أوصى مؤتمر الحوار الإسلامي العالمي الذي اختتم أعماله في العاصمة المقدسة أمس الجمعة بتكوين هيئة عالمية للحوار تضم الجهات الرئيسية المعنية بالحوار في الأمة الإسلامية، وبإنشاء"مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي للتواصل بين الحضارات"، بهدف إشاعة ثقافة الحوار، وبإنشاء جائزة الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للحوار الحضاري، ومنحها للشخصيات والهيئات التي تسهم في تطوير الحوار. وشدد المؤتمر في بيانه الختامي الذي أطلق عليه"نداء مكةالمكرمة"على ضرورة التزام آداب الإسلام في الحوار، محذراً من أن الحوار الهادف مع أتباع الرسالات لا يعني التنازل عن المسلّمات، ولا التفريط في الثوابت الدينية. فبعون من الله سبحانه وتعالى، اختتمت أعمال المؤتمر الإسلامي العالمي للحوار، الذي عقدته رابطة العالم الإسلامي في مكةالمكرمة - زادها الله تشريفاً ? برعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين، الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله وأدام به نفع العباد والبلاد، وذلك في الفترة من30-5 إلى 2-6-1429ه التي توافقها الفترة من 4-6 إلى 7-6-2008. وقد افتتح المؤتمر خادم الحرمين الشريفين، الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، بكلمة ضافية، شكر فيها علماء الأمة ومفكريها المشاركين في هذا المؤتمر، مؤكداًً على أنهم يجتمعون اليوم ليقولوا للعالم من حولنا إننا صوت عدل، وقيم إنسانية أخلاقية، وإننا صوت تعايش وحوار عاقل وعادل، وصوت حكمة وموعظة وجدال بالتي هي أحسن تلبية لقول الله تعالى:"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن".النحل: 125 وأشار خادم الحرمين الشريفين إلى التحديات التي تواجهها الأمة الإسلامية في زمن تداعى فيه أهل الغلو والتطرف من أبنائها وغيرهم على عدل منهجها بعدوانية سافرة استهدفت سماحة الإسلام وعدله وغاياته السامية. ونوّه خادم الحرمين الشريفين بأهمية الحوار في الإسلام، مذكراًً بأن الرسالات الإلهية قد دعت جميعها إلى خير الإنسان، والحفاظ على كرامته وإلى تعزيز قيم الأخلاق والصدق، وقيم الأسرة وتماسكها وأخلاقياتها التي تفككت روابطها في هذا العصر، حيث ابتعد الإنسان عن ربه وتعاليم دينه. وأشار إلى أننا ننطلق في حوارنا مع الآخر بثقة نستمدها من إيماننا بالله، ثم بعلم نأخذه من سماحة ديننا، وأننا نجادل بالتي هي أحسن، فما اتفقنا عليه أنزلناه مكانه الكريم في نفوسنا، وما اختلفنا حوله نحيله إلى قوله تعالى:"لكم دينكم ولي دين".الكافرون: 6 وأعرب فخامة الرئيس علي أكبر هاشمي رفسنجاني رئيس هيئة تشخيص مصلحة النظام ورئيس مجلس الخبراء في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في كلمته في الجلسة الافتتاحية، عن شكره لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود ولرابطة العالم الإسلامي على إقامة هذا المؤتمر الذي يحمل الكثير من المعاني الإسلامية السامية، وأشار إلى أن أهمية المؤتمر قد ازدادت بانعقاده على بعد أمتار من جبل الصفا، حيث قام الرسول صلى الله عليه وسلم بعد تكليفه بالرسالة بإعلان دعوته، وأن المملكة العربية السعودية أطلقت