1017 حالة اشتباه فعلية بالتستر التجاري    4.5% نموا متوقعا للناتج المحلي السعودي    455 عاملا منزليا يدخلون المملكة يوميا    ضبط 15 مخالفة لنظام المياه في مكة وجدة    413 ألف مركبة ومنتج خضعت للاستدعاء خلال 2025    17 مليار ريال مبيعات أسبوع    ضغوط على أركان النظام.. واشنطن تلوح بتدخل عسكري جديد في فنزويلا    «الرئاسي» يلاحقه بتهمة الخيانة.. وضربات استباقية ل«التحالف».. الزبيدي يهرب إلى المجهول    قصف أهدافاً تابعة للقوات داخل أحياء حلب.. دمشق تبدأ عملية عسكرية ضد «قسد»    ترمب يدرس «عدة خيارات» للاستحواذ على غرينلاند    عشرات المستوطنين اقتحموا باحات المسجد الأقصى    برشلونة إلى نهائي السوبر الإسباني بخماسية بلباو    في ثاني مبارياته بكأس آسيا تحت 23 عاماً.. منتخبنا الأولمبي يواجه الأردن لحسم التأهل    وزير الخارجية يصل واشنطن في زيارة رسمية    تدهور حالة إيمان البحر بعد سنوات من الغياب    استثناء من لديهم أعذار رسمية موثقة.. «نور» يفعل الحرمان الآلي أمام المتغيبين    «الموارد» تعزز تنمية المجتمع خلال 2025.. تأسيس 558 تعاونية بجميع مناطق السعودية    محمد رمضان يخلع حذاءه على المسرح و«يتأفف»    برعاية الأمير تركي الفيصل جائزة عبدالله بن إدريس الثقافية تكرّم روّاد المحتوى الثقافي    الطائف تستضيف مهرجان الكُتّاب والقُرّاء    التقى سفير المملكة لدى ميانمار.. وزير الشؤون الإسلامية ومفتي البوسنة يبحثان تعزيز التعاون    النشاط الصباحي يقي كبار السن من الخرف    « الأبيض» يدمر صحة معظم البريطانيين    700 ألف شخص أقلعوا عن التدخين في السعودية    محافظ الطائف يُقلّد اللواء الزهراني رتبته الجديدة    الراجحي يقرّر الانسحاب من رالي داكار السعودية 2026    الإعلان عن تنظيم النسخة الخامسة من ماراثون الرياض الدولي بمشاركة دولية واسعة    مقرأة جامعة أمِّ القُرى الإلكترونيَّة تحقِّق انتشارًا عالميًّا في تعليم القرآن الكريم لعام 2025م.    «سلمان للإغاثة» يوزّع سلال غذائية وكراتين تمر في بلدة الكورة بلبنان    تشابي ألونسو مدرب ريال مدريد: مباراة مختلفة بعقلية جديدة    فيصل بن فرحان يلتقي وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية    لاعبو نيجيريا يقاطعون التدريبات لعدم دفع مكافآت الفوز    حرس الحدود يحبط تهريب (193) كجم "حشيش" في قطاع فرسان بجازان    148.544 حالة إسعافية بالشرقية    الحزام الأمني السعودي: قراءة في مفهوم إستراتيجية الأمن الوطني    والصومال تتطلع للسعودية كصمام لأمنها    روسيا ترسل غواصة لمرافقة ناقلة نفط تطاردها أميركا    أمير القصيم يطلق 20 طائرًا من الحبارى في متنزه القصيم الوطني    مؤسسة التراث والرقمنة    وكيل وزارة الإعلام اليمني: سياسة أبوظبي ورطت الزبيدي    أنطلاق أول معرض للعقار الفاخر السعودي في لندن أغسطس المقبل    مجلس القيادة الرئاسي اليمني يسقط عضوية الزبيدي لارتكابه الخيانة العظمى وإحالته