جلسة نقاشية حول التحول المؤسسي للمستشفيات الجامعية    نائب أمير منطقة مكة يستقبل المدير العام للأكاديمية الوطنيّة(ناڤا)    الهيئة العامة لتنظيم الإعلام تطلق تقريرَي حالة الإعلام السعودي وذائقة المجتمع    رئاسة الشؤون الدينية تعلن جدول صلاتي التراويح والتهجد بالمسجد الحرام والمسجد النبوي لعام 1447ه    اليمن يفضح الانتهاكات في السجون السرية الإماراتية    الولايات المتحدة ونيوزيلندا تؤكدان توسيع التعاون في منطقة المحيطين الهندي والهادئ    13 وفاة في نيويورك جراء موجة صقيع منذ الشهر الماضي    أمطار رعدية ورياح نشطة على عدة مناطق وتأثيرات بحرية متفاوتة على البحر الأحمر والخليج العربي    أسعار النفط تستقر مع ترقب الأسواق التهدئة بين أمريكا وإيران    أرامكو السعودية تكمل إصدار سندات دولية بقيمة 4 مليارات دولار    النموذج السعودي.. حين تكون الخدمة مبدأ لا صفقة    ملتقى ويفز فضاء إبداعي    المخالفات تحاصر بعض الشباب    الحوار ما بين الثقافة وبناء الحضارات    كريم بنزيما والمشروع الرياضي السعودي    أمير نجران: القيادة تولي اهتماماً برسالة هيئة كبار العلماء    نائب رئيس الشورى يلتقي وفد إمارة الحدود الشمالية    أمانة جدة تفحص 7,448 عينة غذاء    «بيئة القنفذة».. جولات مكثفة على الأسواق والمسالخ    فيصل بن بندر يرأس اجتماع مجلس أمناء مؤسسة الرياض الخيرية للعلوم    أمير الجوف يستعرض أعمال الاتصالات    «صحي الرياض الأول» يختتم مؤتمر «طب الأسنان الدولي»    رحلات العقيلات    «سان سيرو» يستعد للرقصة الأخيرة في افتتاح الأولمبياد الشتوي    في الشباك    «أبو فروة».. طعمٌ وقيمة غذائية    مستشفى الملك فهد في جازان يُجري عملية بالذراع الروبوتية    وسط مؤشرات إقليمية للوساطة.. تحركات إيرانية لفتح مسار تفاوضي مع واشنطن    المملكة تعزي شعب الكونغو جراء انهيار منجم    «الشورى» يطالب الجامعات بتعزيز التحول الرقمي    أمانة جدة تتلف طناً من الخضراوات الفاسدة    كسوف كلي للشمس 12 أغسطس المقبل    مطارات السعودية استقبلت 20 مليون مسافر 2025    المملكة تعزي حكومة جمهورية الكونغو الديموقراطية في ضحايا منجم المعادن    رسميًا.. الهلال يُعلن عن ضم كريم بنزيمة    الهلال يُعلن تكفل الأمير وليد بن طلال بصفقة بنزيمة    عمرو سعد يعتزل الدراما «بعد رمضان»    جرائم لندن.. تطرد النجم توم كروز    «إثراء»: إطلاق ماراثون «أقرأ» بمشاركة 52 مكتبة    إنزاغي يُعلن تفاصيل إصابة سافيتش    كريم بن زيمة هلاليا حتى 2027    المفتي يكلف أعضاء «كبار العلماء» بالفتوى في المناطق    المحترق    منصات التواصل تعرقل تقليل استهلاك اللحوم    ذكاء اصطناعي يرسل سياحاً إلى المجهول    التلاعب النفسي    ميتا وورلد    Meta تختبر الاشتراكات المدفوعة    فيلم ميلانيا يتجاوز توقعات الإيرادات    %99 من المليارديرات قلقون ما الذي يخيف الأثرياء في 2026    الهلال يعلن رسميًا التعاقد مع الفرنسي كريم بنزيما    فيتامين B1 ينظم حركة الأمعاء    تقنيات روبوتية لاستعادة أعضاء بشرية    