كثيرًا ما نسمع سواء في المجالس الخاصة أو في وسائل الإعلام المرئية أو المقروءة من امتعاض بعض الفتيات من وجود قيود أسرية أو بسبب أعراف المجتمع ويصرحن برغبتهن في أن يمنحهن الأهل مزيدًا من الحريات. “الرسالة” فتحت ملف الفتيات والحرية مع عدد من المختصين والأكاديميين، فما حدود الحرية المنضبطة؟ وكيف نمنح الفتاة الحرية وفق الشريعة الإسلامية؟ وهل هناك مسارات تؤثر في إعطاء الحرية للفتيات؟ وغيرها من الأسئلة في ثنايا هذا التحقيق: حرية مسؤولة بدايةً مع الدكتور إحسان بن صالح المعتاز الأستاذ المشارك بجامعة أم القرى، الذي يوضح النظرية الإسلامية للحرية فيقول: الشريعة الإسلامية وضعت الحدود التي تضمن أن تكون الحرية مسؤولة في حين وسع التعريف الغربي إطار الحرية بالمقدار الذي يوصلها إلى الفوضى، انعكست النظرية الإسلامية والنظريات المقابلة على مسألة حرية المرأة حتى غدت المرأة في كل الأنظمة الأخرى تتجاوز الحدود في تصرفاتها وسلوكها تحت غطاء الحرية، وهو ما دفع إلى أن ينظر إلى حرية المرأة في الإسلام بالقياس إلى حرية المرأة الغربية؛ مما قاد في النهاية إلى اتهام الإسلام ظلمًا بمصادرة حرية المرأة، وهذا لا يصح أبدًا؛ لأنه قياس فاسد، لقد أعطى الدين الإسلامي للمرأة حريتها في جميع الأصعدة، ولكن الحرية التي أعطاها لها الإسلام تتميز في سموها عن تلك التي أعطتها الأنظمة الأخرى للمرأة؛ فالحرية إذا لم تكن وفق أطر وضوابط لا يمكن أن تسمى حرية، وإنما تدخل في إطار الفوضى، فالمرأة في ظل الأنظمة الغربية أُعطيت الحرية، ولكنها الحرية التي تفتقر إلى الضوابط والأطر الصحيحة؛ لذا تتجسد انعكاسات هذه الفوضى في تفكيك الأسرة التي تعد المرأة عمادها، وكذلك في انعدام القيم في المجتمع الذي تناصف المرأة فيه الرجل. أما الدين الإسلامي فقد أعطى للمرأة حريتها، ولكنها الحرية المسؤولة، التي تولِّد داخل المرأة وازعًا ذاتيًا يحول بينها وبين الخروج عن الخطوط التي رسمها الإسلام، والتي يمثل الخروج عليها خطرًا على المجتمع. الحرية في الغرب وأضاف المعتاز: كثيرًا ما نسمع إنسانًا يقول حينما نريد أن ننبهه إلى خطأ ما قد ارتكبه: (أنا حر). فنقول له: إنه ليس من حق الإنسان أن يقول إنني حر ثم يخطئ في غيره ويضربه؛ لأن الآخرين لن يقبلوا منه ذلك والإسلام لم ينكر الحريات والحقوق، بل صانها وأكد عليها، فالحرية في الإسلام مشروعة بضوابط الأمر والنهي (افعل ولا تفعل). فالإسلام أعطانا جوانب كبيرة من الحرية، وأمرنا أن نمارس الحرية في إطار ضوابطها الشرعية التي حددها الله سبحانه، فإذا خرجت المرأة عن هذه الضوابط بزعم الحرية؛ فقد أضرت بنفسها لأنها قد عصت الله تعالى وخالفت أوامره، وأضرت بمن حولها من الشباب الذين قد يفتنون بما يرونه من مظاهر التبرج، وإذا نظرنا إلى المجتمعات الغربية، نجد أهلها يفهمون معنى الحرية فهمًا غريبًا وعجيبًا؛ فعندهم أنه من حق الإنسان أن يفعل ما يراه صحيحًا من وجهة نظره، ما دام لا يخرج على القانون، ومن المعروف أنهم هم واضعو هذه القوانين؛ لتتوافق مع رغباتهم وأهوائهم، وهي قوانين غير محكومة بضوابط أو محدودة بحدود. بعض هذه القوانين أباحت بعض التصرفات غير الأخلاقية، بل إن القانون هو الذي يحميها ويحرسها، مثل لعب القمار وشرب الخمر والتعامل بالربا وممارسة الزنى والشذوذ، وهناك قوانين لبعض الدول تعطي الحق للفتى والفتاة بعد سن البلوغ حرية الاستقلال عن أسرهم، وبلغ الأمر في بعض المجتمعات أن هناك جمعيات موجودة تقدم الإرشادات لأولئك الذين يرغبون في الانتحار والتخلص من حياتهم وتبين لهم أفضل وسائل الانتحار! وختم المعتاز بالتشديد على عدم الاغترار بمطالبات