ثلَّةٌ قليلة حفرت في صخر الصحافة لتأسيس قواعد البناء التنويري للكلمة الهادفة في حقبة من الزّمان جديرة بالاحترام والتّقدير لصانعي مجدها على رغم تواضع أدواتها التّقنيّه في ذلك الوقت وقلَّة مواردها المالية,إلاّ أنَّ القيمة لا تكون إلاَّ بالعزيمة التي تستنهض الهمم والعقول للعمل المعرفي في لَيالِك البدايات التي دائماً ما تكون مُبهمه ومُظلمه في حياة الأمم حتى يُقيِّضُ الله من يفتح كوّة يتسلَّلُ منها النور إلى أعماق البصائر لتزكو في الإنسان ناشرةً قيم العلم والفضيلة,مُقدِّمةً البذل والجهد والإتقان حوافز خالصة لوجه الارتقاء الإنساني,وسُنَّة من سُنن التّكوين الفطري لتحقيق تفاعل الذَّات مع صُروف الزمان والمكان,الذي بتحقيقه تكتمل معرفةُ حقيقةِ الوجودِ والحياة,ومن خلال الذَّات العامله يبرز المعنى الشمولي لبقية الذوات حين نُعرِّفها بالنفوس الفاعله والمتفاعله مع الأشياء لتكون أهم مكوِّن لحركة الشُّعور بالقدرة التي تصطنع الماهيَّة الادراكيه لتشكيل أهداف البناء الفكري الذي تطور بالعقل عبر عصوره وأجياله ليأخذ مكانه ضمن منظومة الأخلاق الباعثة على تنميَّة مراحل الفكر الإنساني,عندما بدأ إحساساً تحول إلى واقع ملموس من خلال النّقل القائم على الصوت الذي أحدث اللغه المسافره عبر الرُّواة المتعاقبين النَّاقلين للأحداث والأخبار المصوِّره للبيئات المتقادمه في أعماق الدهور ليتجسَّد من خلالها فكرة الصُّحف وصُنع الصحافه البصريَّه والسَّمعيَّه . والقارئ للعمر الصَّحفي في وطننا لن يستغرق وقتاً طويلاً ولن يُضنيه البحث والتنقيب عن أعلام صحافتنا,لأن عمر الصحافه لدينا نختصره في مرحلتين بعد العصر العثماني،تضمينا لتاريخ الصحافة في الحجاز,منذ عهد حُكم الأشراف،والعهد السعودي الذي بدأت فيه إرهاصات الصحافة تنشأُ على استحياء لبعض الصحف التي أذكر منها: (القبله) صحيفة أم القرى وقريش،والبلاد (صوت الحجاز)،والنَّدوة،وعكاظ،والمدينة إضافة إلى مجلة المنهل . وحين نأتي على سرد شخصيات الصحافة المؤسسة لبداية الإستشراف الصحفي نذكر من أوائلها: الأُستاذ أحمد السباعي والأستاذ عبدالقدوس الأنصاري،والأُستاذ أحمد عبدالغفور عطّار،ومعالي الأُستاذ حسين عرب والأستاذ محمد صلاح جمجوم والأستاذ على حافظ والأستاذ عثمان حافظ والأستاذ حسن عبدالحي قزاز والأستاذ عبدالغني قُستي والأستاذ صالح جمال والأستاذ أحمد جمال والأستاذ حامد مطاوع هؤلاء كانوا من أهم مكوُّنات الصحافة السعودية وأعلامها في عصر البدايات وقبل نشوء الصحف في مختلف مُدن المملكة وربما غيرهم (رحم الله والدينا ورحم من مات منهم والمسلمين). واني وإن كنت أستجدي الذاكرة فأنا لست من أهل الصحافة أو صُنّاعها أو أعلامها وإن كنا نجتمع على الورق والقلم,ونختلف في المواهب والقدرات . ونحن حين نكتب عن صحيفة الندوة نكتب عن قياداتها المُعاصره