أمانة نجران تنفذ 22 ألف جولة خلال يناير    المفتي العام للمملكة يكلف عددًا من أعضاء هيئة كبار العلماء بالفتوى في مناطق المملكة    نائب أمير نجران يلتقي قائد حرس الحدود المعيَّن حديثًا بالمنطقة    القيادة تعزي رئيس كوريا في وفاة رئيس الوزراء الأسبق    نائب أمير جازان يلتقي مشايخ وأهالي محافظة العيدابي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مفتي مصر : عدم نقل سماحة الإسلام جعل الآخرين يختزلونه في "حالات العنف"
نشر في الحياة يوم 15 - 12 - 2006

أصّل مفتي مصر الدكتور علي جمعة أخيراً المعاني الكلية لمنهج الإسلام في علاقاته مع الآخرين. وأكد أمام جمع من طلاب جامعة كمبردج البريطانية وأعضاء هيئة تدريسها، أن دين المسلمين من مادة"السلام"الذي ينشده البشر كافة"اسم الدين هو من مادة لغوية تعني السلام، ونجد أن السلام عند المسلمين اسم من أسماء الله تعالى، طبقاً لآية من سورة الحشر السلام ونجد أن هذه الكلمة هي التي يحيي بها المسلمون بعضهم، وأنها هي الكلمة الأخيرة التي يختم المسلمون صلاتهم وهم يعتقدون بأنهم عندما يختمون الصلاة يواجهون الحياة، فكأنهم يواجهنا أول ما يواجهنا به بالسلام".
وبعد أن استعرض مبادئ الإسلام في وحدة الجنس البشري وحرية الاختيار، خلص إلى أن الانطباع لدى فئات كثيرة من ذوي الديانات المختلفة عن الإسلام"لا ريب أن منشأُه الجهل بالإسلام"، بصفته ديناً يحمل هذه المضامين.
وشدد على أن"المشكلة، وهذا الواقع غير منقول، أن المسلمين في كثير من بقاع العالم، وهم أكثر من بليون وثلاث مئة مليون أي ربع سكان الأرض في حال سلام مع النفس ومع الجيران، وفي حالة سلام مع الله"إلا أن ضغوطاً سياسية وأهواءً اجتماعية وجهلاً دينياً عميقاً حرّك طائفة من الشباب ممن لم يدرسوا أبداً الشريعة ولم يتخرجوا في معاهدها من أجل تفريغ الإحباط الذي أصيبوا به من موقف المتشددين ضد الإسلام، ولم نعد هذه الحالة مبرراً للجرائم التي يرتكبونها، وإنما عندما بحثنا بحثاً علميا هادئاً عن سبب هذا التناقض بين تصرفات أولئك وبين ما يدعو إليه الإسلام توصلنا إلى هذه النتيجة من أن الجهل والإحباط والأهواء السياسية هي التي دفعت أولئك، وليس الدين ذاته أو مقرراته وأحكامه". وفي ما يأتي نص كلمته:
أول كلمة تواجهنا في القرآن عندما نفتحه ونقرأه"بسم الله الرحمن الرحيم"، وهي الكلمة التي يبدأ بها المسلمون كلامهم، ويبدأ بها المسلمون أكلهم وشربهم، ويبدأ بها المسلمون أركان صلاتهم، ويبدأ بها المسلمون ذبحهم للأنعام التي خلقها الله وسخرها لبني آدم"ولذلك أبدأ محاضرتي بهذه الكلمة الطيبة"بسم الله الرحمن الرحيم".
إن من العدل إذا أردنا أن نتكلم عن دين من الأديان وعما يدعو إليه فإنه يجب علينا أن ننظر إلى ثلاثة أشياء، الأول: هو مصادر ذلك الدين. والثاني: تاريخ أتباعه. والثالث: واقع هؤلاء الأتباع في عصرنا الذي نعيش فيه.
وأنا أتكلم في لقائنا هذا اليوم عن الإسلام، ومصادر الإسلام [القرآن والسنة]، وتاريخ المسلمين مسجل بطريقة علمية وواضحة، وواقع المسلمين مشاهد ومعاش في الوقت الراهن.
