تعالوا معي لحظات مع رجواي ونجواي، لقارئي أن ينخرط في مقالتي من دون ضمنيات عقائدية راسخة رسوخ اللاهوتيات، ومن دون توجس أو تحسس، خوفاً على بدهياته أن أختطفها أو أن يتوهم أنني قد ألقي عليه شبهة قد تلتصق في لا وعيه العميق، كما يسوق المبشرون العقائديون تحت وهم التحصين الذهني للعقائد، مع يقيني أو ظني بسطوة حُجّاب رأس المال الديني الذين احتكروا تسيير شؤون المقدس كما تسيير العقل بالتوافق والتواطء مع السياسي، ترسيخاً لمفاهيم عقائدية غير مستمدة من صميم الدين المقدس، وإنما تم استمدادها من غلاة المذاهب عبر القرون المتطاولة، خدمةً لمعبد السياسي، أتفهم أن ثمة مؤمنين تقليديين من شيعة أو سنة سيفهمون مقالتي هذه كما السابقة بحسب مسلماتهم العتيقة، كما سأتفهم هجائي وتحميلي خلاف ما كنت أنويه من خيرية وصدقية ومشيئة حيادية وموضوعية، مع يقيني أن الموضوعية شيء من عالم المثال الأفلاطوني، لكن حسبي محاولة الموضوعية ومغازلة الحياد، إنني حينما كتبت مقالتي السابقة: «شيء عن المفارقة السنية الشيعية» أو حتى مقالتي هذه لست عفوياً لمرحلة أن أنسى أو أهمل حساسية قرع مواضيع كتلك، لكن أجدني أدرج لمثل هذا الطرح، مع أنه من المواضيع «الوَحَشْ»، ولسببين أعود لتناول موضوع مقالتي السابقة، وأستعيد استكمالها، الأول: في أن أبين أنني لست عقائدياً حينما طرحت موضوع المفارقة السنية الشيعية، ولست أقرأ إشكاليات المذهبين من منظور شرعي لاهوتي كما حال المراجع الدينية التقليدية التي تكرس المكرس والكراهيات، وإنما أتناول المفارقة من ناحية نقدية عقلانية من العقل للعقل من دون استدعاء النصوص والنقول المذهبية المحاكاتية، وأخص بخطابي من يعدون العلية المثقفين والمؤمنين التقليديين المسيرين من دون اختيار عقلاني. الثاني: لأن المذهبية هوية ضيقة تحفر في الهوية العظمى «الوطن»، كان من المحتم أن نتجاوز أفران الدعاة العقائديين الذين يقدمون المذهب على الوطن على حساب تفكيك اللحمة والبنية الوطنية التي تتجاوز المذهب، وتشتمله بحميميتها لو كان ثمة عقل ووعي وطني وإنساني وديني طهراني؟ ولعل التجارب علّمتنا أثر الغلاة البئيس على الهويات الكبرى والأوطان. ثمة مقولتان المقولة الأولى للسني، قال أحد أعظم أئمة أهل السنة وأولهم اهتماماً بتدوين المأثور النبوي الإمام مالك بن أنس رحمه الله: «كلٌ يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر» ويعني النبي عليه الصلاة والسلام حتى الصحابة، عنى وتقصد الإمام مالك، فعلام عقولنا لا تحتمل نقد عالم من العلماء، وأعني ابن تيمية الذي ليس له فضل سوى تقادمه الزمني عن زمننا؟ ولم نحفر فتقاً بين النقد والهجاء، ونعجز عن الفصل بين النقد التطهيري والهجاء التدنيسي، وإن كان العلماء كتبوا عن مغبة التطاول على الصحابة مثلاً وأكدوا على أهمية الكف عما شجر بينهم، فإنما كانوا يخشون على جناب الصحابة العظيم من المماحكة والتبخيس، وليس لأجل التعظيم والتقديس، ولنتذكر أن الله عاتب النبي «عبس وتولى»، «ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك»، وإذا كان الله عاتب صحابياً بقوله سبحانه: «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ»، واصفاً الصحابي بالفسق، فكيف نستنكف نقد عالم من العلماء ليس له من المآثر كما الصحابة العظماء وقبلهم النبي؟ لِمَ نحن نتجزع من نقد عالم، ونخلع عليه القداسة، ونرفعه فوق النقد، كما لو كان في علياء العصمة؟ هل المناكفة المذهبية أوصلتنا إلى التمويه والشنئآن المحرم؟ إذاً نحن نكرر ما نحرمه ونرفضه في الآخر، إذاً نحن لا نثق بمنهجنا، وذلك ما يجعلنا مأزومين، ونتحاشى النقد، ذلك أن الواثق لا يزيده النقد إلا رسوخاً بخلاف غير الواثق. المقولة الثانية للشيعي، أن أدعوه إلى أن ينفصل عن بداهاته على سبيل الجدل «وجادلهم بالتي أحسن»، جادلني وأجادلك بالتي هي أحسن، بعيداً عن مزاحمة رجل الدين، والجدل بالتي هي أحسن يكون عبر البحث عن الحقيقة، لا تأكيد المؤكدات، وتمكين العقل من دون النقل الظني، وتقديم الخيار الذاتي على الوعي الجمعي واستكناه الطارئ الثقافي، وتعليق المسلمات العتيقة واجتراح الشجاعة في استقراء الثابتات وافتراض أننا حوّلنا المتحول إلى ثابت مقدس، إن عامة المقدسات بشرية الصنع، وليست لاهوتيات حتمية وظنّ في عقيدتك النقص والضلال، كما تظنها في العقديات المختلفة، لنظن في رجل الدين النسبية الطهرانية كما النسبية النفعية ونحو ذلك من مبادئ الجدل العقلاني لا الآيدلوجي التقليدي الذي ينحاز لتكريس المكرس، أقول أولاً للمثقف الشيعي: إنك المسؤول عن إشراع إضبارات الحقيقة وفتح الأفق في تمكين الوعي الحواري العقلاني. كما أقول ذلك للمثقف السني: إن المثقف هو من يُرتجى منه الدفع بالوعي «لا أرهاط» من رجال الدين التقليديين السيكولاستيكيين المدرسيين الذين يتعبدون بإضرام نار الفرقة والكراهية، ولعل الثورات، للأسف المفرط، كشفت خلاف ذلك، كشفت عن أن المثقفين إنحاز كثير منهم تجاه إيدلوجته العقائدية والسياسية، منكفئاً عن قيمه النظرية القديمة التي كان يشرعن لها «قيم التعايش والمحبة»، وهنا أنعطف ناحية الشيعي العادي لأقول له لا تكن رقماً مكرراً في استعادة وممارسة الانشغال مع المختلف عنك مذهبياً، وإن كنت ترى أنك على الصراط المستقيم فغيرك يتوهم ذلك، اسأل قلبك اسأل روحك كما تقول كوكب الشرق: متى اخترت أن تكون شيعياً؟ وكيف اخترت أن تكون شيعياً؟ والسؤال ذاته للسني ثم اسأل ذاتك: ما قيمة أن تتعبد بهجاء السابقين؟ وهل الهجاء جزء من العبادة؟ وهل الهجاء يتسق مع الإنسانية المتساوقة أخلاقياً؟ وثمة سؤال مهم بعد أن نقرأ هذه الآية: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي.. الآية، ألا تدل هذه الآية على استكمال الدين على يد محمد عليه السلام؟ وهل الدين بحاجة إلى إضافات من لدن ورثة؟ وهل الرسالة التي تنزلت على النبي تحتاج إلى استكمال أم أن الرسالة اكتملت بموت النبي؟ وألا تظن معي أن ملاحقة الغيبيات تجدف بالعقل، وتجعله يتوهم بأن الدين رهين بشخصيات خلاصية ميتافيزيقية خرافية، وثمة سؤال آخر، ماذا تستفيد من أن تتبع أخطاء ومزالق المذاهب الأخرى، وتدع مراجعة مذهبك والسؤال ذاته للسني؟ من الحصاد: من نعمة الله أن إسلامنا يكتمل من دون أن نلهو في متلازمة التفضيل بين الصحابة، ثم ماذا يعنينا في إيماننا وحياتنا العملية والروحية أن نفاضل بين شخصيات ليست مقدسة، شخصيات أعزها الدين والدين عزيز بها أو بغيرها، قال الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه». ثم لنحمد الله مرة أخرى، أن إيماننا يكتمل من دون أن نلهو بالكراهيات المذهبية، وما الكراهية الدينية إلا صنيع سياسي ولعبة نفعية، لتفكيك الهويات ولامتطاء المذاهب، وجعلها رؤوس حربة تدميرية، غلاة الشيعة والسنة يتبادلون الهجاء المذهبي أكثر من هجائهم لإسرائيل، ماذا يعني ذلك غير الانحطاط الفكري والديني والقومي، أليس ظلماً للمريد الديني أن يكون تحت رحمة رجال الدين الغلاة من دون أية محاولة من العقلاء من المثقفين وغيرهم المشاركة في توجيه الوعي المذهبي؟ أليس الفعل أقسى من القول أيها السني؟ أليست مواجهة الصحابة لبعضهم في معركتي الجمل وصفين، وقتل بعضهم لبعض أقسى من نقد ابن تيمية لعلي؟ إذاً لم نتوتر من نقد ابن تيمية، وهو لم يفعل كما فعل الصحابة بعضهم ببعض. يتم إشغال المؤمنين التقليديين بالكراهية تجاه الآخر، كما لو كانت الكراهية جزء من العبادة، والأخطر هو توريط المؤمن التقليدي بالغيبيات والأساطير التي تباعد بين الإنسان والله والدين السهل الميسر، كما لو أن الله جعل الدين دينين، دين للخاصة، ودين للعامة، ويتجلى ذلك في المذهب الشيعي من خلال خلع القداسة والهالة اللاهوتية على فئة من المراجع الحاضرة أو الغائبة المنتظرة، كما يسوّق ذلك للعامة من الشيعة، طبعاً ليس ذلك عاماً حتى لا أقع في مفازة التعميم أو المذهبية، أخيراً أنا أنطلق من خلفية عقلانية لا مذهبية، «أقدم الهوية الوطنية على الهوية الدينية». * كاتب سعودي. [email protected]