الحرية فقال: على المسلمين ألا يتأثروا بهذا المفهوم فيضعونه في غير موضعه، فالحرية ليس معناها الانفلات عن أحكام الشريعة. والتيقن بأن الحرية الحقيقية تكمن في طاعة الله. انتشار المفاهيم الغربية ومن جانبها تحدد الدكتورة ليلى عبدالرشيد عطار أستاذ مشارك التربية الإسلامية بكلية التربية بجامعة الملك عبدالعزيز ضوابط الحرية المنضبطة فتقول: من طبيعة النفس البشرية كما خلقها الله تعالى وجود حاجات نفسية لابد من إشباعها مثل الحاجة للأمن النفسي والقبول والتقدير والانتماء والتعبير عن الذات ووجود السلطة الضابطة المرشدة والحرية المنضبطة، إلى غير ذلك من الحاجات، وحتى نشبع هذه الحاجة في جميع مراحل عمر الإنسان، لابد من فهم معنى هذه الحاجة التي تؤدي بالفرد إلى العمل البناء وتحمل المسؤولية وإتقان المهام والالتزام بالحقوق والواجبات واحترام الآخرين وأوقاتهم ومشاعرهم وكل خصوصياتهم، وهذا يؤدي بدوره إلى منفعة الإنسان نفسه وخدمة مجتمعه ونهضته. أما مفهوم الحرية بمعنى التفلت من الدين والقانون والقيم والأخلاق فإنه يربي في الفرد الفوضى والاستهتار والاستخفاف بذلك وبكل ما يتعلق به وبالآخرين، ويغذي فيه الأنانية والتحلل والكراهية وحب الانتقام إلى غير ذلك، أما المفاهيم المتداولة الآن من الحرية المطلقة وغيرها هي مفاهيم مستوردة من الغرب الذي يشجع الانحلال الخلقي بكل أشكاله وألوانه ويدعو لإرواء الشهوات بالطرق المحرمة، والكسب المادي السريع كل ذلك باسم الحرية الفردية والشخصية، وانتشرت هذه العبارات في مجتمعاتنا العربية والإسلامية لتجد قبولًا كبيرًا لعدة أسباب منها: عدم وضوح المعني الصحيح لمفهوم الحرية كما جاء في المنهج القرآني والنبوي، وتطبيق المعني الغربي بما يعنيه من خروج عن كل شيء، وكذلك التربية المتزمتة من الأسرة الجاهلة بالمعني الواعي للحرية المنضبطة، إضافة للتقليد الغربي الأعمى لكل ما يردنا دون تبصرة وتمحيص لما هو موافق لديننا وعاداتنا وتقاليدنا بل لما هو مفيد أو ضار للفرد نفسه. وهناك الشعارات البراقة التي تحمل في طياتها السم والدمار وينخدع الفرد بها، لخدمة المصالح الاقتصادية للغرب. وأخيرًا شعار الحرية الذي هو أحد شعارات العولمة ويدعو إلى التحرر من كل شيء. وتُبين العطار سبل العلاج في التوعية بالمعني الصحيح لحدود الحرية الواعية من المنهج الإسلامي، والآثار المترتبة علي تطبيق مفهوم الحرية الغربي على الفرد والمجتمع. والتربية الأسرية الصحيحة المعتدلة دون إفراط أو تفريط عند منح الحرية لأبنائها وبناتها. والرعاية المدرسية الهادفة لتنمية مفهوم الحرية الصحيح من خلال مناهجها وأنشطتها المختلفة والمتعددة. والمحافظة من المجتمع بكل مؤسساته على المفهوم الصحيح للحرية ضمن الضوابط الشرعية والأخلاقية. وعرض نماذج ناجحة من الواعين للمفهوم الصحيح للحرية وآثاره عليه ، وعرض نماذج تضررت من مفهوم الحرية المتفلت ونتائجها عليه. استقلالية الفتاة ومن جهته يصف الدكتور محمد العبدالكريم عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الفتيات اللاتي يتمتعن بحرية بأنهن يعشن حياة تشبه الأقليات، ويقول: لا زالت أكثر الفتيات اللاتي لديهن الحرية بمعنى خصوصية الفرد في حياته الخاصة وتكييفها على النمط الذي تريد، يشعرن باغتراب يدفعهن إلى حياة تشبه حياة الأقليات، فأكثرهن لا يجدن وسطًا اجتماعيًا يسمح لهن بالتعايش، ويجدن صعوبة في قبولهن كأفراد صالحين ضمن العائلة، بعضهن وجدن في التجربة المعنى الإنساني الكامل، الذي يجعل الإنسان أمام مسؤولياته، فهي تمتنع عما يجب الامتناع منه أو الوقوع فيه، لا بسبب من العادات أو التقاليد، بل بالاستقلال الذي ولد