للنائب العام    السديس يلتقي مستفيدي خدمة "إجابة السائلين"    الثقافة الرقمية موضوعا لجائزة عبدالله بن إدريس الثقافية هذا العام    مسجد قباء يستقبل أكثر من 26 مليون زائر خلال عام 2025 ضمن منظومة خدمات متكاملة    في تجربة شريفة الشيخ.. الخطُ العربي فنٌ حي    الشورى يطالب الجامعة الإلكترونية بتحسين بيئة التعلم    دي غوري: لا أحد منا كان يعتقد الجمع بين عالمين كما فعل ابن سعود    صحي القنفذة يحصد اعتماد «منشآت صديقة للطفل»    إحساس مواطن    فصل موظف كشف آلاف «الأخطاء الإملائية»    من سيرة منْ يقرأ في الحمام    %99 بلاغات الأدوية غير الخطيرة    نائب أمير تبوك يطلع على التقرير السنوي لفرع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بالمنطقة    الانتماء الوطني والمواطنة    نائب أمير القصيم :القيادة الرشيدة تولي التعليم اهتماما بالغاً    بالتعاون مع هيئة محمية الإمام تركي..«الفطرية»: إطلاق 124 كائناً مهدداً بالانقراض    القيادة تعزي ملك الأردن في وفاة رئيس الوزراء الأسبق    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تراث السلطنة الفني الشعبي فريد ومتنوع . اذا سمعت ايقاع الطبول في عمان تنفتح أمامك أبواب التاريخ والاساطير
نشر في الحياة يوم 17 - 08 - 1992

تتميز سلطنة عُمان عن بعض الدول العربية الأخرى بتراث فني شعبي فريد ومتنوع الاصول والوجوه. فمنه المحلي القديم الاصيل، ومنه المستورد الذي حمله الى مجتمعها، اولئك الذين قصدوا اراضيها واستوطنوا فيها، يوم كانت حدود الامبراطورية العمانية تصل الى بلوشستان وتطرق قلب افريقيا، فتفاعل مع التراث المحلي وصار جزءاً منه.
"الوسط" قصدت اخيراً السلطنة وزارت معظم مناطقها حيث تعرفت على اهم فنونها الشعبية المميزة والمختلفة، وعادت منها بالتحقيق الآتي:
وقف الشاعر وسط الساحة قرب قارع "الطبل الواقف"، وبدأ تلاوة الشعر الشعبي والى يساره انتصب رجلان آخران يحملان طبلين هما "الرحماني" و"الكاسر". وعندما انتهى من ارتجال الابيات، تقدم مع ضارب "الطبل الواقف" الى الامام وهو يلقنه الابيات كي يغنيها بينما كان الطبلان الآخران يدوران في الميدان. مع بدء الغناء يبدأ الرقص. تنسى الحرّ، وتنسى الظمأ والتعب، ويشدك ايقاع فن الميدان، وتغرق في عالم آخر. الميدان هو فن السمر، فن الشعر والتلاعب بالالفاظ العربية في قالب شعري متقن. ويقام عادة في مكان متسع، بعيداً عن الحي او القرية. الميدان فن الشعر، كان سابقاً رقص اولاد العبيد، ويقام من اجل التطبيب الشعبي لاولئك الذين يعتقد انه اصابهم مس من الجن ويريدون الشفاء.
تعجب امام تلك النساء الراقصات اللواتي يتحلين بحضور قوي يمنحهن جمالاً كله كبرياء. كل واحدة منهن تشعر بوجود زملائها وزميلاتها حولها من دون ان تنظر او تلتفت يميناً ولا شمالاً.
ويزين ايقاع الطبول والغناء صوت "الحجم" او "البرغام"، تلك الصدفة البحرية الحلزونية التي ينفخ فيها عازفها، فيصدر عنها صوت متقطع.
