أكدت دراسة استطلاعية تحليلية لحملات الهجوم على القرآن الكريم، وعلى حلقات ومدارس تحفيظ القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية أن رد الاتهامات المعادية للقرآن لا يمكن أن يكون بحال من الأحوال مسؤولية فئة بعينها، كإدارات جمعيات ومدارس التحفيظ، بل هو مسؤولية جماعية، تصل إلى حد أن تكون واجباً شرعياً، للذب عن كتاب الله العزيز، فالعلماء مطالبون ببيان رفض الإسلام الإرهاب والغلو والتنطع، وعرض وتفسير آيات القرآن الكريم التي تؤكد ذلك، مع الاهتمام بمواجهة وتصحيح التفسيرات غير الواضحة أو المخالفة للمنهج السلفي الراشد لبعض الآيات التي يستند إليها الغلاة والمتشددون. وحذرت الدراسة من الانسياق أو التأثر بالدعاوى المعادية لجمعيات ومدارس التحفيظ التي تحركها أحقاد خبيثة ضد الإسلام والمسلمين، مؤكداً على أهمية الوعي بأن الدفاع عن جمعيات ومدارس التحفيظ، هو دفاع عن القرآن الكريم وهذا البلد المبارك، وإعلان رفض أية دعاوى للتشكيك في خيرية مناشط تحفيظ القرآن الكريم، وبيان أثر القرآن الكريم في تحقيق الوسطية ونبذ الغلو، وتفعيل جهود الدعم الحكومي والأهلي لجمعيات ومدارس التحفيظ، وتكريم الجمعيات المتميزة. ودعت الدراسة إلى الاهتمام بتدريس علوم التفسير، والفقه، والسنة النبوية المطهرة إلى جانب مناشط التحفيظ لإغلاق الباب أمام التفسيرات والتأويلات المغلوطة مع التركيز على موقف الإسلام الرافض للإرهاب التطرف، والاستدلال على ذلك بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، مشددة على ضرورة تأهيل جميع الجمعيات والمدارس للاستفادة من تقنيات المعلومات والاتصالات في مجال تحفيظ القرآن الكريم، والرد على ما يثار ضدها من شبهات وأباطيل، وتحقيق أكبر قدر ممكن من الترابط مع المجتمع المحيط بالجمعية، أو المدرسة للتعريف بالجهود المبذولة داخل الجمعيات، وكذلك تفعيل الدور الاجتماعي والتربوي داخل المجتمع المحيط. وكشفت الدراسة - التي أعدها الأستاذ سلمان بن محمد العُمري - تحت عنوان: (البيان في الدفاع عن القرآن) وجاءت في (170) صفحة، أن الحملات المعادية والمهاجمة لحلق ومدارس تحفيظ القرآن الكريم لا تستهدف جمعيات ومدارس التحفيظ، بل تستهدف القرآن الكريم المصدر الأول للشريعة الغراء لصرف المسلمين عنه وفك عرى الاعتصام به. ولاحظت الدراسة - التي شملت أكثر من (300) شخصية أكاديمية ومهنية من جميع مناطق المملكة - أن المتأمل في أحداث التاريخ ووقائعه يدرك أن الحملات العدائية التي تتهم جمعيات ومدارس التحفيظ في بلادنا بتفريخ الإرهاب، وترسيخ الغلو والتطرف ما هي إلا تنويع عصري لتلك الحملات القديمة التي شنها اليهود والنصارى وأذنابهم من العلمانيين والملاحدة، في محاولة خبيثة للاستفادة من موجة الحرب الدولية ضد الإرهاب وأخطاء بعض المحسوبين على الإسلام مع قلتهم ممن ضلوا، وأضلوا، واقترفوا أعمالاً إرهابية، تخالف مقاصد شريعتنا السمحة، ووسطيتها التي جعلتها رحمة للعالمين، وما أشبه اليوم بالبارحة. وبينت الدراسة أن القرآن الكريم يبقى محفوظاً في صدور الموصوفين بالخيرية الذين يحفظون القرآن الكريم ويُحفظونه وبأن يكونوا من أهل الله وخاصته، وتبقى مسئوليتنا نحن المسلمين بذل كل جهد ممكن للدفاع عن القرآن