القناعة والرضا وهذا النموذج ليس نادرًا أو يصعب اكتشافه، بل يدل على أن وسطها الاجتماعي لم يشهر في وجهها بطاقة حمراء ليجعلها في حالة متوترة تدفعها أحيانًا إلى سلوك انتقامي أو ردود أفعال مخلة بالشرف. بعضهن لا يردن معنى للحرية إلا الفرار من مسؤوليات القبيلة والعائلة والمجتمع، ويتولد لديهن شعور بالتحدي والمغايرة، وازدراء كل المظاهر التقليدية، وخروج عن النسق الاجتماعي العام بأي ثمن وهي حالة تمرد اتخذت من الحرية معبرًا للتنفيس عن حالة القهر الاجتماعي. هذه الفئة من الفتيات ليس لديهن فكرة جاهزة عن الحرية، سوى الهروب من الوضعية الاجتماعية القسرية التي تهان فيها كرامتها لمجرد أنها أنثى! ويضيف العبدالكريم: مسارات الحرية تتأثر بعدة عوامل هي: الوسط الاجتماعي الذي تولد فيه الفتاة، فربما يكون وسطًا متعقلًا يحترم الخصوصيات ويجعل للفتاة الحرية في تكييف حياتها الخاصة من دون تدخلات مباشرة، والمهم في هذا الوسط هو شعور الفتاة باحترامها، الذي يتولد عنه في الغالب التقدير المتبادل، والتحرج من الوقوع في الخطأ. وأجد أن هذه الأوساط الواعية تتوافق إلى حد كبير مع الشريعة التي تجعل كل مكلف قد ارتهن بما كسب “كل نفس بما كسبت رهينة” وترفض أن يكون الإنسان تابعًا للإنسان، فالسلطة مع الحرية وليست فوق الحرية، “لست عليهم بمسيطر” “وما أنت عليهم بجبار” “إنما أنت منذر”. فهناك مسؤوليات على كل مكلَّف يجب أن يحترمها، وطاعته في تلك المسؤوليات لا تكون بالقسر والإكراه. وكذلك الأنماط التي يصنعها الخطاب الثقافي، فالخطاب الليبرالي السعودي في الجملة حشر مفهوم الحرية في الفردي والشخصي المنتهي بالجسد، والخطاب السلفي حدد موقفه من الحرية بناءً على موقفه من المعنى الليبرالي، ولم يقدم رؤية واضحة في الحرية، بل اتجه أحيانًا إلى أنها لا تعني سوى الحرية بمعنى عدم الرق بالاصطلاح الفقهي للرق. إن الحرية بالمعنى المتعقل الذي تشعر فيه الفتاة باحترام ذاتها واستقلالها لتقف أمام مسؤولياتها الشرعية والأخلاقية من دون وسائط أو علائق أو مراعاة لسلطة العادات لا زال غائبًا وعلى مسافات بعيدة، الحرية في بعدها الشرعي ليست سوى الاستقلال التام عن كل سلطة وعن كل قيد بشري، وإلا فلا معنى للعبودية التي أرادها الله تبارك وتعالى من عباده، فلا تستقيم العبودية التامة إلا بالتخلص من مفاهيم القيود والتعظيم والتقديس التي تمنح للبشر لأنهم ولاة أو علماء دين أو وجهاء ورؤساء قبائل. فوضى أخلاقية ومن جانب آخر تُشدد الأستاذة ألماس الهجن مديرة جمعية الشقائق النسائية بجدة على أن الحرية كلمة براقة وتحتل مساحة كبيرة من اهتمام الفتيات فتقول: هذه الكلمة توحي للبنات أن حياتها تكون أسعد حينما تكون حرة، و“الحرية” كلمة مطاطة وقد تستخدم بطريقة غير تربوية دون وجود ضوابط منطقية، فمثلًا حينما أعتقد أنني حرة بدون أن التزم بأي قوانين، وما وجدت الإشارة الحمراء إلا لتنظيم السير، فبعضهن تقول “أنا حرة” وتؤذي الآخرين أو تتعدى على ممتلكاتهم، فالحرية أصبحت تقترب من الفوضى الأخلاقية أو الحياتية، فالحرية الحقيقية أن تكون متزنة وضمن ضوابط. وتُضيف الهجن قائلة: الحرية المنضبطة تحمي الشخص كما تحمي الآخرين، وهنا تأتي عملية اختلاف المفاهيم من مجتمع لآخر والتزام الفتاة بقوانين المجتمع، فبعض الأفراد يرى أن هناك كبتا وهذا يمنع من ممارسة بعض التصرفات ويُنادي بأن نعطي الفتاة حرية لكن الضوابط نسبية فما هو حلال في مجتمعي ربما يكون محرمًا بمجتمع آخر، بل حتى في المجتمعات المتحضرة الإنسان ليس حرا بل هو مسؤول على ما يفعله، لكن الحرية لدينا فيها نوع من الفوضوية ويعتبر الفرد أنه حر دون اعتبار للآخر.