فن الميدان هذا هو واحد من الفنون العمانية المتنوعة فالمجتمع في السلطنة متعدد الاصول الاتنية وبالتالي هو مجتمع ذو تراث شعبي متنوع وغني. وهذا الغنى الانساني من اهم العناصر التي تتميز بها تلك البلاد. قليلة هي البلدان التي تتمتع اليوم بهذا التنوع البشري القديم العهد. خاصة في ايامنا هذه حيث المجتمعات تتجه جميعها نحو طراز واحد من الحياة، يغلب عليه الطابع الغربي وتحديداً طابع المجتمع الاستهلاكي، فيما تنغلق هذه المجتمعات في الوقت نفسه على ذاتها قومياً وعرقياً ودينياً. في سلطنة عمان تشعر ان الحاضر على تواصل مع الماضي، اي ان حبل الزمان، على الصعيد التراثي لم ينقطع. وهذا على النقيض من مجتمعات عديدة دخلت عصر التكنولوجيا الحديثة، والعالم الصناعي الذي يفرض قوانينه الخاصة، محافظة على تقاليدها الاجتماعية وقيمها الاخلاقية، لكنها نسيت تراثها الثقافي والشعبي.
والنتيجة هي حالة تأرجح ان لم تكن انفصاماً بين عالمين مختلفين تمام الاختلاف. هذا الى جانب فقدان هذه المجتمعات روحها.
المحافظة على التراث
استطاع المجتمع العماني ان يحافظ حتى يومنا هذا على تقاليده الشعبية وتراثه الثقافي. ولم يتم ذلك على الصعيد الجمالي المرئي كالعمارة التقليدية واللباس والحلي وسائر الحرف… لكن ايضاً على صعيد الشعر والموسيقى والرقص. والاهم من ذاك ان هذا التراث الموسيقي الشعري لا يزال جزءاً من الحياة العمانية وسمة خاصة تطبع الاوقات الرئيسية في حياة العمانيين، كالزفاف، والفرحة بمولود جديد، والختان، ووفاء نذر، والاعياد الدينية والوطنية. ولا يزال هناك العديد من العمانيين الذين يعيشون ويمارسون هذا التراث، علماً بأن الجيل الجديد يبتعد شيئاً فشيئاً عن هذه التقاليد الفنية.
وتفادياً لزوال هذه الفنون مع الوقت، أسست وزارة الاعلام مركز عُمان للموسيقى التقليدية سنة 1983، وهو يعنى كما قال لنا مديره خلفان البرواني، بجمع وتوثيق سائر الفنون التقليدية الشعبية في عمان على اشرطة فيديو وتسجيلات صوتية، وصور فوتوغرافية. ومن اجل ذلك، يقوم موظفو المركز بجولات ميدانية في جميع المناطق العمانية، وقد تم جمع سبعين في المئة من هذه الفنون حتى الآن. ويقول المسؤولون في المركز ان الوقت ثمين، لأن هناك الكثير من العارفين بهذه الفنون الذين شاخوا، والبعض منهم وافته المنية. وليس هناك دائماً من يكمل الطريق. ويعتبر مركز عمان للموسيقى التقليدية من اهم المراكز في العالم العربي، ان لم يكن الوحيد، لجمع وتوثيق الموسيقى الشعبية التقليدية.
تعدد الاصول
للبحر في عُمان اهمية قصوى. هو جزء من حياتها. وكان العمانيون منذ القدم يذهبون بمراكبهم الى الصين وغيرها من البلدان البعيدة. ويقال ان السندباد انطلق في رحلته من عمان، وأنه عماني. ولعب البحر دوراً كبيراً في التكوين الثقافي للسلطنة التي تعيش فيها جماعات ذات اصول افريقية وبلوشية وفارسية وهندية استوطنت فيها منذ القديم، الى جانب السكان الاصليين من البدو الحضر وأهل السواحل. كل جماعة جلبت معها آلاتها وأغانيها وايقاعاتها الخاصة، وتم بالضرورة تداخل وتأثر متبادل بين هذه الفنون المختلفة. مثلاً، نلاحظ ان هناك تأثيرات افريقية على موسيقى السواحل الايرانية، حتى ان في بعض المدن، مثل بندر عباس، تقام حفلات "الزار" وهي اساساً افريقية. وتأثرت عمان بدورها بالموسيقى الآتية من السواحل الايرانية الجنوبية. اما التنقل المستمر بين عمان والشواطئ العربية وجنوب ايران فقد ولّد تأثيرات فارسية ايرانية في عمان وتأثيرات عربية عمانية في جنوب ايران، بالمقابل.