1- إذا ذهبنا لنفهم الإسلام من مصادره لوجدنا الحقائق الآتية:
أولاً: اسم الدين هو من مادة لغوية تعني السلام، ونجد أن السلام عند المسلمين اسم من أسماء الله تعالى طبقا لآية رقم من سورة الحشر"السلام"ونجد أن هذه الكلمة هي التي يحيي بها المسلمون بعضهم، وأنها هي الكلمة الأخيرة التي يختم المسلمون صلاتهم وهم يعتقدون بأنهم عندما يختمون الصلاة يواجهون الحياة، فكأنه يواجهنا أول ما يواجهنا به بالسلام.
والسلام عندهم ضد الحرب، وهناك دعوة صريحة واضحة في القرآن الكريم في شأن أولئك الذين يعتدون على الناس وعلى المسلمين يقول فيها القرآن الكريم:"وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ"[الأنفال :61]. وهناك دعوة صريحة في القرآن الكريم يقول فيها الله سبحانه وتعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ"[البقرة:208]، وهي آية تدل على أن السلام من الرحمن وأن ضده من الشيطان. كما أن الجنة التي وعد الله بها المتقين في يوم الدينونة تسمى عند المسلمين بدار السلام، والكلام الذي يجري بين أهل الجنة يتكلم عن السلام، قال الله تعالى:"دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ"[يونس:10].
هذا هو الذي يتربى عليه المسلم في عموم الأرض، ولذلك عندما يسمع صورة غير هذا فإنه يتعجب في بعض الأحيان ويشعر بأنه مظلوم وبأن الناس تشوّه صورته، وتتكلم عن شخص آخر لا علاقة له به.
ثانياً: يؤكد القرآن أن الله قد خلق الخلق على أنواع مختلفة فيقول:"وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ*إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ"[هود:118، 119].
ويؤكد في سورة الروم أنه قد خلق الخلق بألوان مختلفة وبألسنة مختلفة وأن هذا من آياته اللافتة لنظر عباده الداعية لعبادته سبحانه وتعالى وحده:"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ*وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ* وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ"[الروم :20 : 22].
وفي هذه الآيات نص قطعي على وحدة الجنس البشري، ونص قطعي على أن الاختلاف هو من خلق الله، وبناء على ذلك أمر الإسلام بحرية العقيدة حرية تامة، ويتمثل ذلك في قوله تعالى:"لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ"[الكافرون:6]، وفي قوله تعالى:"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ"[البقرة:256]. وفي قوله تعالى:"وَقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ"[الكهف :29]. وقال تعالى:"ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ"[النحل:125].
وقال تعالى وهو يقرر مبدأ حرية الاختيار:"وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ"[سبأ:24] وقال تعالى وهو يقرر حسن الاجتماع البشري:"وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ"[العنكبوت:46]. وقال تعالى:"فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًا غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ"[آل عمران:159].
ويتمثل أيضاً في أنه رفض النفاق رفضاً تاماً، وجعله من أسوأ الأخلاق قال تعالى:"إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا"[النساء:145]، وفي كثير من آيات القرآن تحذير من النفاق ومن المنافقين باعتباره من أكبر الخطايا، ولذلك إذا أكره إنسان آخر على الدخول في الدين فإنه سيُنْشِئُ منافقاً والمطلوب هو أن يُنْشِئَ مؤمناً تقياً مقتنعاً، وليس منافقاً يقول بلسانه ما لا يعتقده في قلبه، فكيف يتهم الإسلام - وهو بهذه الحالة وبهذه العقيدة - أنه يدعو أتباعه إلى نشر الدين بالعنف أو بالسيف.
إن هناك مشكلة حقيقية لدى غير المسلمين في فهم النصوص الشرعية، وهي تشبه أيضا فهم غير المتخصصين من المسلمين الذين افتقدوا الأدوات المنهجية لتفسير النصوص العربية، ومثال ذلك في مقامنا هذا حديث منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يقول فيه""أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله"والعلماء المسلمون عندما يأتيهم مثل هذا الحديث فإنهم يفهمونه من خلال مقررات القرآن القطعية، ومن خلال أحداث السيرة النبوية، ومن خلال مقتضيات اللغة العربية.
