ خدماتها التي نجحت في تقديمها في بلادها الأصلية وتقديمها في المملكة، وهذا يقودنا للإنفاق على تأسيس وتشغيل برامج ليست متوافقة تماما مع واقع الحال في المملكة، وتواجه هذه البرامج اختلافات في التشريعات والثقافة، وفي عناصر النجاح والفشل عن بلادها الأصلية، وإن تشابهت الحاجة والأهداف. نحن بحاجة إلى برامج متخصصة في تنمية ريادة الأعمال، وتثقيف الشباب وتشجيعهم على الاستثمار في المشاريع الابتكارية ودعمهم لإنشاء منشآت تجارية قادرة على تحقيق النمو والعوائد المالية المجزية. إضافة إلى الدعم العلمي لبناء المنتجات والتطبيقات وتطويرها؛ يحتاجون أيضا إلى القدرة على تطوير مهاراتهم وقدراتهم في تنمية الفرص واتخاذ المخاطرة من خلال برامج تطوير متخصصة، إضافة إلى أن معظم الرياديين يفتقدون القدرة على تحليل المخاطرة والتخطيط للتغلب عليها، ومن ثم ارتفاع نسبة الخوف من الفشل، أو الاستثمار بشكل يشابه المقامرة، ومما يزيد درجة المخاطرة لدى الرياديين انخفاض أو انعدام المهارات التخصصية في المشاريع الابتكارية لدى القوى العاملة السعودية. برامج ومشاريع أودية التقنية، رأس المال الجريء، الحاضنات، المسرعات، ريادة الأعمال، والتشريعات القانونية والمالية، ومناهج التعليم، وخطط البحث العلمي، والبيئة التجارية تشكل منظومة متكاملة في بلادها الأصلية ضمن سياسة واستراتيجيات حكومية متعددة نحو تنمية الابتكار؛ وحينما نستنسخ أو نحاول نقل تجربة ما إلى المملكة، فإننا نختزلها من مسببات نموها، ومن عوامل استمرارها، ومن محددات عملها، وبالتالي فنحن نؤسس لبرامج غير متوافقة تماما مع احتياجات القطاع المستهدف. جهود المملكة لتنويع اقتصادها وتشجيع نمو الصناعة السعودية بدأت منذ الثمانينيات، وأدت إلى تنويع محدود في السلع والخدمات التي يتم إنتاجها محليا، ويعد التحدي الكبير الذي تواجهه المملكة هو في كيفية تكوين بيئة ابتكارية تكفل تحقق الاقتصاد المعرفي ويستفيد من المزايا التنافسية لها لتحقيق دخل وطني يضمن استمرار مستوى المعيشة الحالي للأجيال القادمة ما بعد البترول. ماذا لدى المملكة من موارد غير بترولية يمكن استثمارها لتحقق الدخل البديل عن دخل البترول؟ المملكة تختص بميزات تنافسية مكانية تتيح لها القدرة على تنفيذ أعمال تجارية تقليدية وتسويقها للأسواق المحيطة ولزوار الحرمين الشريفين من أنحاء العالم بالاعتماد على تجاربها وقدراتها ومواردها الوطنية.. ولكن بالإضافة لذلك، فإن لدى المملكة القدرة الكامنة لتكوين مشاريع قائمة على المعرفة لها دور كبير في تحقيق التنافسية السعودية بشكل أكبر وأعمق وأبعد مدى من خلال استثمار مخرجات منظومة التعليم والمعرفة المتولدة من خلالها، ومن ثم فالتحوّل من الموارد الطبيعية إلى أساس اقتصادي قائم على المعرفة يجب أن يعتمد ويبدأ من المدارس والكليات والجامعات الوطنية الكبرى ومؤسسات التعليم ما بعد الثانوي، ومراكز ومؤسسات البحوث بحيث تعتمد على دعم تنمية الابتكار ونشوئه؛ لتصبح مصدراً للتنمية الاقتصادية كما حدث في تجمعات الابتكار الرائدة في العالم، يؤكد ذلك مقولة مايكل بورتر: "الازدهار الوطني ينشئه أبناء الوطن، ولا يورث، ولا ينمو من الثروات الطبيعية للبلد، ولا تحققه وفرة الأيدي العاملة، ولا أسعار الفائدة، أو قيمة العملة". لا مانع من أن نتعرف على تجارب الشعوب، ولكن يجب أولاً أن نتعرف على بيئة العمل التجاري والتشريعي ومعوقاته ووسائل التغلب عليها وأن نحاول بناء وتكوين المؤسسات المتخصصة التي تحقق الأهداف المماثلة للمؤسسات الدولية ولكن من خلال قدراتنا وإمكاناتنا وتجاربنا وثقافتنا المحلية. ####د. عبدالعزيز الحرقان - عضو مجلس الشورى