يحكى وهذه واقعة صحيحة أنه كان لأحد أشراف مكة الحكام، فيما سبق من الأيام، فيل ضخم كبير، ربما جاءه على سبيل الإهداء من شرقي آسيا، ولعله الفيل الوحيد الذي يدخل مكة شرفها الله بعد أن أهلك الله أبرهة الحبشي وفيله في وادي المغمس خارج مكة عام571م، العام الذي ولد فيه النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم. .. ولهذا الفيل مع الناس في مكة أعني الفيل الذي أصبح بين العرب في مكة قصة طريفة لا تخلو من حكمة، فقد أصدر الشريف صاحب هذا الفيل الغريب العجيب، فرماناً يقضي بعدم التعرض لفيله المصون في الأسواق، مهما صنع أو بدر منه ..! .. ولعل الفيل ، صاحب الخرطوم الطويل، قد «شم» خبراً بهذا الفرمان، فراح يسرح ويمرح في الأسواق، كيف شاء ومتى شاء، دون حسيب أو رقيب، فتارة يدخل سوق المعلفة، فيلتهم ما طاب له من قش أو علف أو برسيم، دون خوف من أحد..! وتارة أخرى، يعرج فيها على سوق «العَيَّاشين»، فيلتهم خبزهم من فوق الأرفف، وهم قعود يتفرجون، دون أن يحركوا ساكناً..! .. ومع مرور الأيام، استفحل أمر هذا الفيل الظالم، الذي استمرأ هذه الحالة، فراح يصول ويجول في الأزقة والخانات، بين سوق وسوق، وبين بسطة عيش، وكومة علف، ولا يتورع عن البروك على باب دار، أو الاستغراق في النوم، على مدخل حانوت أو زقاق، أو يعملها، فيروث أو يبول في الطرقات، دون حياء أو خجل ..! وعلاوة على ذلك، فقد أدخل الرعب في قلوب الأطفال والنساء، الذين لم يروا في حياتهم حيواناً أكبر من الجمل..! فحلّ الفيل بينهم وكأنه جبل،،! حتى ضج الناس منه، وتضجروا من حالهم معه، ولكن مصيبتهم الكبرى، أنه لا يجرؤ أحد منهم على المجاهرة بما يضمر، فالفرمان واضح وصريح، والعواقب وخيمة لا شك في ذلك. .. وفي يوم من الأيام، أسر بعضهم، إلى عمدة الحارة بهذا الضجر، وهذا العناء الواقع على الناس، من الفيل الذي لا يرحم، وطلب منه التدخل لحل هذا المشكل الذي حل بالناس، فضيَّع مصالحهم، وخرَّب معايشهم، وأذهب أرزاقهم، وأودى بما كانوا يكسبون من وراء بيوعهم للعيوش والأعلاف، وغيرها. .. استجاب العمدة لهذا المنحى، واجتمع بعدد من الأعيان وأصحاب الصنعة في السوق، من أولئك المتضررين، الذين وجدوا في تدخل العمدة فرصة كبيرة لإنقاذهم مما هم فيه، ولهذا .. فرحوا بتفهم العمدة لمشكلتهم مع الفيل، فهو عرض عليهم أن يسير معهم إلى صاحب الفيل في قصره، فيعرضون عليه جميعا همَّهم بالتفصيل، ويطلبون منه ربط الفيل في زريبة خاصة به، بعيدا عن أسواقهم ودورهم وأطفالهم وأهلهم .. عندها صاح الجميع مؤمنين على هذه الفكرة العظيمة، شاكرين لهذا العمدة شجاعته وبطولته وفكره النيّر، وأنهم سوف يذهبون معه إلى صاحب الفيل من الغد، يداً بيد، ليفصح كل واحد منهم عما يعتلج في صدره، وليقول بكل صراحة، مشكلته مع الفيل، ويكشف عن الأذى الذي لحقه ويلحقه بسببه..! .. جاء الغد، وطاف العمدة على الشاكين المتضررين واحداً واحداً، حتى جمع حوله جيشاً عرمرماً من كبار القوم، يمثل كل واحد منهم فئة من الناس في حارته، من التجار والصناع والسكان وغيرهم .. ثم زحف بهم نحو قصر صاحب الفيل، وهو يحاول تحفيظهم ما ينبغي أن يقولوه أمام جنابه، بعد السلام وبدء الكلام، حتى تكون لهم حجة، يدفعون بها ما يحيق بهم من ظلم، فيخرجون من هذا الموقف العصيب بالنجحة. .. ولما ولجوا جميعا بوابة القصر، انشغل العمدة بتفقد هيئته وهو يخطو أمامهم، فراح يصلح من «عُمَّتِه» فوق رأسه، ويشد «بُقشَته» على وسطه، وينظر في «شُوْنِه» التي في يده، ويرمق من أعلى، مداسه الجلدية الجديدة في قدمه .. ولكنه ما لبث أن التفت وراءه بعد ذلك، فاكتشف أن الصف الذي كان منظوما خلفه، أخذ يتناقص، وأن بعض القوم الذي كان معه، قد اختفى في ساحة القصر الكبير..! .. وعندما وقف العمدة الهمام على باب المكتب، الذي يجلس فيه صاحب الفيل، التفت مرة أخرى خلفه، فلم يجد منهم أحداً ..! ليس سوى سراب في سراب..! الجميع تملَّص فملص ..! وبقي العمدة وحده وجهاً لوجه أمام صاحب الفيل المؤذي، فماذا يقول له وهو واحد ..؟! وهو ليس صاحب علف ولا برسيم ولا عيش ولا ما يحزنون..؟! والفيل موضوع الشكوى المقترحة، لم يؤذه قط، ولم يضره في شيء. وإنما هو جاء «فازعاً» مع أهل وأبناء حارته، جيرته وأبناء عمومته، بناء على طلب وإلحاح منهم، لكن يبدو أنهم أرادوا توريطه وتخذيله.. وإلا .. لماذا هربوا وتملصوا من هذا الموقف.؟! .. ما كان من العمدة الطيب، إلا أن دخل على صاحب الفيل في مجلسه الكبير، فسلم عليه بحرارة، وحياه على بعد نظره في تسريح الفيل، وحمايته بفرمان شهير، وأبلغه شكر أعيان الحارة، من العياشين والعلافين والخبازين وغيرهم، على أن خصهم بهذا الفيل اللطيف الجميل، دون غيرهم من أهل الحارات المجاورة، فهو يمشي في غنج ودلال بينهم فيؤنس وحدتهم، ويكسر غيرتهم، ويبهج أطفالهم، ويعجب نساءهم..! وأنه لكي تكتمل فرحتهم، وتتم سعادتهم، فإنهم يستعطفون جنابه الكريم، أن يأتي لهم بفيلة جميلة، يزوجها للفيل، حتى يأنس بها، فيلدا أفيالاً لطافاً، وفيلات لطيفات، يملؤون الأزقة والحانات، أفراحاً ومسرات..! .. وهكذا يا سادة .. .. إن بين ظهراني العرب اليوم، ألف عمدة مسكون بالشهامة والحمية والرجولة والصدق والإخلاص، ولكن فيهم بالمقابل، ملايين وملايين، من أمثال الجيش العرمرم، الذي اصطف خلف العمدة، ثم تفرق بعد أن انتثر عقده، على أولى بوابات البحث عن حلول لمشاكلهم هم، وليس مشاكل العمدة.