فالحديث يقول أمرت ولم يقل أمرتم، إذاً فهو خاص بحالة كان يعيشها النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا رجعنا إلى عصره وجدنا أن المشركين بمكة يحاربونه في بدر وهي من ضواحي المدينة، إذاً هم الذين انتقلوا وهم الذين بدأوا بالعدوان، ثم بعد ذلك في موقعة تسمى بأحد وهي في المدينة أيضاً، ثم في موقعة تسمى بالخندق وهي في المدينة أيضاً، وهكذا يظهر أن هؤلاء كانوا مصرين على القضاء على الدعوة الجديدة بواسطة العنف والحرب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في حال دفاع عن النفس، وهو الأمر المشروع عند جميع عقلاء البشر.
إنه كان يدعو الناس إلى أن يكونوا أقوياء في ذاتهم، وهناك فرق بين القوة والعنف، وفي الحديث:"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير"، فإذا فُصِل هذا النص عن القرآن، وفُصِل هذا النص عن الأحداث الزمنية التي قيل فيها، وفُهِم بصورة غير دقيقة لا تستعمل أدوات التحليل اللغوي فإنه يؤخذ منه كما يذهب إليه المتطرفون بأنه يجب عليهم أن يقاتلوا الناس جميعا وأن يُكْرِهُوهُمْ كرهاً على الدخول في الإسلام، وهي صورة مقيتة مشوهة، يرفضها العلماء، ويدعون إلى ما استقر في القرآن والسنة من معاني تتناقض تماماً مع هذه الصورة المشهورة.
ثالثاً: ورد في القرآن أكثر من 6 آلاف آية، 300 منها فقط في الشريعة، والبقية تتكلم عن العقيدة والأخلاق، وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو 60 ألف حديث، منها الصحيح، ومنها غير الثابت، ألفان منها فقط تتكلم عن الشريعة والقانون وبقية هذه الأحاديث تتكلم عن العقيدة والأخلاق. وفي الحديث النبوي: إنما بعثتم لأتمم مكارم الأخلاق"، والصفة التي يصف الله بها نبيه في الكتاب:"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ"[الأنبياء:107]، وأيضاً:"وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ"[القلم:4].
والمتأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجده يدعو إلى كل خير ويدعو إلى عبادة الله، وفي القرآن:"وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ"[الذاريات:56]، وإلى عمارة الأكوان وفي القرآن:"هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ"[هود:61]، وإلى تزكية النفس وفي القرآن:"قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا"[الشمس:9،10].
2- وإذا ذهبنا إلى تاريخ المسلمين وجدنا هذا الذي ذكرناه واضحاً، فهو تاريخ قد خلا من إبادة الشعوب، ومن الإكراه على الدخول في الدين، ومن الاحتلال وأخذ ثروات البلاد ونهبها لمصلحة الأرض الأم [الحجاز] وبناءها. كما حدث بشأن الاستعمار في العالم كله وعلى مر التاريخ، بل كان المسلمون إذا دخلوا البلاد تزوجوا من أهلها، وبواسطة العائلة والحب والود، انتشار الإسلام، هذا ما يؤكده ريتشارد بليوت في ما يأتي:
إننا ندعي أن تاريخ الإسلام كان نظيفاً حاول فيه المسلمون أن يستوعبوا الحضارات الأخرى، ولم يَدَّعُوا قط أن حضارتهم هي الوحيدة، بل إنهم أحبوا حضارتهم وأبدعوا كثيراً من الفنون والآداب والعمارة، وقدموا الإنسان قبل البنيان، والساجد قبل المساجد، ولذلك عندما يسمعون صورة مختلفة لهذا وتنحية لفترة حضارتهم وعزلها بطريقة تنبئ عن تعصب الآخرين فإنهم يحزنون.