وفي الماضي امتدت الامبراطورية العمانية من سواحل بلوشستان الى شواطئ افريقيا الشرقية وجزيرة زنجيبار التي ظلت تحت السلطة العمانية حتى بداية هذا القرن فكان من الطبيعي ان تأثرت السلطنة بالموسيقى ذات الاصول الافريقية، حيث استوطن فيها العديد من الافارقة لا سيما الزنجيباريين، الذين كان معظمهم من العبيد في الماضي، الا انه تم تحريرهم جميعاً.
وكانت عمان محطة رئيسية على طريق التجارة بين الغرب وافريقيا والهند والشرق الاقصى. وهي محطة هامة في طريق الحرير البحري والتوابل. كما انها معروفة بسفنها القوية ومهارة بحارتها الذين جابوا البحار وكانوا مشهورين في جميع المرافئ. فمنذ القديم كانت عمان مكاناً تتواجه فيه الثقافات وتتفاعل. ولا تزال هذه الحال قائمة حتى يومنا هذا. فمجرد ان تذهب الى سوق مدينة "مطرح" القديم حتى تشعر بهذا المزيج من اناس ذوي اصول وثقافات مختلفة.
ويظهر هذا التمازج في الموسيقى. ففي فن الميدان مثلاً، وهو من اصول افريقية، يستعمل طبل كاسر، وهو من صناعة عمانية او هندية، وكذلك الطبل الرحماني. اما الطبل الواقف، فهو افريقي.
اذاً، استوطنت في عمان منذ عهود قديمة جماعات من البلوش والفرس والباكستانيين والهنود والافارقة، خاصة من سواحل افريقيا الشرقية، وبعضهم يتكلم حتى اليوم السواحلية.
العمانيون ستة اقسام
اما العمانيون الاصليون فينقسمون الى 6 اقسام رئيسية. هناك اولاً سكان الساحل، وسكان المدن الساحلية اي مسقط ومطرح وصحار وصور، حيث عاش الناس على مدى السنين من الرحلات البحرية والتجارة والصيد. ثم هناك سكان سواحل الباطنة، حيث تعتمد الزراعة على وجود الآبار. وقد تعرضت هذه المنطقة في فترات طويلة لتأثيرات عرقية بشرية وثقافية هندية وأفريقية على السواء. ثم، هناك الحضر او المزارعون الذين يعيشون في مدن الداخل وقراه مثل نزوى والرستاق، حيث الاعتماد في الري يقوم على نظام شبكة الافلاج جمع "فلج"، وهو قناة مياه، عرفت في عمان منذ مئات السنين. طبعاً هناك بدو السهول في الجنوب والغرب. ويبدو ان الترحال والتنقل بدآ يخفان، فهناك ميل للاستقرار. وعموماً تنحدر القبائل العمانية من القحطانيين ومن العدنانيين. القبائل القحطانية أتت من جنوب الجزيرة العربية، اما العدنانيون، فأتوا من شمال غرب الجزيرة.
قبائل الشموح تسكن الجبال في منطقة رأس مسندم شمال عمان، وتتكلم اللهجة "الكمزارية" وهي لهجة قريبة من الفارسية.
