المحكمة العليا تدعو إلى تحري رؤية هلال شهر رمضان مساء غدٍ الجمعة    وزير الثقافة يُطلق برنامج الابتعاث الثقافي لطلبة التعليم العام    النفط يرتفع مع تجدد مخاوف تقلص العرض    القيادة رئيس جمهورية الدومينيكان بمناسبة ذكرى استقلال بلاده    أمانة عسير تطلق هويتها الجديدة التي تعكس تاريخ ومستقبل المنطقة.    "اجدان" تُطلق مشروع "رسين ريجان هيلز" الفاخر بالشراكة مع "NHC"    رابطةُ العالَم الإسلامي تُدين قصف قوات الاحتلال الإسرائيلية عدة مناطق سورية    "المياه الوطنية" تستعد لضخ 10 ملايين م3 يوميًا خلال رمضان    إنفاذًا لتوجيهات القيادة.. بدء عملية فصل التوأم السيامي البوركيني "حوى وخديجة"    الجيش الأمريكي: طرد «المتحولين جنسياً» باستثناء هؤلاء !    هذا التصرف يساعد على النوم بسرعة    5 محاور لخطة عمرة رمضان.. «النقل» و«الذكاء الاصطناعي» يعززان إدارة الحشود    على نفقة فهد بن سلطان.. «معونة الشتاء» لمحافظات ومراكز تبوك    الحوار الوطني.. سورية بيد أبنائها    الربيعة يبحث الشؤون الإغاثية والإنسانية مع المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية    "الأخضر الشاب" يعبر كوريا لنهائي القارة    الخليج يفرمل الاتحاد والاتفاق يتفوق على التعاون    الجيش السوداني يتقدم جنوب الخرطوم    بحضور الوجهاء والأعيان .. آل كسناوي والفران يحتفلون بتقاعد محمود فران    الزهراني يحتفل بزواجه في القطيف    وزير التجارة يدشّن "منتدى مكة للحلال"    مجلس إدارة «المؤسسة» برئاسة ولي العهد يعلن: افتتاح أولى مراحل «المسار الرياضي» بخمس وجهات    تدشين أضخم مشروع قرآني عالمي من الحرمين    دور سعودي مهم للنمو والاستقرار.. وزراء مالية «العشرين» يبحثون آفاق الاقتصاد العالمي    وزير الدفاع يبحث مع مسؤولين أمريكيين التعاون المشترك    بين انفراجة صفقة الأسرى وتهرب نتنياهو من المرحلة الثانية.. سباق مع الزمن لإنقاذ هدنة غزة    روشتة بالذكاء الاصطناعي من «ChatGPT» لصوم صحي    «شؤون الحرمين» تدعو إلى الالتزام بإرشادات السلامة    موازنة أميركية لتنفيذ أجندة ترمب    احتفالية جذور الوحدة والتلاحم    المحكمة العليا تدعو إلى تحري رؤية هلال رمضان مساء غدٍ    سلال رمضان.. عادات أصيلة تعكس روح التآخي    بيتربان السعودي    هنا تضمر الحكاية..أيام تجري وقلوب تتوه..    جمعيّة أصدقاء المجتمع تحتفل بيوم التأسيس    هيئة الإذاعة والتلفزيون تدشن أضخم الأعمال على شاشتها الرمضانية    القرقاح يشهد احتفال أهالي محايل بيوم التأسيس    تخريج دورة الفرد الأساسي للقطاعات الأمنية بأكاديمية الأمير نايف    أمير تبوك يواسي بن هرماس في وفاة والده    نائب أمير الرياض يُشرّف حفل سفارة الكويت    محافظ خميس مشيط يعقد الاجتماع الأول للتعريف بمبادرة «أجاويد 3»    محافظ الطائف يلتقي الرئيس التنفيذي لجمعية مراكز الأحياء    سفارة المملكة في فنلندا تحتفل بيوم التأسيس    "طبيّة" جامعة الملك سعود تحتفي بيوم التأسيس    ميادين الأئمة والملوك.. تخليد ذكرى بناء الدولة    «الثلاثية المهنية».. درع الوطن في وجه التضليل    سلمان بن سلطان    وزير الرياضة يعتمد الراشد رئيساً لاتحاد كمال الأجسام    دونيس: أحتاج لاعبين بمستوى سالم الدوسري    إنجازات «إنسان» على طاولة فيصل بن بندر    «الأولمبية السعودية» تجدد ثقتها في لجنة البادل    يا أئمة المساجد.. أيكم أمّ الناس فليخفف.. !    في وداع سيد اللعبة.. عن كيسنجر والشرق    تمكن اصحاب المنشآت غير الغذائية من تقديم خدماتهم بالعربات المتنقلة    أمير الشرقية يستقبل وزير الحرس الوطني    أمير القصيم: سباق الدرعية يعكس ارتباط الفروسية بتاريخ المملكة    أمير تبوك يترأس اجتماع الادارات الحكومية والخدمية لاستعدادات رمضان    جامعتا الحدود الشمالية وتبوك تتنافسان على برونزية قدم الجامعات أ    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الرواية النسائية وشرط الوجود التاريخي