الكريم، ودعم مناشط تحفيظه بالجهد والمال كل في حدود استطاعته لتعم بلادنا الخيرية وننعم ببركة القرآن، الذي لا رفعة، ولا رقي لنا إلا بالاعتصام به، والتمسك بتعاليمه للنجاة من الفتن، والفوز في الدنيا والآخرة. وتكون الكتاب (الدراسة) من عدة مباحث، تناول معد الدراسة في المبحث الأول، فضل القرآن الكريم وأثره في حياة المسلم، وفي المبحث الثاني: دلائل العناية بالقرآن الكريم في بلاد الحرمين الشريفين، وفي المبحث الثالث: حلقات ومدارس تحفيظ القرآن الكريم (أهميتها ودورها في المجتمع)، وفي المبحث الرابع: حملات الهجوم على القرآن بين الماضي والحاضر، والمبحث الخامس: حملات الهجوم على جمعيات ومدارس التحفيظ، أسبابها وأهدافها وتأثيرها، آليات الرد عليها، دراسة ميدانية استطلاعية. وتساءل معد الدراسة في المبحث الخامس عن مدى صحة اتهام حلقات ومدارس التحفيظ لترسيخ الإرهاب؟ وأجاب على ذلك من خلال استعراض أسباب الحملة ضد حلق ومدارس التحفيظ وأهدافها، والعوامل الداعمة لهذه الحملات، وتأثير الحملات وكيفية مواجهتها، مضمناً ذلك إحصاءات ورسوماً بيانية من خلال إجابات عينة الدراسة. وفي هذا الشأن، رأى (60%) من عينة الدراسة أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من حروب على الإرهاب وما ارتكبه بعض المحسوبين على الإسلام من أعمال إرهابية داخل المملكة وخارجها هو العامل الرئيس وراء ظهور هذه الحملات ضد الحلق وجمعيات تحفيظ القرآن، بينما قال (30%): إن الجهل بحقيقة الشريعة الإسلامية وتعاليم القرآن الكريم هو الأرض الخصبة لمثل هذه الحملات الخبيثة، فيما أرجع (8%) من أفراد العينة هذه الحملات إلى ضعف الجانب الإعلامي في التعريف بإنجازات جمعيات ومدارس التحفيظ وآليات العمل بها، بينما قال (2%) من عينة الدراسة إن هناك أسباباً أخرى لهذه الحملات مثل عدم وضوح آليات العمل في بعض الجمعيات والأخطاء التي تقع من بعض الدارسين فيها. وعن تأثير هذه الحملات، اتفق جميع من شملتهم الدراسة على تفاوت تأثير هذه الحملات، من فرد إلى آخر ومن بيئة إلى أخرى، باختلاف المستوى الثقافي والفكري والوعي الديني، حيث قرر أكثر من (70%) من المشاركين أن هذه الحملات ذات تأثير سلبي محدود بين المتعلمين، بينما قد يزداد هذا التأثير في المستويات الدنيا من حيث التعليم، بينما أشار (22%) إلى نسبة التأثير، وأكد (7%) أنها عديمة التأثير بينما قال (1%) من العينة بتأثيرها السلبي على جهود العناية بالقرآن الكريم داخل المملكة، بينما يزداد تأثير هذه الحملات في الدول الغربية والمجتمعات غير المسلمة. ولمواجهة هذه الحملات: كشفت الدراسة عن وجود تفاوت كبير بين آراء عينة الدراسة فيما يتعلق بالرد على الاتهامات الموجهة لجمعيات ومدارس تحفيظ القرآن الكريم، والآليات المقترحة لتفنيد وكشف أهداف هذه الحملات، إذ طالب أكثر من (50%) من أفراد العينة بعدم الانشغال بهذه الحملات، أو الالتفات إليها، في إشارة إلى أن الانشغال بها يمنحها قدراً من النجاح والتأثير والرواج، مؤكدين أن مصير هذه الحملات هو الفشل، شأنها في ذلك شأن جميع الافتراءات السابقة ضد القرن الكريم وأهله، بينما أشار (28%) من أفراد العينة إلى أهمية التصدي لهذه الحملات وتفنيد الاتهامات الموجهة لجمعيات ومدارس