الجبير يستقبل المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط    «سلمان للإغاثة» يوزع مساعدات إيوائية على الأسر النازحة في محافظة حلب    ريادة عالمية للنموذج السعودي لجودة التعليم والتدريب    اختتام التصفيات الأولية لمسابقة الملك سلمان المحلية لحفظ القرآن    إطلاق مسار جديد لحافلات مكة يربط المسجد الحرام بحي حراء الثقافي    الإحصاء: 92% من طلبة التعليم العام ملتزمون بالدوام المدرسي    عودة حركة الطيران إلى عدن في ظل استتباب الأمن    نائب أمير مكة يطّلع على أعمال «موبايلي» خلال موسمي الحج والعمرة    150 عملية منظار للعمود الفقري ب"طبية مكة"    حساب المواطن: 3 مليارات ريال لمستفيدي دفعة شهر يناير    أمير تبوك يواسي فالح الحقباني في وفاة والدته    أمير الشرقية يستقبل رئيس مجلس إدارة جمعية "رعاية" لتيسير الزواج ورعاية الأسرة بالأحساء    السجل العقاري يبدأ تسجيل 8 أحياء في منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة    رقم قياسي لمحمد صلاح في كأس أمم إفريقيا    بدء العد التنازلي لنهاية محطة الفضاء الدولية    شعار موسم جدة يلمع بالذهب ويدخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية    حفل ل"هارموني عربي" بمهرجان الكُتّاب والقُرّاء    كييف تعلن إسقاط 125 طائرة مسيرة روسية خلال الليل        صندوق النقد: نمو الاقتصاد السعودي غير النفطي يواصل زخمه القوي    ضبط مواطن أشعل النار في غير الأماكن المخصصة لها في محمية طويق الطبيعية    إيران: مخاوف من تصعيد قمع التظاهرات مع حجب الإنترنت    المملكة ترفض أي محاولات لفرض كيانات موازية تمس سيادة الصومال    محافظ النعيرية يفتتح مهرجان ربيع النعيرية في نسخته الرابعة والعشرين    أكثر من 130 ألف زائر ل«بسطة الرياض»    «البلديات والإسكان».. استعدادات متواصلة للأمطار    توظيف الذكاء الاصطناعي يعزز الاستدامة    «كلاسيكو» الأرض.. ثأر ملكي أم استمرار التفوق الكتالوني؟    286 ألف جولة رقابية على مساجد المدينة    خطيب المسجد الحرام: سورة «ق» تبصرة وذكرى لأولي الألباب    الأهلي تفوق على الأخدود.. الرياض يعادل الفيحاء.. الفتح يهزم نيوم    «مليونا» زائر للرعاية الصحية بالأحساء 2025م    أمير الشرقية يختتم زيارته للأحساء    محمد بن عبدالعزيز يطلق فعاليات شاطئ "جيدانة"    فيصل بن نواف يرعى حفل ختام أعمال «استراتيجي تطوير الجوف»    وزير الشؤون الإسلامية يستقبل السفير السعودي لدى البوسنة    «مجيد» في مسقط.. مشاعر وأغانٍ تختصران التاريخ    أمير القصيم يزور متحف العقيلات    الجماهير في السعودية شغوفة بكرة القدم.. والمنشآت متطورة    الرياض يقتنص تعادلاً قاتلاً أمام الفيحاء    في ختام الجولة 14 من «روشن».. الأهلي يعبر الأخدود بشق الأنفس    يعزز تفوقه الجوي بصفقة باكستانية ب1.5 مليار دولار.. الجيش السوداني يحرر مدنيين ويستعيد «أم قليب»    "الداخلية" تنعى الفريق أول سعيد القحطاني    تدار بإشراف كوادر وطنية متخصصة.. 50 برنامجاً لإكثار الكائنات المهددة ب«ثادق»    صينية تهزم «الشلل» وتسدد ديون عائلتها    انتشار الأمن الداخلي لإعادة الاستقرار.. الجيش السوري يسيطر على «الشيخ مقصود»    جرينلاند بين الجليد والنار    بحضور أمراء ومسؤولين .. الجميعة يحتفل بزواج سطام وسعود    «زاتكا»: تسجيل 862 حالة ضبط    إرساء عقود صيانة ل 6478 مسجداً وجامعاً    باحث: بداية موسم الشبط الخميس المقبل    في انطلاق الجولة 16 من «يلو».. أبها لتعزيز الصدارة.. والفيصلي والدرعية للتعويض    «العصب السابع» يداهم لقاء سويدان    الإطاحة ب «بالتوأم المخادع» في مصر    لتنظيم العمل ورفع جودة الخدمات.. اعتماد لائحة مقدمي خدمات «السلامة والصحة»    نحن شعب طويق نحن فكرة قبل أن نكون عددًا    الفريق سعيد القحطاني سيرة عطاء ومسيرة وطن    سعاد عسيري تُجسّد حب جازان لقيادتها في قصيدة وطنية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الرسام العراقي صادق طعمة في معرض لندني . شظايا الذاكرة العراقية على رقم طينية
نشر في الحياة يوم 30 - 05 - 2010

قدم غاليري"آرت سبيس"في لندن معرضاً شخصياً جديداً للرسام العراقي صادق طعمة. وضمَّ المعرض وعنوانه"شظايا الذاكرة"47 عملاً فنياً بأحجام مختلفة نفذّها بالأكرليلك على"الكانفاس". تُحيل الموضوعات والأفكار التي تهيمن على ذاكرة الفنان صادق طعمة، سواء في هذا المعرض أو في معارضه السابقة، الى الموروث السومري القديم الذي يضم عشرات الآلاف من اللُقى والآثار الفنية الخالدة، غير أن هذه العودة الاختيارية الى التاريخ المُوغل في القِدم لا تعني البتّة أن صادق طعمة يعيش في كنف الماضي البعيد تاركاً الحاضر على أهميته الكبرى، ومُهمِلاً البُعد الاستشرافي الذي ينطوي عليه المستقبل.