أخيراً، هناك الظفاريون، ولهم بعض القواسم المشتركة اللغوية والاتنية مع سكان جنوب الجزيرة العربية وشرق افريقيا. وفي منطقة ظفار يتكلم السكان ثلاث لهجات غير عربية، وهي اقرب الى لغات جنوب الجزيرة العربية، وقد يكون لها علاقة بالحميرية، الا ان ذلك لا يزال فرضية. وهذه اللهجات او اللغات التي لا تمت الى العربية بأية صلة وفقاً لما توصل اليه الباحثون المختصون في السنية ولغات جنوب الجزيرة العربية، لا سيما انطوان لونيه وماري كلود سينيل، هذه اللغات هي المهري والجبالي والبطحري. والجدير بالذكر ان المهري محكية ايضاً في اليمن، في مقطاعة المهرة. كما ان هناك لهجة اضافية هي الحرسوسي وهي محكية في منطقة "جدة الحراسيس"الموجودة بين ظفار ومسقط.
قال لنا خلفان البرواني، مدير مركز عمان للموسيقى التقليدية، ان عدد الفرق التقليدية للغناء والرقص في السلطنة متنوع وكثير للغاية، وذلك بتعدد القبائل والولايات، بحيث ان في كل ولاية ما لا يقل عن خمس فرق او اكثر، كما ان الانماط والاشكال الموسيقية تتجاوز المئة باختلاف البيئات الاجتماعية من بحرية وبدوية وحضرية وجبلية وبتنوع الاجناس البشرية التي تعيش في البلاد، وامتزاج كل العوامل والعناصر لتشكل المزاج العام للفنون التقليدية العمانية ولتميز كل منطقة بفنون تختلف عن المناطق الأخرى.
والفرق التقليدية في عمان تتكون من ممارسين هواة او من محترفين. الممارسون الهواة يمارسون هذه الفنون بشكل تلقائي خلال الاعياد القومية والدينية المختلفة، وغالباً ما يجتمع الهواة ابناء القبيلة الواحدة او الحارة السكنية في فرق يترأسها شخص قد يكون شيخ القبيلة، ويقوم على عاتقه تجميع افراد الفرقة لدى الحاجة اليهم. وفي كل فرقة شاعر او اكثر له موهبة في ارتجال الشعر الشعبي او النبطي، كما انه يحفظ الكثير من المأثور من غناء السلف. والطريف ان الطبول وسائر الآلات الموسيقية ليست ملكاً فردياً، بل ملك الجماعة.
"طبل النساء"
هناك ايضاً المحترفون الذين يؤدون بعض الفنون التقليدية بوصفها مصدر رزق تكميلي. وتدعى هذه الفرق عن طريق رئيسها للمشاركة في الاعراس او الاحتفال بختان او للوفاء بنذر.
ومن هذه الفرق المحترفة فرق "الدان دان"، وهي التسمية التي تطلق على فرق فنون النساء، التي تتكون من مجموعة من النساء تقوم بالغناء والرقص بمصاحبة تصفيق افراد الفرقة، او يصاحبها طبل تقرعه امرأة من اعضاء الفرقة. ومن هنا جاءت تسمية ثانية لهذه الفرق هي "طبل النساء". وتقوم هذه الفرق بممارسة الفنون اثناء المناسبات الاجتماعية. ولهذه الفرق انماط معينة من الرقص والغناء، لها اسماء غريبة وبعضها في غاية الطرافة، "كالتشح تشح" و"الحمبورة" و"الويلية".