نشر في المدينة يوم 11 - 04 - 2012

ما الذي يمكن أن نجده في هذا الفارق الزمني؟ إن هذا الفارق الزمني يؤكد حضور الرجل، ثقافة وكتابة في سياق الثقافة المحلية، في الوقت الذي حرمت المرأة من هذا الحضور لأساب اجتماعية محافظة, ظلمت المرأة أولا عندما غيبت عن سياقها الاجتماعي، حيث لم يكن لها نصيب في مسيرة التعليم رغم ضعف هذه المسيرة وبدائيتها في بداية عهد البلاد بهذه المسيرة, وعليه فإن التعليم يعد القياس الأنسب للبحث في تحيز المجتمع ضد المرأة, فالمرأة لم تحظَ بالتعليم النظامي إلا في الستينيات الميلادية، وهي المرحلة التي تزامنت مع صدور الرواية النسائية, فكيف تكتب المرأة رواية إبداعية وهي غير مؤهلة للقراءة والكتابة أصلا؟ فهل يستقيم ذلك مع طبيعة الأشياء؟ إن الرواية خاصة، والأدب الفصيح عامة هو ناتج ثقافة القراءة والكتابة، ليس على المستوى الإجرائي، بل على المستوى المعرفي, فحركة التعبير الأدبي ليست حركة فردية تتم من طرف واحد، إذ لا بد من سياق اجتماعي وثقافي يتلقى ويتفاعل حتى تتحقق دائرة التواصل والتأثير. ولا أعتقد أن أحدًا يستطيع أن يجزم بوجود الشرط الثقافي والمعرفي بالنسبة للمرأة في تلك الحقبة، فضلاً عن أبجدية القراءة والكتابة. فكيف نوفق بين روايات صدرت في تلك الحقبة وأرّخت لبداية الرواية النسائية وبين غياب تعليم الفتيات النظامي حتى ذلك التاريخ. ولعل الاحتجاج بكفاية التزامن بين صدور الرواية النسائية وتوفر بيئة التعليم النظامي ليكون سببًا في التأريخ لبداية الرواية النسائية، لا ينهض، في الحقيقة، ليكون حجة على بداية الرواية النسائية. ذلك أن ظروف بداية صدور الرواية كان بعيدًا عن السياق الطبيعي لنمو المجتمع. فقد جاء صدور الرواية الأولى لسميرة خاشقجي في حين كانت تجربة التعليم النسائي النظامي في المجتمع السعودي لاتزال في خطواتها الأولى. ومعلوم أن التأثير لأي مسيرة تعليم يبدأ مع مخرجات التعليم التي تحتاج إلى قرابة عشرين عامًا من بداية مسيرتها على أقل تقدير حتى يمكن أن تمارس ترف الكتابة والنشر وتعاطي الأدب وتذوقه. علاوة على ذلك، فإن التعليم حتى أوائل الثمانينات الميلادية لم يتجاوز الثانوي للكثير من الفتيات. كما أن تجربة الكاتبة سميرة خاشقجي الثقافية تجربة خارجية، حيث تعلمت واطلعت على جنس الرواية وجربت الكتابة وتلقت أصداء قراءة أعمالها. إضافة، إلى ذلك، لا يجب أن يغيب عن تفكيرنا أن صدور الروايات الأولى كان خارج المملكة العربية السعودية، وهو أمر يضاف إلى جملة الأسباب التي تؤكد صعوبة التأريخ لصدور الرواية النسائية بداية الستينيات الميلادية التي تعد البداية الأولى لانطلاق التنمية الاجتماعية الموجهة للمرأة. ما نود أن نصل إليه أن الروايات التي صدرت في الستينيات حتى مطلع الثمانينيات ليست نتاج البيئة الاجتماعية والتعليمة للمجتمع السعودي، بل نتاج تجارب نسائية فردية تنوّرت تعليميًا وثقافيًا في بيئة خارج المجتمع السعودي. فرغم نسبة الأعمال إلى هوية كاتباتها، فهي نسبة تتوخى الهوية الوطنية، وليس هوية التكوين الثقافي والاجتماعي للفرد. فإذا كان الانتماء للهوية الوطنية رسميا، لا يشترط المعايشة والتفاعل، بل يكتفي بتسجيل الانتساب للهوية مع حرية اختيار مكان الإقامة داخل أو خارج الوطن وفقًا لظروف الفرد ونمط معيشته وارتباطاته، فإنّ الهوية الثقافية والاجتماعية بالنسبة للفرد تصبح حتمية لنسبة الأعمال الأدبية لسياقها الاجتماعي والثقافي.
