مبهجة هذه المظاهر الوطنية التي قابل بها الشعب السعودي ذكرى اليوم الوطني، في مدنه وقراه، وفي مؤسساته ومدارسه وحقوله ومصانعه. * مفرحة هذه الروح الوطنية، التي عبر عنها الشارع السعودي بكافة أطيافه وشرائحه، في مناسبة سارة، لا تعادلها مناسبة، لأنها تقاس بحضارات الشعوب، ومستوى وعيها وإدراكها، وارتباطها بأرضها وتاريخها ومكانتها على سطح هذا الكوكب. * جميلة هذه المشاهد الاحتفائية بيوم الوطن المجيد، بل سارة.. سارة، إلى درجة البكاء من السرور نفسه، مثلما صور الشاعر العربي في قوله: هجم السرور علي حتى أنه من فرط ما قد سرني أبكاني * نعم.. إنها مشاهد ومظاهر سارة، تعكس فرح الناس، وتعبر عن مشاعرهم، وتحمل مضامين وطنية واجتماعية إيجابية، فليس من العدل في مقابل هذا الزخم العاطفي الفياض، أن نصفها في مجملها بالفوضى، وأن نصور بعض الطرق التي اتبعها الشباب في التعبير عن فرحهم بتلك البشاعة، التي قال بها قائلون، وتكلم بها متكلمون، وكتب بها بعض ممن يكتبون، وأن نستعدي على شبابنا وأهلنا، وكأننا نقول: انظروا الذي حدث، هذه هي نتيجة التوجه العام للاحتفال باليوم الوطني..! مثل هذا القول في حد ذاته، باطل ومردود على أصحابه، ولا يصدر إلا عن هوى، والاحتفال باليوم الوطني، ونحن نعرف بم كانوا يسمون الوطن والوطنية..؟! وكيف كانوا يبدعون الاحتفال بهذه المناسبة المجيدة..؟! * مثل مناسبة الاحتفال باليوم الوطني، تأتي مناسبات فرحية أخرى، لا تقل عنها أهمية، فالناس في بلادنا بحمد الله فطروا على الفرح، وإشهاره في أعيادهم ومناسباتهم الاجتماعية والوطنية، وحتى الخاصة، ففي العيدين.. عيد الفطر وعيد النحر، يتبادلون التهاني، ويلتقون ويفرحون ويغنون، ويمارسون ألعابهم ورقصاتهم الشعبية، وإذا فاز فريق وطني في مباراة، أسعدنا جميعاً، لأنه يمثلنا كافة، في المحافل العربية والإقليمية والعالمية، ومناسبة اليوم الوطني، هي مثل غيرها، يفرح الناس فيها ويسرون، فيتبادلون التهاني والتبريكات، ويغنون لوطنهم وأمجادهم، ويستمدون من موروثاتهم الشعبية، أجمل الصور وأبهاها. كيف لا، والسعادة هي ذلك الحلم الجميل، الذي لا يغيب عن مخيلة الإنسان أبد الدهر: وما السعادة في الدنيا سوى حلم ناءٍ.. تضحيِّ له أيامها الأمم * ومع ذلك أقول: لا ينبغي أن نحول مناسبة وطنية أو عيدية أو كروية رائعة وجميلة، إلى مسيرات للسيارات، وصخب بالأشرطة والمسجلات، والتسبب بالأضرار والمضايقات، وأن نجعل من الشوارع والميادين والأسواق، التي يرتادها الكبار والصغار، والمرأة والرجل، أمكنة للتجمعات، وأن تستغل مثل هذه، من قبل أهل السوء والنوايا الشريرة والانتهازيين، إما للسرقة، أو للتحرش والأذى، أو التشويش المتعمد، وإظهار الفرح بمظاهر الترح، وتصوير الأمر، وكأنه نازلة من النوازل، وباقعة من البواقع. * من حقنا كمواطنين ومواطنات، أن نفرح ونبتهج، ونعبر عن مشاعرنا، ولكن في حدود الأخلاق والآداب العامة، وفي إطار المنطق والعقل، الذي يحفظ لنا توازننا وشكلنا الحضاري أمام الكل. * إن مثل هذا الأمر، لن يتحقق بسهولة، إذا لم نكثف التوعية، ونفتح وسائل وقنوات كثيرة، لاستقطاب طاقات الفرح هذه، ومنها وسائل الإعلام، ومجالس الأحياء، ومنابر الجوامع، وفوق ذلك، البحث في إيجاد الوسائل التي تتيح الفرصة للشباب خاصة، أن يلتقوا ويجتمعوا، في مدنهم وقراهم كافة، في أمكنة وأزمنة مخصصة لمثل هذه المناسبات، مثل الساحات العامة، والملاعب الرياضة وغيرها، وفق برامج ثقافية وترفيهية وشعبية مخطط لها مسبقاً، وأن يكون للنساء فرصة مساوية في أمكنة خاصة بهن، تكون كلها بديلاً عن الشوارع والميادين والأسواق العامة، ويكون معلوماً عند الكل بعد إشهار هذه التنظيمات والإعداد لها، ألا يسمح بغير ما حدد من أمكنة في أزمنة محددة هي الأخرى. * أتساءل بهذه المناسبة، ونحن مقبلون على مناسبات فرحية قادمة - زادنا الله منها وأكثرها - عن دور جمعيات الثقافة والفنون، والأندية الرياضية، والجامعات، والبلديات، في تهيئة البرامج المختلفة، وتوظيف ما لديها من مسارح وصالات وقاعات وساحات لمثل هذه التظاهرات الفرحية، التي رأينا كيف تدفقت وانساحت في شوارع الرياضوجدة، وفي غيرها من المدن، حتى وفرت الفرصة المناسبة، لمن يقدح في المناسبة، وفي اليوم الوطني نفسه..!! * ختاماً.. كل يوم وطني، وأنت يا وطني بخير ونصر وسلام، ولعل من أظهر شماتة من نوع ما، بتصرفات بعض شبابنا - أصلحهم الله - في مناسبة وطنية سعيدة كهذه، أن يعود بأذنه، إلى صوت الأرض، وقيثارة الشرق، المرحوم (طلال مداح)، في أجمل أغنية وطنية لحنها وغناها رحمه الله، من كلمات الشاعر (عبدالرزاق بليلة)، فكانت بحق، أعذب لحن وطني، لامس الأذن السعودية حتى اليوم.. إنها وإنه: (وطني الحبيب): روحي.. وما ملكت يداي فداه وطني الحبيب.. وهل أحب سواه..؟! وطني الذي.. قد عشت تحت سمائه وهو الذي قد عشت فوق رباه منذ الطفولة.. قد عشقت ربوعه إني أحب سهوله.. ورباه وطني الحبيب.. وأنت موئل عزة ومنار إشعاع.. أضاء سناه في كل لمحة بارق.. أدعو له في ظل حامٍ.. عطرت ذكراه في موطن.. بزغت نجوم نبيه والمخلصون.. استشهدوا في حماه في ظل أرضك.. قد ترعرع أحمد ومشى منيباً.. داعياً مولاه يدعو إلى الدين الحنيف.. بهديه زال الظلام.. وعززت دعواه في مكة.. حرم الهدى.. وبطيبة بيت الرسول.. ونوره.. وحماه