في صمت جمعتنا مائدة المقهى، هو خلف جريدته المنشورة بين يديه، وأنا متشاغل بقضم كعكة الجبنة ورشف القهوة.. بدون مقدمات أزاح الجريدة وأطل من وراءها قائلا: تتذكر حديثك عن أوجه الشبه بين التجربتين التركية والمصرية، فاتك فيه وجه تشابه على صلة بالجاري الآن في مصر.. حدثتني أن طبقة رجال الأعمال في الأناضول التي كانت تواصل صعودها الاقتصادي منذ الثمانينيات، أحد أهم القوى وراء التحولات التي شهدتها تركيا في مطلع القرن الجاري، وأنها على عكس طبقة رجال الأعمال القديمة المتمركزة في اسطنبول المتحالفة مع النظام الكمالي كانت ذات مصلحة في التغيير.. الطبقة القديمة متغربة من حيث أساليب الحياة، ومرتبطة بالنظام الكمالي في علاقة تبادل مصالح، وآخر ما تريده منافسين اقتصاديين جددا من داخل المجتمع التركي، لذلك اصطدمت مع طبقة الأناضول البازغة المحافظة اجتماعيًا، التي وجدت في تيار الإسلام السياسي حليفًا مناسبًا لإحداث التغيير.. قاطعته: خمنت ما تود قوله، أن الوجه الخفي في المنافسة السياسية الجارية الآن في مصر، هو بين المصالح الاقتصادية المرتبطة بجماعة الإخوان أو برجال الأعمال المتحالفين معهم، وبين المصالح الاقتصادية التي نمت في ظل النظام السابق.. هز كتفيه وقال: مجرد تفسير قوي الاحتمال، ومثلما قلتَ أنت ما خلف الستار غير مباح علمه، في أجواء شرقية بينها وبين الشفافية خرط القتاد، أجواء مثالية للكتّاب أمثالك، تتيح لهم الذهاب بوجهات نظرهم إلى حيث تشاء أهواؤهم.. قلت متجاهلًا تعريضه: كما تفضلت هو تفسير محتمل، خاصة والفروض المبدئية تدعمه، وأولها أن قلب السياسة معلق بالاقتصاد، اعترفت السياسة بذلك أم لم تعترف، قلوب البشر جميعها معلقة به، مباهج الدنيا ومغانمها قاعدتها الصلبة المال، لذلك لا أرتاب قدر ريبتي في سياسة تعظ الناس بالمثل العليا. لوى سحنته بقلق وقال: احتمال إن صح لا يبشر بخير، يعني أن فوز أي فريق منهما لن يسعد إلا جماعات المصالح الاقتصادية المرتبطة به، ولا يعد بتحديث حقيقي.. قلت: ليتك لم تقل هذا حتى نختم حوارنا متفقين، فالأحداث لم تعد بسيطرة أحد إلا في الظاهر وعلى المدى القريب، أما من الباطن وعلى مدى أبعد فتحركها قوى التاريخ غير الملموسة رغم كونها معلومة.. سبب تشابه التجربتين التركية والمصرية أنهما منذ بداية القرن 19 يتنقلان فوق نفس النقاط على مسار تاريخ الاجتماع السياسي، فواجها ويواجهان ذات التحديات التي تطرحها حركة التحديث، كما أن بدائلهما المتاحة لمواجهتها واحدة تقريبًا.. ثم أردفت بنبرة حث: اسألني المرة القادمة لماذا لا يمكن إرجاع الحركة على المسارات أو تجاهلها، بمعنى أن فوز أي من العلمانيين أو الإخوان لن يغير من الأمر كثيرًا.