ولمقاربة أكثر وضوحًا يمكن النظر في روايات سميرة خاشقجي وهدى الرشيد وهند باغفار الصادرة في فترة الستينيات والسبعينيات الميلادية، فهي أعمال تقدم دلالة حية على هذا النمط من الكتابات التي استفادت من التربية الثقافية الخارجية في تقديم هذه الروايات ونسبتها إلى الرواية السعودية بحكم انتمائهن الوطني لا الثقافي. فهن وغيرهن من الكاتبات المتقدمات زمنًا، من أمثال فوزية أبو خالد وشريفة الشملان، قد بذلن مجهودًا كبير في التعليم والتثقف في بيئات أخرى وفرت لهن ما لم يجدنه في بيئتهن الاجتماعية المحلية. فسميرة خاشقجي، على سبيل المثال، تربت تعليميًا وثقافيًا وقيميًا خارج المجتمع السعودي، ومعظم رواياتها تدور في سياق غير المجتمع السعودي مثل رواية (ذكريات دامعة) أو رواية (بريق عينيك). وحتى الروايات، مثل (قطرات من الدموع)، التي كتبتها عن المجتمع السعودي تعد كتابة من الخارج، أفكارها مسبقة وحوادثها جاهزة لتجيب عن قلق الكاتبة، لا أن تعالج التكوينات الاجتماعية بواقعية شديدة الخصوصية والصلة بالمجتمع في حركته اليومية. ولا تخرج رواية (البراءة المفقودة) لهند باغفار، ورواية هدى الرشيد (غدًا سيكون الخميس)، وهما روايتان صدرتا في فترة السبعينيات الميلادية، عن معالجة بعيدة عن أجواء البيئة السعودية، حيث تدور أحداث الروايتين في بيئتين خارجيتين. وفي المقابل، نلحظ في الروايات النسائية السعودية التي صدرت في فترة التسعينيات الميلادية وما بعدها تغيرًا جوهريًا، حيث نلحظ عمق المعالجات الروائية وقدرتها على إحداث صلة بالواقع اليومي، صلة نرى أنها نتاج حركة طبيعية لسياق ثقافي بدأ تشكله في أوائل الستينيات الميلادية، حيث وضع تنوير المرأة في الحسبان لأول مرة. ويمكن أن نستحضر في هذا السياق مجموعة من الروايات النسائية التي تجيب عن فرضية الرواية من داخل السياق الثقافي لا من خارجه. فالمتأمل في رواية نورة الغامدي (وجهة البوصلة)، ورواية ليلى الجهني (الفردوس اليباب)، ورواية (بنات الرياض)، وهي الروايات الأولى لكل واحدة منهن، يلمس مدى أهمية التكوين الثقافي في توجيه مسار هذه الروايات، وجعلها ذات قيمة داخل سياقها الاجتماعي والثقافي. فهن وغيرهن كن نتاج تكون ثقافي عرفن أبعاده فدخلن في جدلية عميقة معه، ولم تعد هؤلاء الكاتبات وغيرهن متلقيات، بل أضحين منتجات للاختلاف. فحققت رواياتهن أعلى مقروئية ممكنة في سياق ثقافي واجتماعي آخذ في التغير.
