إلى عقود خلت، كانت قضايا إثبات النسب للأبناء تدور "سراً خلف الغرف المغلقة" وداخل غرف المحاكم على خلفية أن الحديث عنها أشبه ب"تفجير لغم"داخل الزحام، لكنها فجأة ومن دون مقدمات خرجت إلى"العلن"، لتؤكد أنها أصبحت قضية شائكة، أطرافها ونتائجها لا تحدد شخصاً بعينه، وإنما مجتمعاً بأكمله وحقوقاً وواجبات كثيرة لأطرافها كافة. وثمة توافق على أن خروج قضايا إثبات النسب من"السرية"إلى"العلنية"كان نتاج عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية مر بها المجتمع السعودي، وأدت أخيراً إلى ضرورة"المكاشفة"و"الشفافية"في الحديث عنها. لكن الغريب أن البحث والتقصي داخل قضايا إثبات النسب، أظهر الكثير من المفارقات والنتائج، لعل في مقدمها الجدل حول استخدام الأساليب العلمية الحديثة لحسم مسألة"النسب". "الحياة"استطلعت آراء عدد من الاختصاصيين والأطراف ذات العلاقة، في هذا الشأن. أثار تزايد قضايا إثبات النسب في السعودية، والمنظورة في المحاكم السعودية، جدلاً حول استخدام الأساليب العلمية الحديثة، للوصول إلى الحقيقة، وفي مقدمها إجراء تحليل الحامض النووي المعروف باسم D.N.A . وأكد محامون وقضاة"أن مجمع الفقه الإسلامي، ومقره جدة، لا يزال يرفض نتائج تطبيق نتائج تحليل الحامض النووي في إثبات النسب". موضحين"أن السبب الرئيس هو أن النص الشرعي يعتبر الفاصل في تلك القضايا، وهو"الابن للفراش". وبحسب الاختصاصيين والأطراف ذوي العلاقة المباشرة بقضايا إثبات النسب، فإن المحاكم تسجل نمواً ملحوظاً في هذا النوع، والسبب الرئيس هو في تفشي العلاقات غير المشروعة في المجتمعات ومنها السعودية، على خلفية زواج الكثير من السعوديين من الخارج بعقود"غير رسمية"أو المعروفة باسم"العرفية"، وهي عقود غير معترف بها في ساحة القضاء السعودية. ويقول المستشار القانوني لجمعية حقوق الإنسان في السعودية المحامي الدكتور عمر الخولي"إن قضايا إثبات النسب موجودة في المحاكم السعودية، ولكن الجديد فيها هو الإعلان عنها وتداولها في الصحف المحلية". ويضيف"هناك ارتفاع في معدلات تلك القضايا المنظورة في المحاكم السعودية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، خصوصاً بعد اكتشاف نتائج وأثر تحليل الحامض النووي في حسمها، ما شجع الكثيرين على رفع قضايا إثبات نسبهم". وعلى رغم تسجيل المحاكم السعودية طلبات إثبات النسب، إلا أن القضاء السعودي لا يعتمد على نتائج تحليل الحامض النووي كدفوع قانونية وشرعية، بل إن القاعدة المطبقة في القضاء تعتمد على القاعدة الشرعية"الولد للفراش"، وعليه فمن الصعب إثبات النسب من دون وجود عقود نكاح، أو اعتراف الأب بتلك العلاقة. وهنا يعلق رئيس محاكم منطقة الباحة الدكتور مزهر القرني قائلاً"إن عدم الاعتماد على نتائج تحليل الحامض النووي سببه احتمال الخطأ فيه، وإن كان بنسبة قليلة". لافتاً إلى أن نتائج التحليل النووي لم يتم إقرارها واعتمادها من جانب المجمع الفقهي وهيئة كبار العلماء، لاعتماد نتائج قرائن للفصل في تلك القضايا". وأضاف"أن القضاء في السعودية يعتمد على النص الشرعي والقاعدة الشرعية، في الفصل في قضايا إثبات النسب". وأشار القرني إلى أنه"من دون وجود عقد نكاح رسمي، أو اعتراف الأب بالابن أمام القاضي، لا يمكن إثبات نسب الأبناء، وإن كان هنالك عقود نكاح عرفية معترف بها في بعض الدول الإسلامية والعربية، وهذا الاختلاف في الأحكام القضائية تسبب في تهاون البعض من السعوديين في عقود الزواج في الخارج، إذ إن نسبة كبيرة من السعوديين الذين يتزوجون عرفياً من بعض الدول العربية المجاورة أثناء قضائهم لإجازاتهم الصيفية في تلك الدول، يعودون تاركين خلفهم أبناء لهم من زوجات أجنبيات". وهنا يقول المستشار الخولي"بحسب علمي سجلت المحاكم عدداً من قضايا إثبات النسب عبر أجنبيات من دول عربية تزوجن سعوديين، وفي العادة تعد تلك الزيجات من العلاقات العابرة، خصوصاً إن كان عقد النكاح عرفياً، والذي يعتبره القضاء السعودي غير مشروع، ما