نداءً جديداًً وقدمت رسالة عظيمة للبشرية جمعاء، وتمنى فخامته أن يكون هذا الاجتماع تمهيداًً ومقدمة للحوار مع أتباع الأديان والثقافات والمدارس الفكرية بين البشر. كما تحدث سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ المفتي العام للمملكة العربية السعودية رئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، مشيراًً إلى أن الحوار بين البشر من ضروريات الحياة، وهو وسيلة للتعارف والتعايش وتبادل المصالح بين الأمة، وأن الاختلاف بين الناس أمر موجود في طبائعهم وأخلاقهم، وهم متفاوتون في ألسنتهم وألوانهم وطبائعهم وعقولهم، كما أنه سنة كونية، وأن اختلاف الناس في آرائهم ومعتقداتهم قضية وردت في القرآن، وأكد أن أصول شرائع الأنبياء واحدة أوحى الله بها إليهم، ودعا سابقهم ولاحقهم إليها، والأنبياء دينهم واحد. وأعرب سماحة الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر، في كلمته نيابة عن المشاركين في المؤتمر عن تقديره لرعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز لهذا المؤتمر، مشيراًً إلى أن هذا المؤتمر يعد وسيلة جديدة لتوثيق روابط التعاون بين أبناء الأمة الإسلامية. وذكر أن الحوار سنة من سنن الله في خلقه، لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش منفرداً عن غيره في هذه الحياة، لاسيما في هذا العصر الذي أصبح العالم فيه كله كأنه مدينة واحدة، والحوار متى كان قائماً على الطيب من القول وعلى النيات الحسنة وعلى المقاصد الشريفة كانت نتائجه كريمة، وكان خير وسيلة للوصول إلى الحقيقة، وإلى تقليل الخلافات بين الناس، وأن الذي يتدبر القرآن الكريم يراه زاخراً بأنواع متعددة من حوارات الرسل مع أقوامهم. وأشار معالي الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي في كلمته إلى أن خادم الحرمين الشريفين أدرك ما تعيشه البشريةُ اليوم من أزمات، وما يكتنف الأسرةَ من تفكك وفوضى، وما يعيشه البشرُ من بعد عن هدي خالقهم، وأهميةَ الحوارِ والتفاهمِ والتعاون في ما يجتمع عليه أتباع الرسالات الإلهية والحضاراتِ والثقافات، من قيم ومبادئ أخلاقية، مما يخفف من الصراع العالمي، ويعيدُ للأسرة مكانتها الاجتماعية، ويعمقُ قيمَ العدل والتعاون والتسامح والوسطية في حياة الناس. وذكر معاليه أن الحوار منهج قرآني أصيل وممارسة نبوية، وثقافة راسخة في ذاكرة الأمة اصطبغت بها العلاقة بين المسلمين وغيرهم، منذ فجر الإسلام وعبر تاريخه الحضاري الطويل، انطلاقاً من سماحة الإسلام وجوهر الشريعة الإسلامية التي يستمد منها المسلمون نهجهم. وأشاد المشاركون باهتمام خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود بالحوار، ودعوته أمم العالم وشعوبه إلى العناية به وإلى نبذ العنف، وتأكيده - وفقه الله - ضرورة الاهتمام بما تتفق عليه الرسالات الإلهية والكتب المنزلة على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام من ترسيخ الأخلاق الفاضلة وغرس القيم الإنسانية السامية، وتركيز الجهود في ما ينفع الإنسان ويحافظ على الأسرة، المقوم الأساس للمجتمع، ويصون الإنسانية من دعوات الرذيلة والتفكك الأسري والاجتماعي. واعتبر المشاركون كلمة خادم الحرمين الشريفين وثيقة مهمة من وثائق المؤتمر ومرتكزاً في انطلاقة الحوار، لما تضمنته من رؤى مهمة، لتحقيق السلم والتعايش الإيجابي. وأكد المؤتمر أن الإسلام يمتلك حلولاً ناجعة لتلك الأزمات، وأن الأمة المسلمة مدعوة للإسهام مع غيرها في مواجهة هذه التحديات بما تملك من رصيد حضاري لا غنى للبشرية عنه: يهدي به الله من اتبع رضوانه سُبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم.المائدة: 15-16 كما أن الحضارات الأخرى تمتلك رؤى تجاه هذه التحديات التي تعصف بالجنس البشري برمته، وتشترك مع المسلمين في مسعاها لتقديم الحلول الناجعة لأزماته وتجاوز التحديات التي تواجهه، بما تمتلك من التجربة الإنسانية. إن الرسالات الإلهية والفلسفات الوضعية المعتبرة تمتلك من المشترك الإنساني، ما يدعو إلى الالتزام بفضائل الأخلاق، ويرفض مظاهر الظلم والعدوان والانحلال الأخلاقي والتفكك الأسري والإضرار البالغ بالبيئة البشرية والإخلال بالتوازن المناخي. والحوار المعمق لاستثمار المشتركات الإنسانية ضروري للتعاون في برامج عمل مشتركة تطوق المشكلات المعاصرة، وتحمي البشرية من أضرارها. وقد شارك في المؤتمر عدد كبير من العلماء والباحثين والدعاة ورؤساء المراكز والجمعيات الإسلامية من مختلف مناطق العالم الإسلامي ومن الجاليات المسلمة، ممثلون عن الجهات الإسلامية المهتمة بالحوار مع الحضارات والثقافات الإنسانية. وقد ناقش المشاركون المحاور الرئيسة الأربعة الآتية: 1. التأصيل الإسلامي للحوار. 2. منهج الحوار وضوابطه ووسائله. 3. مع من نتحاور؟ 4. أسس الحوار وموضوعاته. وذلك على النحو الآتي: أولاً: التأصيل الإسلامي للحوار أ. دعوة الإسلام إلى الحوار: بحث المؤتمر مشروعية الحوار ودعوة الإسلام إليه، ومسوغاته والنصوص الشرعية الوفيرة التي تدعو إليه وتقعِّد له، وترسم آدابه، وتبين نماذج منه، وتوصل إلى ما يأتي: - الاختلاف بين الأمم والشعوب وتمايزهم في معتقداتهم وثقافاتهم واقع بإرادة الله ووفق حكمته البالغة، ما يقتضي تعارفهم وتعاونهم على ما يحقق مصالحهم، ويحل مشاكلهم في ضوء القيم المشتركة، ويؤدي إلى تعايشهم بالحسنى وتنافسهم في عمارة الأرض وعمل الخيرات:"وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه..."الخ. المائدة: 48 - الحوار منهج قرآني أصيل وسنة نبوية درج عليها الأنبياء في التواصل مع أقوامهم، وتقدم السيرة النبوية العطرة منهاجاً واضح المعالم لا تخطئه عين المتأمل في حوار النبي ص مع نصارى نجران ومراسلاته عليه الصلاة والسلام لملوك الأمم وعظمائها، فكان الحوار من أهم سبل بلوغ هداية الإسلام إلى العالمين. - النظر إلى مجتمع المدينةالمنورة الذي أقامه النبي ص على أنه الأنموذج الأمثل في التعايش الإيجابي بين أتباع الرسالات الإلهية، حيث تسمو وثيقة المدينةالمنورة بسبقها، لتكون مفخرة تحتذى في التعايش الحضاري، فقد حددت أطر التعاون على تحقيق المصالح المشتركة، والتعاضد على إرساء قيم العدل والبر والإحسان وغيرها من القيم الإنسانية النبيلة. ب. أهداف الحوار: الحوار من أهم النوافذ التي يطل المسلمون من خلالها على العالم، وعن طريقه يمكن تحقيق جملة من الأهداف، من أهمها: أولاً: التعريف بالإسلام وشرائعه ومبادئه الإنسانية، وما يملكه من رصيد حضاري كبير يمكنه من الإسهام الفاعل في ترشيد مسيرة الحضارة الإنسانية. ثانياً: الرد على الافتراءات المثارة عن الإسلام وتصحيح الصورة المغلوطة عنه، وعن دوله ومؤسساته في الأوساط الدينية والعلمية والإعلامية. ثالثاً: الإسهام في مواجهة التحديات وحلّ المشكلات التي تواجه البشرية بسبب بعدها عن الدين، وتنكرها لقيمه وأحكامه، ما أوقعها في براثن الرذيلة والظلم والإرهاب وهتك حقوق الإنسان وإفساد البيئة التي أنعم الله - عز وجل - بها على البشرية. رابعاً: مساندة القضايا العادلة المتعلقة بحقوق الإنسان المشروعة والدفاع عنها، وتكوين رأي عام عالمي يناصرها ويهتم بها ويتعاون على تحقيق مطالبها المشروعة. خامساً: كشف دعاوى المروجين لصراع الحضارات ونهاية التاريخ، ورفض مزاعمهم بعداء الإسلام للحضارة المعاصرة، بهدف إثارة الخوف من الإسلام والمسلمين، وفرض السيطرة على شعوب العالم، وبسط ثقافة واحدة عليه. سادساً: التعرف على غير المسلمين وثقافاتهم، وإرساء المبادئ المشتركة معهم، ما يحقق التعايش السلمي والأمن الاجتماعي للمجتمع الإنساني، والتعاون في بث القيم الأخلاقية الفاضلة، ومناصرة الحق والخير والسلام، ومكافحة الهيمنة والاستغلال والظلم والفساد الخلقي والتحلل الأسري، وغيرها من الشرور التي تهدد المجتمعات. سابعاً: حل الإشكالات والخصومات التي قد تقع بين المسلمين وغيرهم ممن يتشاركون معهم في الأوطان والمجتمعات بدرجتي الأكثرية أو الأقلية، وتوفير المناخ الصالح للتعايش الاجتماعي والوطني، بلا مجافاة أو خصومات أو تباعد. ثامناً: تحقيق التفاهم مع الحضارات والثقافات الإنسانية، وتأكيد انخراط المسلمين ضمن التعددية الحضارية لبني الإنسان، وتوظيف هذا التفاهم لتحقيق السلام العالمي وحمايته. تاسعاً: دعم التواصل بين أتباع المذاهب الإسلامية سعياً إلى وحدة الأمة، وتخفيفاً من آثار العصبية والخصومة. ثانياً: منهج الحوار وضوابطه ووسائله أ. منهج الحوار وضوابطه: تدارس المؤتمر منهج الحوار وضوابطه من خلال الآيات القرآنية التي تتضمن دروساً حوارية بين الأنبياء وأقوامهم، وترسم ملامح الحوار المشروع، وتوضح ضوابطه ومحظوراته، كما تدارس التطبيق العملي لهذا المنهج في حياة النبي ص وأصحابه والعلماء المتمسكين بهديه:"قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني". يوسف: 108 وفي هذا الصدد أكد المؤتمر ما يلي: 1. الالتزام بضوابط الإسلام وآدابه في الحوار، بأن يكون موضوعياً، وبالحكمة والحجة والبرهان، والجدال بالتي هي أحسن، دون إسفاف أو تطاول على معتقدات الآخرين، مما لا يرتضيه الإسلام، ولا تقتضيه موضوعية الحوار:"ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظَلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أُنزل إلينا وأُنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون".العنكبوت: 46 2. الحوار الهادف والتعايش السلمي والتعاون بين أتباع الرسالات وغيرهم لا يعني التنازل عن المسلمات، ولا التفريط في الثوابت الدينية، ولا التلفيق بين الأديان، وإنما يعني التعاون على ما فيه خير الإنسان وحفظ كرامته وحماية حقوقه، ورفع الظلم ورد العدوان عنه وحل مشكلاته وتوفير العيش الكريم له، وهي مبادئ مشتركة جاءت بها الرسالات الإلهية، وأقرتها الدساتير الوضعية وإعلانات حقوق الإنسان، فالحوار يجري وفق القاعدة القرآنية:"لكم دينكم ولي دين".