مثل: الأستاذ الكبير حامد مطاوع الذي تتلمذنا على مُعطياته الكتابيه لمقالاته اليوميه في جريدة النَّدوة بحكم أننا من أبناء مكةالمكرمة،و هي صوت مكة،وقد كانت في عهده مثاراً لتحريك دوافع التنافس بين الشباب،وكانت مرآة حقيقيّه للمعرفه لكونها تستكتب أعلام الفكر،وسدنة العلم،وأرباب الفن والأدب . وحين تُذكر صحيفة النَّدوة يُذكر حامد مطاوع فكأنهَّا هو وكأنّهُ هي حتى اليوم لأنه أخلص في حبِّها وتفانى في العمل لرفعتها,فله الذكر العطر كما هو دائماّ وأبداً نزيهاً كريماً عَطِرَاً أنيقاً في مظهره ومخبره صموتاً,فإذا تحدث أغراك بطيب القول ودماثة الخلق وسعة الأفق الثّقافي والأدبي،وهذه من أرفع صفات القائد العامل لتخليد آثاره على أديم الزمان والمكان،ليس كما نرى اليوم في بعض القيادات الصَّحفيّه التي يغلِبُ عليها الضَّحالة الفكرية والثّقافية،والتي أصبح كل همها أن تجلس على الكرسي فيرفها المنصب ولا ترتفع بالقيمة الذاتية والقدرة الثّقافية,فإذا ما قيسوا بروّاد صحافتنا السابقين لا تجد مقارنةً بين تلك الأمة التي خلت وأسست وتعبت وعملت,لا جرياً وراء الماديات،وإنما عِشقاً وحُباً للأوطان والإنسان,ومنهم الأُستاذ حامد مطاوع الذي بترجُّله عن صحيفة النّدوة فقدت الكثير من الصيت والقدرة الصحفية،نظراً لما تكالب عليها من الظروف المحبطة من بعض القيادات التي تعاقبت عليها وتركتها وهي تحتضر،لولا بعض القدرات الصحفية نذكر منها المثقف المكافح الأستاذ/أحمد بايوسف رئيس التحرير الحالي الذي رأسها مرتين,ولازال صامداً في وجه التَّحديات التي تواجه هذه الصحيفة،فهو على قلِّة الموارد،وضعف الإمكانات نجح في استمرارية هذه الجريده محاولاً بذل كل ما يستطيع للرُّقي بها ورفع شأنها لتحافظ على مكانتها في القلوب والعقول،إيماناً منه بقيمة البلد الأمين الذي تصدر منه نسأل الله له العون لتحقيق رسالة هذه الصحيفة،وهذا لن ينسينا أدوار العاملين سابقاً لهذه الجريدة مثل الأستاذ يوسف دمنهوري والدكتور عبدالرحمن العرابي والأستاذ الأديب رفقي الطيب ذلك المثقف الواعي الذي كان رئيساً لتحرير الندوة لفترة قصيرة وقد كان يتمتع بخلق كريم وقلم بارع يزينهُ الصدق والنزاهه والقدرة على القيادة ثم جاء بعده الأستاذ الأديب فوزي خياط الذي كان رئيساً لهذه الجريده،وقدّم من عصارة فكره وجهده ما بث فيها شيئاً من الحياة ثم تسلمها الأستاذ هشام كعكي الذي لم يقل عن أقرانه في محاولة النهوض بهذه الصحيفة وبذله المادي والمعنوي لها . كما لا ننسى دور الجندي المجهول معالي الدكتور محمد عبده يماني الذي يقدم كل دعم لمكةالمكرمة دون أن يحب الظهور خدمة لهذا البلد الحرام. وهنا لابدَّ لنا من وقفة كبيرة وتسجيل أسمى آيات الإكبار والاعتزاز لقائد هذه الأُمُّة الملك السامق دائماً وأبداً,الملك الإنسان,الملك المؤمن المؤيد بنصر الله