"التشح تشح" كان في الاصل فن تعبر به المرأة البدوية عن حزنها وأساها. في هذا الشعر المرتجل اثناء اوقات العمل تتذكر المرأة البدوية الاحباب، وتعبر عن شوقها اليهم. هذا الغناء الهادئ يؤدى من دون صحبة آلات موسيقية. وقد طرأ تغيير في صور على "التشح تشح"، فأصبح فن غناء ورقص مبهج سريع الايقاع، يشارك في ادائه طبلا الكاسر والرحماني. ومن لحن وحيد لا يتغير، صار عديد الالحان. ومن شعر فن "التشح تشح" هذه الابيات:
"يودان دان يودان داني
دان الّلدان بقول يا الله
هبي هبوب الياسمين
من سبكم زادت جروحي
يا حبيِّبي لا تون ولا تنوح
باسكنك في وسط روحي…"
ويؤدى هذا الفن واقفاً او جالساً. في "التشح تشح" الواقف، تصطف النساء في صفين متوازيين يتحركان الواحد تلو الآخر، الواحد نحو الآخر، وبينهما الطبالان والمغنية الرئيسية، يتحركون مع حركة الصفين تقدماً ورجوعاً. اما "التشح تشح" جالس، فتنتظم فيه النساء جالسات في دائرة او نصف دائرة تتوسطها المغنية الرئيسية، بينما يجلس الطبالان في نهاية القوس.
ومن اكثر الفنون العمانية اثارة للدهشة رقص "الحمبورة" وتحييه غناء ورقصاً نساء ذات اصل افريقي، وهو غريب وفريد من نوعه، تؤديه النساء جالسات القرفصاء، يتحركن الى الامام مع التفاف الجسم في قفزة تشبه قفزة الضفدعة. وقد تستند الراقصة على الارض بكف يدها اليسرى حتى لا تقع. وعلى احدى الراقصات ان تلامس جبهة راقصة أخرى بجبهتها، وتضغط كل من الراقصتين على جبهة الأخرى فتصبحان وكأنهما شخص واحد يتحرك كتلة واحدة. يصاحب غناء الحمبورة ورقصتها ايقاع من الطبلين الكاسر والرحماني يدقهما رجلان يجلسان القرفصاء ايضاً، ويتحركان في ساحة الرقص حركة مستقلة عن حركة النساء ويصاحب كل وحدة ايقاعية صفقة من النساء المغنيات.
وليست هناك روابط بين افراد فرق فنون النساء، فهن لا ينتمين بالضرورة الى الحارة الواحدة او القبيلة نفسها. وبالتالي، هناك العديد من الولايات حيث لا توجد فرق فنون النساء، وعلى الاخص في المنطقة الداخلية. كما ان هناك فرقاً أخرى تضم الرجال والنساء، وكل فرقة منها تختص بفن معين او اكثر.
وكما اسلفنا القول فان موقع عمان الجغرافي وأهميتها البحرية ووجودها تاريخياً في حكم مناطق شرق افريقيا وبلوشستان، دفع ببعض الجماعات عبر التاريخ الى الاستيطان في اراضيها، لا سيما البلوش والفرس والافارقة، ولهؤلاء فنونهم التي مع مرور الزمن تفاعلت مع البيئة العمانية وأصبحت عنصراً من مكونات الفنون التقليدية العمانية.
فهناك فرق البلوش للفنون التقليدية، التي تؤدي بعض الفنون "الآسيوعمانية" خلال المناسبات الاجتماعية. وتتكون من خليط من الرجال والنساء، يغنون ويرقصون على ايقاع الطبل. ومن هذه الفنون "السيروان" و"الكوزاك" ايضاً "الكونزاك" الواقف او الجالس و"لي لا رو" و"يستكي". وهذه الفرق البلوشية موجودة في شمال الباطنة اي السواحل الموجودة شمالي مسقط، وعلى وجه الخصوص في صحار وشناص.
وتوجد ايضاً فرق الفرس او فرق ابناء العجم "للباكت" و"السيروان". وهي ايضاً متمركزة في صحار. ووجود فن مثل فن "الباكت" في بلد عربي، وإن كان يؤديه من هم من اصل فارسي يغير في المفاهيم والنظريات التي تقول بأن لا وجود "للتمثيل" على الصعيد الشعبي في العالم العربي.