التحفيظ بكافة الوسائل الممكنة، دون تحديد ماهية هذه الوسائل، ليس دفاعاً عن هذه الجمعيات فقط، بل دفاعا عن القرآن الكريم دستور الإسلام، والمصدر الأول للشريعة الإسلامية، في حين قال (12%) من عينة الدراسة بوجوب التصدي لهذه الحملات، وطرحوا عدداً من الآليات اللازمة للنجاح في تفنيد أباطيلها، وتحجيم تأثيرها السلبي. كما تناول الأستاذ العمري في المبحث السادس عرضا لإنجازات جمعيات ومدارس تحفيظ القرآن الكريم التي ترد بشكل قاطع على أولئك المشككين في رسالة هذه المدارس وحلق التحفيظ ودورها في حفظ الناشئة والشباب من البنين والبنات في الإقبال على كتاب الله الكريم تلاوة وحفظاً وتجويداً والتزاماً بنهجه والتأدب بآدابه وأحكامه واتخاذه منهجاً في السلوك والعمل في السراء والضراء. وانتهت الدراسة إلى عدد من التوصيات، ففيما يخص جمعيات التحفيظ ومدارس تحفيظ القرآن الكريم، دعت الدراسة إلى صياغة رؤية منهجية ثابتة وواضحة لآليات العمل بجمعيات ومدارس تحفيظ القرآن الكريم والتعريف بها على أوسع نطاق، مؤكدة على ضرورة انتقاء أفضل العناصر المؤهلة للتدريس بمدارس وجمعيات التحفيظ، والتأكد من توافر الشروط والصفات اللازمة في معلم القرآن الكريم من حيث صحة المعتقد، وإخلاص النية، وسلامة المنهج، والاتزان النفسي. وطالبت الدراسة بوضع استراتيجية دائمة لتدريب المعلمين والمشرفين والإداريين العاملين بحلقات ومدارس التحفيظ على أفضل طرق تدريس القرآن الكريم، والتعريف بالتحديات التي تتعرض لها الأمة، وتفعيل الجانب الدعوي والتوعوي ضمن برامج جمعيات ومدارس التحفيظ. وشددت الدراسة على أهمية التواصل والتعاون بين الجمعيات والمدارس للاستفادة من التجارب الناجحة، وإيجاد آلية عامة للعناية بالقرآن الكريم، واجتذاب أكبر عدد من الدارسين، والتدقيق وإعادة النظر في مواعيد الدراسة بحلقات التحفيظ بما لا يتعارض مع مواعيد الاختيارات المدرسية، وتكريم الطلاب المتفوقين في الحفظ والتحصيل العلمي. وأوصت الدراسة بضرورة عقد ملتقيات دورية لرؤساء الجمعيات يدعى إليها جميع الهيئات والجهات المعنية بتدريس القرآن الكريم وعلومه، وبمشاركة الأكاديميين، والمهتمين بهذا المجال، مع وضع خطة إعلامية مركزة لظهور القائمين على جمعيات ومدارس التحفيظ بصورة أكبر فاعلية في وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية، على أن يتولى تزويد أكبر فاعلية في وسائل الإعلام بما يحتاجه من معلومات، والرد على كل ما يثار من افتراءات، ويعد رجال مؤهلون لذلك. وطالب معد الدراسة بإيلاء مزيد من الاهتمام لبيان عدم تعارض الانتظام في حلقات ومدارس التحفيظ مع جودة التحصيل العلمي للطلاب، والتعريف بفضل حفظ القرآن الكريم، ودعم مناشط التحفيظ بالجهد والمال، وتفعيل الجهود الإعلامية الموجهة للآباء والأمهات وعموم المجتمع للتعريف بخيرية جمعيات ومدارس التحفيظ، وتفنيد الاتهامات الموجهة إليها، والعمل على زيادة أعداد الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم، وتوسيع نشاطها من أجل تحصين ناشئة الأمة، وحفظ شرائح المجتمع وشغله بالقرآن الكريم تعلماً وتعليما وتربية وتوجيهاً، مشدداً على وجوب وضع آليات مرنة وسريعة للاستفادة من الأوقاف الخاصة بتحفيظ القرآن الكريم أو