تعد الدراسة التي أنجزتها الدكتورة أميرة الزهراني، وعنوانها:"الذات في مواجهة العالم: تجليات الاغتراب في القصة القصيرة في الجزيرة العربية"المركز الثقافي العربي - بيروت 2007، إحدى أهم الدراسات النقدية التي ظهرت في السعودية في مطلع القرن الجديد، فقد استوعبت الباحثة المنجز النقدي العالمي والعربي والمحلي، لتشي بتحول مهم في مستوى الدراسات البحثية في المملكة، التي غلبت عليها كما أشارت الباحثة المعالجات البحثية في ضوء المنهج التاريخي. واختارت الباحثة فضاء الجزيرة العربية كاملاً لتشابه الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فيها في ما بعد الستينات الميلادية 1960-2000، أو على الأقل وجود قدر من التعاطي بين ثقافات الجزيرة العربية من اليمن جنوباً وحتى الكويت شمالاً. وقامت الباحثة بتحليل كثير من القصص القصيرة في الخليج العربي واليمن والسعودية، وتوزعت الأسماء المدروسة ما بين قاصين وقاصات، ومن تلك الأسماء أحمد عبدالله صقر من الإمارات في مجموعته القصصية الشهيرة"الخشبة"، وزيد مطيع دماج في مجموعتيه"الجسر"و"أحزان البنت مياسة"، ومحمد عبدالولي في مجموعته القصصية"شيء اسمه الحنين"، ومن البحرين أمين صالح في عدد من مجموعاته القصصية من أهمها"هنا الوردة.. هنا نرقص". ومن عمان يبرز محمد بن سيف الرحبي في مجموعته القصصية"بوابات المدينة"، ومن السعودية يظهر عبدالله السالمي في مكعبات الرطوبة، ومحمد علوان في"الخبز والصمت"و"الحكاية تبدأ هكذا". أما القاصات فمن أبرزهن ليلى العثمان في أكثر من مجموعة قصصية منها:"لا يصلح للحب"،"ويحدث كل ليلة"، وأميمة الخميس في مجموعتها"أين يذهب هذا الضوء"، وكلثم جبر في أكثر من مجموعة قصصية لها منها"أنت وغاية الصمت والتردد"، ويحتوي البحث على مجموعات قصصية وأسماء أخرى غير ما ذكر، ولكن اللافت للنظر أن كفة الأسماء المدروسة تميل إلى المجموعات القصصية من خارج السعودية، ولا سبب يبدو وراء هذا الميل غير المتكافئ سوى اغتراب الباحثة عن بعض إشكالات الاغتراب! أما المنهج النقدي الذي غربلت به الباحثة تمظهرات الاغتراب في تلك القصص فهو منهج النقد الموضوعاتي Thematique"وهو من اتجاهات النقد الحديثة التي تنهض على مستوى الدلالة في النص، وتتيح استخدام كل المفاتيح الممكنة من ظواهر وجودية وجمالية ونفسية وغيرها"ص17. ويتوزع البحث على مقدمة وتمهيد وأربعة فصول تحتوي على الأنماط الرائجة للاغتراب كما تقول الباحثة وهي: الاغتراب الذاتي والاغتراب الاجتماعي والاغتراب الثقافي والاغتراب المكاني. وفي الاغتراب الذاتي عالجت ثلاثة أنواع منه هي: الاغتراب الذاتي الناتج من التنكر الاجتماعي وتعاطي الأقنعة والتزييف التي فرضتها حياة المدينة، والاغتراب الذاتي الناتج من الانفصال عن العمل عند ماركس، والاغتراب الذاتي الوجودي. وفي الاغتراب الاجتماعي يتحدد الانفصال بانسلاخ المرء عن المجتمع، سواء أكان بنية أم كان أفراداً، ففي الانفصال عن المجتمع بوصفه بنية تناولت الباحثة أشكال اغتراب الفرد في مواجهة السلطة التي تسلبه كرامته وحريته ولا تعطيه الحماية والأمن، أما في الانفصال عن المجتمع بوصفه أفراداً فركزت الباحثة على ما سمته الاغتراب الزوجي، ولم تتناول من قريب أو بعيد الاغتراب العاطفي خارج نطاق الزوجية، إلا في ضوء كونه تعويضاً عن الاغتراب في بعض صوره. أما في الاغتراب الثقافي حيث ينفصل المثقف عن قيم المجتمع المصنوعة بأدوات الغسل الدماغية الجبارة، فتناولت الباحثة موقف المثقف بين مثقف إيجابي ومثقف سلبي في مواجهة مفرمة المجتمع التي تتموسل بها سلطة المؤسسة أياً كانت تلك المؤسسة لتغييب الوعي. ومن العجيب أن تتوقف الباحثة عند كسر رأس المثقف كحل وحيد، نعم هو الحل الوحيد الذي تصل إليه سلطة المؤسسة المتخلفة، وإذا كان الدكتور حليم بركات غربة المثقف العربي، المستقبل العربي ع 2 تموز 1978 ص 106 يرى أن عملية اغتراب المثقف هي عملية صيرورة تتكون من ثلاث مراحل متصلة اتصالاً وثيقاً، فالمرحلة الأولى تكون نتيجة لوضع الفرد في البناء الاجتماعي، ومن ثم يكون هناك تدخل واع للفرد لوضعه في تشكيل المرحلة الثانية، وفي النهاية تنعكس المرحلة الثالثة على تصرفه إنساناً مغترباً، فإن الدكتورة أميرة الزهراني لم تقف كثيراً على درجات الاغتراب في النمط الواحد أو في جميع الأنماط وقفة متأنية لسبر هذه الدرجات، إذ درجات الاغتراب ربما تكون أهم من الاغتراب نفسه، لأنها تحدد مفهوم الاغتراب النسبي أكثر من وضع تقسيمات حدية لأنواع الاغتراب البينة التداخل. ومن أهم ميزات هذا العمل إضافة إلى التميز المنهجي هو جرأة الباحثة في الولوج إلى بعض مواضيع التابو المعروفة، التي من غير السهل أن يتعرض لها باحث فضلاً عن باحثة من بيئات الجزيرة العربية نفسها، التي تعاني فيها المرأة أكثر من غيرها من مساوئ الاغتراب. وهذه الجرأة العلمية للباحثة تحسب في رصيدها العلمي، مما يهيئ لها مكاناً بارزاً في ساحة النقد في السعودية لا يمكن أن يُمحى، ويجعل عملها من الدراسات المفصلية التي قامت بها المرأة في بلادنا.