الملك عبدالله بن عبدالعزيز حين جعل مكهالمكرمه هاجسه الأول،فوهبها من الحبّ والعطاء والاهتمام ما يعجز عنه الوصف أو الإعلان،نظراً لكثرة تعداد ما يوليه لمكةالمكرمة وأهلها وحجاجها وزائريها لما لها من المكانة المُقدَّسة في نفسه . فلقد سمعته وهو يوصي بمكة وأهلها خيراً فلله درُّه من ملك،وأعظم به من قائد،وأكرم به وبأشقائه البرره بهذا البلد الأمين (حفظهم الله وسدد إلى الخير والرفعة خطاهم),وهذه ثمرة من ثماره اليانعه التي أولاها لرفعة جريدة النّدوة حين تبرع لها من قبل بعشرة ملايين ريال لسدّ العجز الذي كان يعترضها،وها هو الآن يوليها الاهتمام والتّوجيه بدراسة جاده لِتُحقق هذه الصحيفة رسالتها الصحفيِّه,وتستعيد شخصيتها الإعتباريه من مهوى الأفئده الذي انطلقت منه رسالة الإسلام الذي عمَّ بنوره المعمورة بعد ليل الضلال والشرك,فعنت القلوب والوجوه للواحد القهار بما أنزله الله على سيد الأولين والآخرين محمد بن عبدالله النَّبي الأُمّي صلوات الله عليه,فكان تشريعاً وهدياً سماوياً قام على كتاب الله العزيز وسُنَّة رسوله الأمين خالداً إلى يوم القيامة . ولا يسعنا إلا أنْ نقول له سلمت أبا متعب وسلم أخوتك وشعبك تحت راية لإله إلاّ الله محمد رسول الله . كما يحدوني أمل المحب أبعثه بخالص التّقدير والإكبار لأميرنا النّابه الفذ الشاعر الأديب خالد الفيصل أمير منطقة مكة حفظه الله أن يشمل هذه الصحيفة بكريم فضله,وثاقب حكمته ورأيه,بالإشراف والإطلاع على الدراسات التي يُجريها بعض المتخصصين,وخصوصاً وسموه الكريم يُعتبر من أبناء مكة وهو اليوم يستنهض الهمم للإرتقاء بحضارة هذا البلد الحرام ليكون من أوائل الأوطان المتقدمة عالمياً وهو فاعلٌ لما يقوله بإذن الله لما يعرفه الكثير عن الأمير خالد الفيصل من علم ودأب وصدق مع نفسه ومع خالقه ومع الوطن,وما يتمتع به سموه (سلَّمه الله) من تقدير على المستوى المحلي والدولي من خلال إنجازاته الواعيه في المشاركة في صنع الواقع الحضاري الإنساني في مجالات متعددة ومتنوعة لازالت تهتف بإسمه سواء على مستوى الأدب والشعر أو الدراسات والبحوث العلميَّة,أو بناء روابط العلاقات الإنسانية بين الأمم بما قدمه دعماً للعلماء والمفكرين والمبدعين من خلال جائزة الملك الشهيد فيصل بن عبدالعزيز العالمية (جعله الله في جنة الفردوس) أو إنشائه لمؤسسة الفكر العربي,التي تعتبر من أكبر التظاهرات العلمية والأدبية على مستوى العالم العربي أو إنشائه لصحيفة الوطن التي تعتبر اليوم من أهم الصُّحف العربية,فهو بهذا الخلق الرفيع مالامس شيئاً إلا كُتب له التوفيق والنجاح بإذن الله لأنه مُخلِصٌ في أهدافه,مُستعينٌ بربِّه فهو أُمَّةٌ بِذاتِهِ,أسال الله له الصحة والعُلا أينما كان,وأتمنى أن تنال صحيفة الندوة ما نأمله في سموه من تحديث و تبريز في هذا العصر الزاهر لحضارة المملكة .