وبعض الناس يستغل أحداثاً حدثت لا علاقة لها بالنظام الإسلامي ولا بالدين الإسلامي وأحكامه، وهذه الأحداث لم تكن ضد غير المسلمين وحدهم، بل كانت ضدهم وضد المسلمين في الوقت نفسه، يقول غوستاف لوبون في كتابه حضارة الإسلام: إذا حدث في فترة من الفترات أن تعرض أبناء غير المسلمين لمضايقات وإساءات تخالف مبادئ الإسلام وأحكامه ووقع عليه بعض الاعتداءات من جانب أفراد من المسلمين أو بعض أفراد السلطة عبر التاريخ فإن ذلك لم يكن منصباً على غير المسلمين وحدهم، بل وقع على كل فئات المجتمع من المسلمين وغيرهم.
3- وإذا نظرنا إلى واقع المسلمين اليوم فإننا لا نجد أي جيش من جيوش المسلمين في أرض غير بلادهم، في حين أننا نرى القوات الأميركية والإنكليزية تحتل العراق وأفغانستان، ونرى القوات الإسرائيلية وهي تحتل الأراضي بعد سنة 1967 على رغم كل القرارات الدولية المتعلقة بذلك، والتي تدعو فيها إسرائيل إلى ترك الاحتلال.
إن هذه المشكلة وهذا الواقع غير منقول، إن المسلمين في كثير من بقاع العالم، وهم أكثر من بليون وثلاث مئة مليون أي ربع سكان الأرض في حال سلام مع النفس ومع الجيران، وفي حالة سلام مع الله، إلا أن ضغوطاً سياسية وأهواء اجتماعية وجهل ديني عميق حرك طائفة من الشباب ممن لم يدرسوا أبداً الشريعة ولم يتخرجوا في معاهدها من أجل تفريغ الإحباط الذي أصيبوا به من موقف المتشددين ضد الإسلام، ولم نعد هذه الحالة مبرراً للجرائم التي يرتكبونها وإنما عندما بحثنا بحثاً علمياً هادئاً عن سبب هذا التناقض بين تصرفات أولئك وبين ما يدعو إليه الإسلام توصلنا إلى هذه النتيجة من أن الجهل والإحباط والأهواء السياسية هي التي دفعت أولئك، وليس الدين ذاته أو مقرراته وأحكامه.
ويقوم الإعلام بتكريس الإسلام"فوبيا"والتركيز على تصريحات هذه الفئة القليلة من دون الاهتمام بما عليه كل المسلمين في الشرق والغرب.
ومن هذا كله يتضح أن الإسلام عقيدةً وديناً لا يمنع المسلمين الذين يعيشون في أركان الأرض من أن يندمجوا في مجتمعاتهم التي اختاروا أن يعيشوا فيها، وأن يوالوا هذه المجتمعات، بل إن القرآن يقرر أن هذا هي الحال التي خلق الله الخلق عليه قال تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ"[الحجرات:13]. وقال:"وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ"[البقرة:251] وقال:"لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ"[الممتحنة:8].
مسؤولية كبيرة على القادة الدينيين
نحن نرى أن ظاهرة التطرف العنف في عالمنا اليوم ظاهرة عالمية عمت الأرض بجميع أديانها ومذاهبها وأنها ليست صناعة إسلامية، وأن من يدعو إلى صِدام الحضارات يحاول أن يذكي هذه الفكرة عن الإسلام، والإسلام بريء منها كما رأينا"ولذلك فإن هناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق القادة الدينيين لصنع السلام وإدارة الأزمات وتجاوز هذه الحال غير السعيدة التي تنتج من الشقاق من دون الوفاق.
إن الذي درسناه في العالم الإسلامي أن أول حديث نبوي يرويه الشيخ لتلميذه:"الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، ودرسنا قول علي بن أبي طالب الخليفة الراشد لمالك بن الأشتر وهو يوليه على مصر ويوصيه بالشعب: ولا تكن عليهم سَبُعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الذلل، وتعرض منهم العلل، ويُأتى على أيديهم في العمد والخطأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثل ما تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه.
ولقد أباح الله للمسلمين أن يدافعوا عن أنفسهم عند تعرضهم للعدوان، وهو أمر قد تقرر في كل الشرائع التي عرفناها"وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ"[البقرة:190]، وأكد ذلك مرات في السورة نفسها:"فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفَُورٌ رَّحِيمٌ"[البقرة:192]، وقال:"فَإِنِ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ"[البقرة:193].


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.