الكافرون: 6. ب. وسائل الحوار وآلياته: أوصى المؤتمرون رابطة العالم الإسلامي بالاهتمام بآليات الحوار ومؤسساته ووسائله وبرامجه، ودعوا الرابطة إلى ما يلي: 1. تكوين هيئة عالمية للحوار، تضم الجهات الرئيسة المعنية بالحوار في الأمة الإسلامية، وذلك لوضع استراتيجية موحدة للحوار ومتابعة شؤونه وتنشيطه والتنسيق والتعاون في ذلك مع الجهات المعنية به. وقرر المؤتمر تكوين فريق متخصص تختاره الرابطة ممن شارك فيه، لدراسة الخطوات اللازمة لتكوين الهيئة العالمية للحوار ووضع تصور لها يعرض على اجتماع لاحق للجهات المعنية بالحوار في الأمة الإسلامية، وكذلك متابعة ما صدر عن هذا المؤتمر. 2. إنشاء"مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي للتواصل بين الحضارات"، بهدف إشاعة ثقافة الحوار، وتدريب وتنمية مهاراته وفق أسس علمية دقيقة. 3. إنشاء"جائزة الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للحوار الحضاري"، ومنحها للشخصيات والهيئات العالمية التي تسهم في تطوير الحوار وتحقيق أهدافه. 4. عقد مؤتمرات وندوات ومجموعات بحث للحوار بين أتباع الرسالات الإلهية والحضارات والثقافات والفلسفات المعتبرة، يدعى إليها أكاديميون وإعلاميون وقيادات دينية تمثل مختلف الثقافات العالمية. وإذ يشكر المؤتمر الهيئات الإسلامية المختلفة على ما قدمته للحوار، فإنه يدعوها إلى المزيد من التعاون والتنسيق، في تطوير الحوار واستثماره في تحقيق مصالح الأمة الإسلامية، وذلك من خلال اتباع الخطوات التالية: - ممارسة الحوار ضمن ضوابطه وأهدافه الشرعية، وفيما يحقق المصالح العليا للأمة الإسلامية، ودراسة كافة مسائله وتأصيلها والإعداد الجيد لها وفق الأطر الشرعية، والتحلي بآداب الإسلام في الحوار، والنأي عن التجريح والإسفاف، والوقوف فيه موقف النِّد، مع الاعتزاز بالخصوصيات الثقافية للأمة المسلمة، وتمثيلها في اللقاءات الحوارية بما يليق بمكانتها الحضارية. - توحيد الموقف الإسلامي من الحوار من خلال الهيئة العالمية المختصة بذلك في رابطة العالم الإسلامي، واعتبار هذه الهيئة الملتقى التنسيقي الجامع لمؤسسات الحوار ولجانه، والالتزام بالرؤى الاستراتيجية التي تنبثق عنها. - تركيز الحوار في المشترك الإنساني، والمصالح المتبادلة، والعمل على تحقيق التعايش السلمي والعدل والأمن الاجتماعي بين شعوب العالم وحضاراته المختلفة، والتصدي للتحديات المعاصرة. - إشاعة ثقافة الحوار في المجتمعات الإسلامية والاهتمام بنشر كتبه وترجمتها، والتحذير من دعوات صراع الحضارات وانعكاساتها الخطيرة على السلم العالمي، والتعاون في ذلك مع وزارات الثقافة والإعلام والتربية في الدول الإسلامية. - الإفادة من تجارب الحوار والسعي إلى تطويره واستثمار برامجه، بمزيد من التعاون مع حكومات الدول الإسلامية ومؤسساتها في برامجها الحوارية سعياً للنهوض بالمشروع الحواري للأمة المسلمة، واستثماره في تحقيق أهدافها. - إعداد مجموعة من العلماء المتخصصين من ذوي الخبرة العالمية في الحوار في مختلف مجالاته وموضوعاته، وتدريبهم على المشاركة في المحافل الدولية للحوار، والمشاركة الإيجابية في اللقاءات الحوارية. ثالثاً: مع من نتحاور؟ تدارس المؤتمر تجربة الحوار بين المسلمين وغيرهم خلال العقود الخمسة الماضية، واستشرف آفاق مستقبل الحوار مع مختلف أتباع الرسالات والملل والثقافات، ورأى ما يلي: - فتح قنوات الاتصال والحوار مع أتباع الرسالات الإلهية والفلسفات الوضعية، والمناهج الفكرية المعتبرة، تحقيقاً لعموم رسالة النبي ص"وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً".سبأ: 28، مما يساعد على تحقيق المصالح الإنسانية المشتركة. - الانفتاح في الحوار على كافة الاتجاهات المؤثرة في الحياة المعاصرة، سياسية وبحثية وأكاديمية وإعلامية وغيرها، وعدم الاقتصار على القيادات الدينية. - شمول الحوار الجهات ذات المواقف المسيئة للإسلام، لبيان حقائق الإسلام وتوضيح المفاهيم الخاطئة التي قد تكون سبباً في إساءتهم. وإن المؤتمر ليؤكد حاجة العالم إلى المزيد من الحوار من أجل التفاهم والتوافق على صيغ تحول دون وقوع الصدام بين الحضارات. ويوصي المؤتمر رابطة العالم الإسلامي والمنظمات الإسلامية الرسمية والشعبية بما يلي: - إنتاج مواد إعلامية بمختلف اللغات ونشرها، تفند نظريات الصراع بين الحضارات، وتبين خطرها على المستقبل الإنساني، وعقد مؤتمر دولي حول: أخطار نظريات الصدام بين الحضارات على الأمن والسلم في العالم، وإشراك القيادات المؤثرة، الدينية والثقافية والسياسية والأكاديمية. - مطالبة دول العالم والمؤسسات الدولية وفي مقدمتها هيئة الأممالمتحدة بالقيام بواجباتها، في مواجهة ثقافة الكراهية بين الشعوب، ومواجهة الدعوات العنصرية الفاسدة التي تحض معتنقيها على كراهية غيرهم والاستعلاء عليهم، مما يقوض الأمن والسلم العالميين، ويتنافى مع الرسالات الإلهية والمواثيق الدولية، والنظر إلى هذه الدعوات على أنها جريمة تهدد التعايش السلمي بين الشعوب. - دعوة المسلمين في الدول التي يوجد فيها معهم مواطنون غير مسلمين بأكثرية أو أقلية متبادلة حسب الأحوال إلى إقامة حوارات لمعالجة ما قد يقع بينهم من خلافات ، لضمان حسن المعايشة بالسلام الاجتماعي، واعتبار الحوار الذي يحقق الوفاق الاجتماعي من أهم أنواع الحوارات. - دعوة المسلمين في دول غير إٍسلامية إلى الحوار المستمر مع أهالي تلك البلاد، وتأكيد تحليهم بصفات المواطنة الصادقة، مع عدم التفريط في واجباتهم الدينية. - التعاون مع حكومات الدول الإسلامية والمنظمات الإسلامية في مطالبة هيئة الأممالمتحدة ومنظمات حقوق الإنسان العالمية الرسمية منها والشعبية بتجريم حملات الإساءة الموجهة إلى الإسلام ورسوله ص والقرآن الكريم، وإصدار القرارات التي تدين الإساءة إلى الأنبياء ورسالاتهم، وتحول دون استغلال الحريات الثقافية والإعلامية بطريقة تقوض التعايش والأمن الدوليين. رابعاً: أسس الحوار و موضوعاته أ. أسس الحوار: درس المؤتمر الأسس التي يقوم عليها الحوار الجاد حول المبادئ الإنسانية المشتركة، وأكد على أهمية المبادئ الإسلامية العامة للتعايش والحوار، والتي تعتبر بحق مبادئ إنسانية تسعد بها البشرية، وهي: 1. الإيمان بوحدة أصل البشر، وأنهم متساوون في الإنسانية والكرامة:"يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة".النساء: 1. 2. رَفْض العنصرية والعصبية، والتنديد بدعاوى الاستعلاء البغيضة، فأكرم الناس عند الله أتقاهم، وفي الحديث الشريف يقول ص:"يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى". 3. سلامة الفطرة التي فطر الله تعالى الإنسان عليها، فالله تبارك وتعالى خلق خلْقه محباً للخير مبغضاً للشر، يركن إلى العدل، وينفر من الظلم، وإن بُعد البشرية وإعراضها عن هدي الله عز وجل، وهدي رسله صلوات الله وسلامه عليهم، هو السبب الرئيس لما يرزح الجنس البشري تحته من الشقاء الذي يهدد مستقبله، ولا منقذ من ويلاته إلا أن يصيخ السمع للنداء الإلهي"فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومَن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا".طه: 123-124 ومما يشجع على حوار المسلمين مع أتباع الرسالات الإلهية السابقة أن الإسلام يعترف بها، وأن المسلمين يؤمنون بأن أساس الرسالات الإلهية التي أنزلها الله على أنبيائه واحد، وهو الدعوة إلى عبادته وحده، وأن المسلمين لا يفرقون بين أحد من رسله:"والذين آمنوا بالله ورُسُله ولم يفرِّقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم". النساء: 152. ومما يشجعهم كذلك عالمية رسالة الإسلام وإنسانية شريعته بما تفيض به من معاني البر والعدل والرحمة للجنس البشري برمته:"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". الأنبياء: 107. ب. موضوعات الحوار: استعرض المؤتمر موضوعات الحوار، ودعا مؤسسات الحوار الإسلامية والعالمية لإعطاء الأولوية في الحوار للموضوعات الآتية: 1. حماية القيم والأخلاق من دعوات التحلل الخُلقي بدعوى الحرية الفردية. 2. ظواهر الإرهاب والعنف والغلو والتكفير، ودراسة أسبابها ووسائل القضاء عليها، والتعاون عالمياً على مواجهتها عبر مختلف الوسائل، ودحض شبهة إلصاقها بالإسلام والمسلمين. 3. مظاهر الظلم والقهر والبغي واستغلال مقدرات الأمم الفقيرة تحت ستار دعاوى تحرير الشعوب وحراسة حقوق الإنسان. 4. مظاهر العدوان على البيئة بكل مكوناتها، ومواجهة كل عدوان واقع أو متوقع عليها، لتلافي المخاطر والكوارث التي تعم الجنس البشري بكافة شعوبه:"ولا تُفسدوا في الأرض بعد إصلاحها".الأعراف: 65 5. مشكلات الأسرة وما لحق بنظمها المستقرة في الزواج المشروع والتكاثر من انهيار، والتعاون الدولي على حمايتها، وتوفير مقوماتها الأساسية ومساعدتها مادياً ومعنوياً على إعداد جيل صالح يعمر الأرض وفق الهداية الإلهية. 6. الإعلام في الحياة المعاصرة، واتجاه بعض وسائله إلى إفساد القيم الأخلاقية وإثارة الفتن وتأجيج الصراع والترويج للانحراف والجريمة والإدمان، والتعاون دولياً على توجيهه لأداء واجبه الفعال في إشاعة القيم والأخلاق الفاضلة. 7. حقوق الإنسان وما لحقها من انتهاكات، والتعاون عالمياً على حمايتها، ووضع آليات تكفل العيش الكريم للإنسان. 8. التحديات المختلفة التي يواجهها الإنسان على الصُعد الثقافية والاجتماعية والأخلاقية والتربوية.