والباكت من الفنون الآسيوعمانية التي ارتبطت بعادات العمانيين وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من فنون اهل عمان. ويقام الباكت في ثلاث هيئات: السيروان، الباكت "عرائس" والباكت "تمثيل". وكم هي كبيرة دهشة المهتمين بالمسرح ومسرح العرائس عندما تقول لهم ان هناك تقاليد مسرحية في بلد عربي.
"السيروان" هو بداية السمر في فن الباكت، فيه غناء وايقاع على طبلي الرحماني والكاسر، وتصاحب الغناء حركة راقصة بسيطة.
اما في الباكت "تمثيل"، يكون السامرون دائرة وهم جلوس على الارض، يتصدرها العقيد المغني، والى جانبه ضاربو آلات الايقاع. تبدأ الطبول بالقرع ويبدأ العقيد بالغناء، ويرد السامرون على غناء العقيد غناء وتصفيقاً. وعندما يبلغ الغناء اوجه يدخل الممثلون الى وسط الدائرة، ويرتدون اشكال بعض الحيوانات كالنمر او "يلنك" كما يسمى في الباكت. والكلمة بالفارسية المشوهة. على رأس الممثل قناع كامل يغطي كل رأسه، اما جسده، فيدهن بمادة تلصق فوقها انداف قنطية. هناك ايضاً الغراب او "ابو منقار". كما يمثل بعضهم شخصيات بشرية، وذلك حسبما تقتضيه القصة، وتكون هزلية غالباً وذات موضوع هادف هو الصراع بين الخير والشر وانتصار الخير على الشر وسيطرة العقل البشري على قوة الحيوان الوحشي.
الباكت "عرائس" يؤدى بعد "التمثيل". ويتمدد اللاعب بالعرائس على الارض وسط دائرة المشاركين، ويضع رأسه على حجر شخص جالس في وسط الدائرة، ويغطى لاعب العرائس بقماش اسود، وقد حمل في يديه وعلى ذراعيه عروستين: الاولى على هيئة رجل يلبس الزي التقليدي العماني، والأخرى على هيئة امرأة تلبس الزي النسائي التقليدي عند اهل الباطنة في عمان. ويدور بين العروستين حوار حركي على ايقاع الطبول والغناء والتصفيق، والقصة تكون اجتماعية. قد يكون الحوار غزلاً، وقد يكون عراكاً يشترك الطرف الانساني في فضِّه بين العروستين اللتين تكونان الرجل والمرأة.
اما الغناء في "الباكت" فيكون بلغة تختلط فيها اللغة العربية الدارجة بألفاظ فارسية مشوهة نتيجة للتناقل الشفهي بين الاجيال.
أخيراً، هناك فرق الفنون الأفروعمانية التي تختص بأنماط الغناء والرقص التقليدي الوافدة من الساحل الشرقي لأفريقيا والجزر المتاخمة حيث امتدت امبراطورية عمان حتى زمن قريب. وهذه الفرق موجودة في كل انحاء السلطنة الا ان اكثرها عدداً موجود في ولاية صور، التي يفترض انها كانت المحطة الاولى لهذه الفنون الوافدة في عمان. ومن هذه الفنون الافريقية الاصل الميدان والزار و"الطنبورة".