أين يمكن الآن أن أصل بفرضية الرواية من داخل السياق الثقافي لا من خارجه؟ إن كل ما تقدم يدفعني لافتراض بداية مختلفة للرواية النسائية السعودية مختلفة عما ألفه الدارسون، واطمأن إليه النقاد. لأن من ضرورات النظر في تاريخية الرواية النسائية السعودية التأكيد على أن الرواية هي نتاج سياقات وتجارب، وليس مجرد ظهور إصدار يحمل اسم كاتبة مواطنة يمكن أن يلغي حتمية العلاقة بين الرواية وسياقها. وعطفًا على وعينا بخصوصية تجربة الرواية النسائية السعودية ومدى صلتها بحركة المجتمع سواء في السياق التعليمي أو الثقافي، فلا يمكن أن تكون الرواية إلا مخاض تجربة مجتمع يبني كاتبتها ويسلحها بقدر من الحريات العامة، مثل حرية التعليم. إن البداية المفترضة للرواية السعودية التي ولدتها تجربة تعليم الفتيات النظامي يمكن رصد ملامحها مع بدء صدور روايات كاتبات الثمانينيات من أمثال أمل شطا في روايتها (غدًا أنسى، 1980م)، رجاء عالم في روايتها (4 صفر، 1987م)، وبهية بوسبيت في روايتها (درة من الأحساء، 1987م)، وصفية عنبر في روايتها (وهج من بين رماد السنين، 1988م)، وصفية بغدادي في روايتها (ضياع والنور يبهر، 1987م). ورغم قلة الإنتاج الروائي وضعفه الفني باستثناء نسبي لرواية 4/ صفر، فإننا نتحدث عن ثمرة التجربة النسائية مع التعليم والتحول النسبي للمجتمع نحو الأخذ بأسباب التمدن. إن هذه الحقبة تمثل رمزيًا، بالنسبة للمرأة، اللحظة التي بدأت تحيك خطابها الروائي وتعلن بدء إسهامها الثقافي والإبداعي. غير أن تنامي الرواية النسائية وحضورها الفاعل تأخر إلى أواخر التسعينيات الميلادية مع الموجة الجديدة من الروايات التي وصلت إلى ذروتها في المقروئية بصدور رواية (بنات الرياض) في عام 2005، حيث حققت أعلى مقروئية ليس بالنسبة للرواية النسائية، بل للرواية السعودية عمومًا.
إن مرحلة الثمانينيات الميلادية هي مرحلة بداية انفتاح المجتمع وتحسن وضعه الاقتصادي وزيادة رقعة التعليم وتنوع قنواته وبداية مخرجاته التي أخذت تلامس حركة المجتمع. ونحن لا نشك في أن هناك عوامل خارجية كثيرة ساهمت في التحول من مجتمع محدود التجربة إلى مجتمع اتسعت تجاربه واحتكاكه بتجارب المجتمعات الأخرى. فتوافد آلاف العمال من جنسيات مختلفة بغرض اقتصادي سواء في مجال الطب أو التعليم أو المهن والحرف المختلفة كان له مردود في خروج المجتمع من رتابة المشهد اليومي إلى آفاق أبعد عمقًا. بالإضافة إلى الخروج الكبير لشرائح اجتماعية إلى خارج الحدود لغرض الدراسة أو التجارة أو السياحة، وهو ما ترتب عليه من تفاعل للتجارب والقناعات واكتشافات معرفية وإنسانية عميق التأثير سلبًا وإيجابًا في تكون المجتمع السعودي.
أين تقف الرواية السعودية النسائية، بل أين تقف الراوية السعودية عمومًا من كل ذلك؟ إن في بعض تجلياتها ما يُعد استثمارًا أمثل للتجاذبات وحدة الحركة وتوترها، وهو ما شهده المجتمع في الثمانينيات من صراع بين قناعات الإبقاء على تقاليد الماضي القريب وبين الرغبة في المواكبة والاندماج مع المستجدات المعاصرة والاستفادة منها. إن هذا الديالكتيك اليومي هو أحد أعمدة النشاط الروائي في حقبة الثمانينيات التي استطاع كاتب حسّاس مثل عبدالعزيز مشري من التقاط مفارقة التوتر بين حقيبتين، بل بين نمطين من التقاليد. ورغم أن واقع الرواية السعودية عمومًا في حقبة الثمانينيات لم يكن قد سجل الحضور اللافت الذي نشهده اليوم، فإنه يمكن اعتباره نقطة انطلاق نحو تسارع الإنتاج وتزايده لإحداث التراكم المطلوب لصناعة رواية تتعدد فيها الاتجاهات والنزعات وتتجدد فيها جدلية الصراع بين الفرد ومجتمعه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.