ريعها، وكذلك الأوقاف الموقوفة على مناشط المساجد بحيث يستفاد منها في دعم جمعيات تحفيظ القرآن الكريم، والعمل على استحداث آليات ووسائل لتعاون جميع مؤسسات القطاع الحكومي، ودعمها لجمعيات تحفيظ القرآن الكريم بالمملكة، وبخاصة وزارة التربية والتعليم، حيث التكامل في العملية التعليمية والتربوية للطلاب. وفي ذات الشأن، أهابت الدراسة بضرورة التعامل مع الطالب باعتباره محور العملية التعليمية وفقا للنظم الحديثة، وضرورة العمل على تحويله من متلق إلى متفاعل، مع التأكيد على أهمية العناية بالجوانب التربوية للطلاب، والتشجيع على جوانب الإبداع، والعمل على إيجاد حلقات وبرامج متميزة ونموذجية، وتحسين مستوى معلمي التحفيظ من الناحية الشرعية والثقافية والتربوية، وتوعيتهم بالمستجدات الحضارية، وتهيئة الفرص المناسبة لهم للتدريب والتطوير، والتشجيع على جوانب الإبداع. وأكد على أهمية العمل على شمولية خدمات جمعيات تحفيظ القرآن الكريم، لتشمل جميع شرائح المجتمع وفئاته، ووضع البرامج المتنوعة؛ لإتاحة فرصة تعلم القرآن الكريم، وحفظه، ليشمل جميع فئات المجتمع، بالإضافة إلى العمل على تفعيل برامج ومشفوعات الأوقاف الدائمة للجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم، والاستفادة من الأعداد الكبيرة من خريجي هذه الجمعيات في مجالات السعودة لتوفير فرص عمل للشباب السعوديين. وأوضح معد الدراسة أن التربويين ورجال التعليم مطالبون ببيان عدم صحة ما يشاع عن تعارض حفظ القرآن الكريم مع التحصيل والتفوق العلمي، كذلك بيان الأثر الإيجابي الكبير لحفظ القرآن الكريم في تهذيب النفس وتقويم السلوك، واستغلال أوقات الفراغ في أشرف الأعمال، بالإضافة إلى الفوائد الأخرى مثل تقوية ملكات الحفظ والتذكر والاسترجاع وغيرها، وكذلك التعاون مع جمعيات ومدارس التحفيظ في وضع أفضل طرق وأساليب التحفيظ بما يتناسب مع قدرات الطلاب، ووسائل الإعلام مطالبة بإلقاء الضوء على جهود الجمعيات والحث على دعمها، ودفع الأبناء إليها، وإفساح مساحات فيها لهذا الغرض، مؤكداً أن الأسرة أيضا تتحمل مسئوليتها في ترسيخ مكانة القرآن الكريم في نفوس الأبناء في الصغر، وحثهم على حفظه وتدارسه، والاجتهاد في ذلك، وخلاصة القول: إنها مسؤولية المجتمع المسلم بأسره، حتى نستحق الخيرية التي وصف بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حديثه :(خيركم من تعلم القرآن وعلمه). الجدير بالذكر أن عدد جمعيات تحفيظ القرآن الكريم في المملكة يبلغ (13) جمعية رئيسة في جميع مناطق المملكة، بينما يبلغ عدد حلقات التحفيظ، والدور النسائية التابعة لها وفق إحصائيات عام 1424-1425ه (24.450) حلقة وداراً نسائية، بينما يبلغ عدد الدارسين في هذه الحلق والدروس (503.413) دارساً ودارسة، وقد أتم حفظ كتاب الله العزيز من هؤلاء الدارسين خلال عام 1424-1425ه (6.381) طالباً وطالبة، فيما بلغ عدد الطلبة والطالبات الذين يحفظون خمسة أجزاء فأكثر من القرآن الكريم خلال الفترة نفسها (105.103) من الدارسين في هذه الحلقات، ويبلغ إجمالي عدد المدرسين العاملين في الحلقات والمدارس التابعة لجمعيات التحفيظ في جميع مناطق المملكة ما يقرب من (20.919) معلماً ومعلمة و(1647) موجهاً وموجهة و(4126) موظفاً وموظفة.