الطنبورة او النوبان، شأن الميدان والزار، كانت نوعاً من التطبيب الشعبي. والطنبورة هي ايضاً آلة موسيقية وترية، افريقية المنشأ. وهي شبيهة بآلة "الهارب" الفرعونية التي لا تزال تعزف حتى الآن في بلاد النوبة، ومن هنا جاءت تسمية نوبان. وفن "الطنبورة" او "طمبورة" يستمد اسمه من الآلة التي تصحب هذا الفن، وهي الآلة الوترية الوحيدة التي تستخدم في فنون عمان التقليدية. غناء الطنبورة ذو مسحة دينية تختلط فيه ألفاظ من اللغتين العربية والسواحلية، ويتناول الكثير منه ذكريات الساحل الافريقي، وهو فن موروث شفهياً من جيل لآخر. ويصاحب غناء الطنبورة خمس آلات ايقاعية. وهو فن منفرد يختص به ابو الطمبورة، وترد عليه مجموعة من الرجال والنساء. يصاحب هذا الغناء والطبل حركة ايقاعية منفردة من شاب يشد حول وسطه وردفيه حزاماً من قماش مثبت عليه عدد كبير من حوافر الغنم الجافة، ويسمى هذا الحزام "المنجور" ويشبه صوتاً ايقاعياً شبيهاً بصوت الخرخاش. وعندما يستهوي الطرب احد المشاركين، فانه يقوم للرقص حسبما يهوى.
ويحرص اعضاء فرق الفنون ذات الاصول الافريقية والآسيوية اشد الحرص على نصوص تلك الانماط من الفن والتي يعدها البعض نصوصاً طلسمية لها فاعلية سحرية.
فنون المنطقة الجنوبية
وفي صلالة، عاصمة ظفار، تسنت لنا فرصة مشاهدة "الربوبة" وهي من الفنون المميزة للمنطقة الجنوبية. الحركة الراقصة في الربوبة حركة مركبة. يصطف اربعة من الرجال مقابل اربع راقصات. وعلى نغم الغناء وايقاع الطبول يتحرك الصفان الواحد تجاه الآخر، بحيث تمر امرأة من بين رجلين ويمر رجل من بين امرأتين، وكل من الرجال والنساء يلتف حول نفسه ليتهيأ للمرور مرة أخرى في المسافة التي تفصل بين كل اثنين من جنس واحد.
الفنون العمانية الاصلية والوافدة كثيرة جداً، من المستحيل الكلام عنها كلها هنا. وقد اخترنا عمداً الفنون المتأثرة بثقافات أخرى، وذلك على حساب الفنون العمانية الاصلية، من فنون البحر وفنون البدو "كالرزحة" مثلاً والتي تعد من اعرق الفنون التقليدية في سلطنة عمان، وهي فن السيف والمبارزة، كما فن الشعر والمطارحات الشعرية. الا ان الرزحة والفنون البدوية وغناء البحر الذي يؤديه الصيادون خلال عملهم، جميعهاً موجود ولو بأشكال مختلفة في بلدان الجزيرة العربية. لذلك، اخترنا ما تتميز به عمان عن غيرها من البلدان العربية.
هذا التنوع الكبير في الفنون العمانية التي تتميز به السلطنة عن سائر البلدان هو ما اقنع مدير دار ثقافات العالم في باريس لدعوة بعض الفرق الشعبية لتقديم مجموعة من البرامج في باريس تعطي فكرة عن غنى عمان على صعيد الفنون الشعبية.
و… تنحدر الشمس نحو المغيب وتشتعل انوار مسقط. سوق مطرح ينبض بالحياة. هذا هندي يبيع التوابل، وهذه امرأة ظفارية اتت من الجنوب لتبيع اللبان ومزيجها الخاص من انواع البخور. هناك تاجر بلوشي يبيع حلي بدوية، ربما اشتراها من سوق الجمعة في نزوى. وخارج السوق، مياه البحر هادئة في الميناء. اينما ذهبت، تغرق في بحر من الألوان البهية والروائح الجميلة والغريبة. حان وقت الرحيل، فتغمض عينيك كي تبقى الالوان ترقص امامك، وتتنشق بقوة كي تملأ صدرك بالروائح الزكية، اما قلبك، فيدق على ايقاع الطبول الذي يلحق بك صداها مهما بعدت عنها. يقولون انك اذا شربت ماء النيل، لا بد ان تعود الى مصر. ولكن اذا سمعت ايقاع الطبول في عمان، فتنفتح امامك ابواب التاريخ والأساطير.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.