يعني أن العلاقة غير شرعية، وهنا يصعب إثبات نسب الأولاد للزوج، إلا في حال إقراره بذلك أمام القاضي، خصوصاً وأن القضاء السعودي لا يعتمد على نتائج تحليل الحامض النووي". ويؤكد الخولي، بوصفه محامياً ومستشاراً قانونياً، تعامل مع سبع قضايا إثبات نسب في السنة الأخيرة، تقدمت بها أجنبيات ضد أزواجهن السعوديين، من بينهن امرأة من دولة عربية قدمت إلى السعودية بتأشيرة عمرة، لرفع قضية إثبات نسب لابنها من زوجها السعودي، الذي اختفى بعد موسم الصيف الماضي. وعلى رغم ارتفاع قضايا إثبات النسب لأبناء الأجنبيات من أزواج سعوديين، فهي قليلة في المحاكم السعودية، قياسا مع الدول الأخرى. ويؤكد الدكتور القرني"أن قضايا إثبات النسب تكاد تكون نادرة في المجتمع السعودي، خصوصاً إذا كان أطراف النزاع سعوديين". مرجعاً ذلك"إلى طبيعة المجتمع السعودي القبلي، والذي تحترم فيه العلاقات الاجتماعية، والانتماء الأسري والقبلي، إذ من الصعب أن ينكر أحدهم أبوته لطفله". الطب الشرعي: 99.99 في المئة نسبة صحة نتائج الحامض النووي يقول مدير إدارة الطب الشرعي في مديرية الشؤون الصحية في منطقة مكةالمكرمة الدكتور علي رضا"إن نسبة صحة نتائج تحليل الحامض النووي تصل إلى نحو 99.99 في المئة، خصوصاً وأنها تكشف البصمة الوراثية للفرد". ويضيف"تؤخذ في الغالب عينة من دم الإنسان، أو شعره، أو جزء من العظام في حال وفاة الشخص، للكشف عن البصمات الوراثية الموجودة في كروموزومات الخلية". وحول تكوين تلك الكروموزومات، يوضح رضا"يتكون شريط الحامض النووي من عدد من الكروموزومات نصفها يعود للأب والنصف الآخر للأم، وهذا الشريط يوجد في كل خلية من خلايا جسم الإنسان". وبحسب رضا، فإن استخدامات تحليل الحامض النووي ذات النتائج المؤكدة"تنحصر في أشخاص مجهولي الهوية، بعد وفاتهم في حال تقدم أحد ما بسؤال للشرطة عن شخص مفقود، مؤكداً في الوقت نفسه أن الأسلوب هو من أحدث الوسائل في الكشف عن هوية الأشخاص، ومعرفة انتماءاتهم الأسرية". لكن الواقع أن استخدام تحليل الحامض النووي بقي بعيداً عن الواقع السعودي، بحسب الدكتور رضا الذي قال"لم تستقبل إدارة الطب الشرعي في جدة، أي قضية من هذا النوع، على رغم استخدامه في دول العالم كافة لإثبات نسب الأبناء في القضايا التي تحال إلى القضاء، أما في السعودية فإن هذا التحليل عادة ما يستخدم في معرفة هوية المجهولين". جمعية حقوق الإنسان: ضياع النسب سببه"عمد"أو"إهمال" أكدت عضو مجلس الإدارة في جمعية حقوق الإنسان السعودية الجوهرة العنقري أن"قضايا إثبات النسب موجودة في السعودية، لكن الحديث عنها بعلانية وطرحها في الصحف المحلية هو الجديد على المجتمع السعودي، خصوصاً مع إنشاء جمعية حقوق الإنسان، والتي تستقبل هذا النوع من القضايا". وتعتقد العنقري أن انتشار هذه القضايا في المجتمع السعودي والذي يوصف أنه محافظ إلى حد كبير"سببه إهمال الآباء تسجيل أبنائهم في دفتر العائلة، وهذا الإهمال ربما يكون متعمداً في بعض الأحيان، إذ يلجأ كثيرون إلى إخفاء زواجهم بأخرى أمام الزوجة الأولى وأبنائها، من خلال عدم إضافتهم في دفتر العائلة"، وتضيف"لكن الأمر ينكشف في حال وفاة الرجل، إذ يتنكر بعض الإخوة لأبناء الزوجة الثانية طمعاً في الميراث". وتؤكد"وجود قضايا ناجمة عن إهمال الأب غير المتعمد في إضافة أبنائه مما يترتب عليه مشكلات عدة في حال وفاته". وبالنسبة لقضايا إثبات النسب لأبناء الزوجات الأجنبيات، تقول العنقري"هي الأكثر نسبة في المحاكم السعودية، على رغم عدم وجود إحصائيات رسمية عن عددها، والتي تمثل مؤشراً لقياس أهمية المشكلة وهل وصلت إلى حد الظاهرة، أم أنها حالات فردية؟". وتضيف العنقري"يُسجل مجتمعنا السعودي عدداً من السلبيات التي لا تزال محل دراسة وبحث لكشف أسبابها ودوافعها، خصوصاً في شأن علاقات الزواج، كانتشار زواج المتعة والمسيار وزواج المصلحة"، مؤكدة"أن مثل تلك العلاقات ينتج منها العديد من المشكلات الاجتماعية، ومن بينها إثبات نسب الأبناء".