فحينما ننعم النظر في تجربته الفنية بأبعادها ومضامينها المتشابكة، نكتشف ذلك الخيط القوي، الذي قد يبدو لا مرئياً للوهلة الأولى، مشدوداً الى عروة الحاضر، ومُمتداً منها الى سديم المستقبل بكل مفاجآته المدهشة التي قد تدفع بعالمنا الى برزخ جديد لم نألفه من قبل. هذا إضافة الى أسلوبه وألوانه وتقنياته الحديثة التي تفرز في خاتمة المطاف خطابه البَصَري الذي تتلاقح فيه مُعطيات القدِم والحداثة.
ثمة أعمال فنية كثيرة في هذا المعرض تعتمد هذا التلاقح، ولعلي أشير هنا الى ثلاثة أعمال فنية حملت عنواناً واحداً هو"نساء من الملح"وملامح المرأة، أو النساء عموماً، هي ملامح سومرية من دون شك.
وليس فقط القامة المَحنية أو العينين الواسعتين أو الحواجب الكثّة هي ما يُحيل الى إنسان تلك الحقبة الزمنية القديمة، بل المواد المُستعمَلة وخصوصاً الصلصال الذي يُعَّد علامة فارقة للحضارات العراقية القديمة التي توالت في وسط العراق وجنوبه. فكل الرُقم الطينية والأختام الأسطوانية والمسلات والنُصب والتماثيل والمعابد والأبراج وما الى ذلك من المعالم الفنية والحضارية كانت مصنوعة من الطين الفخاري، فلا غرابة أن يستعمل الفنان صادق طعمة الطين الاصطناعي ويعامله ببعض المواد الأخرى التي تحافظ على صلابته أطول مدة ممكنة.
هذه اللوحة، إضافة الى اللوحتين الأخريين من ثلاثية"نساء من الملح"تتناول أحزان المرأة العراقية منذ العصر السومري وحتى يومنا هذا، وكأنَّ هذا الحزن متأصل وضارب الجذور في الحياة الاجتماعية العراقية. إذاً، لا يمكن القول البتة أن أعمال الفنان صادق طعمة هي أسيرة الماضي ولا تعالج إلا موضوعات مُتحفية. المُلاحظ أيضاً أن خلفيات هذه الأعمال الثلاثة هي سوداء داكنة مثيرة للحزن والأسى العميقين اللذين يجتاحان الحياة العراقية على مرّ العصور وكأنَّ الحزن هو القاعدة والفرح هو الاستثناء.
يبدو أن عمل صادق طعمة في المتحف العراقي لمدة من الزمن قبل ثلاثين عاماً من هذا التاريخ قسم الترميم رسّخ في ذاكرته صوراً للرُقم الطينية والأعمال الفنية التي لا تغادر الذاكرة بسهولة، فلا غرابة أن تظهر في منجزه الفني على شكل التماعاتٍ لذاكرةٍ متشظية. ولو توقفنا عند سلسلة اللوحات التي أخذت عنوان"شظايا"لوجدنا هذا الكم الكبير من اللُقى الأثرية التي يحتوي بعضها على كتاباتٍ مسمارية جميلة تُثري العمل الفني وتمنحه أبعاداً بَصَرية جديدة، وكأنها تُحيلنا الى مناخات لغوية صينية ويابانية، عطفاً على توظيف الخط العربي.
فثمة حضور واضح لأبيات من الشعر العربي، وخصوصاً بعض قصائد الجواهري التي يبدو أن الفنان صادق طعمة متأثر بها، أو لديها سطوة فكرية أو جمالية عليه بوصفه متلقياً للنص الشعري. ولا بد من التوقف عند لوحة"المسلة"وهي عمود حجري يحمل نقشاً تذكارياً وفيها العديد من الموضوعات التي تحيل حتماً الى الرُقم الطينية والموضوعات ذات الأهمية الفنية. ويمكننا أن نشير هنا الى أن كل الأشكال المذهّبة تعبّر عن القيمة الفنية والجمالية لتلك اللقى التي لفتت انتباه الفنان وجعلته يتخذ منها مادة جوهرية في عمله الفني.
لا تقتصر شظايا الذاكرة على الموروث القديم، بل تمتد الى طفولة الفنان وصباه حيث نراه يجسّد مختلف الألعاب البسيطة التي كان يلهو بها آنذاك، لكنه يعطيها في خطابه البصري أبعاداً رمزية عميقة الدلالة. وتتجلى ذاكرة الطفولة في بعض أعمال الفنان وتأخذ أحياناً شكل العجلة المعدنية التي كان يدفعها بعصا، أو طائرة ورقية تحلّق في سماء مدينته، أو سواها من الألعاب التي كانت مُتاحة آنذاك.
إن مشاهدات الفنان صادق طعمة حينما كان طفلاً مهمة جداً وهي أشبه بالخِزانة الثمينة التي لا تَعرِض إلا أجزاءً متناثرة من محتوياتها الكثيرة التي لم يطمرها تقادم السنوات. ولأن منزل أسرة الفنان كان مُطلاً على نهر دجلة فقد تسربت الى أعماله الفنية العديد من الكائنات المائية كالأسماك والطيور أو المفردات المرتبطة بالفضاءات المائية مثل الزوارق أو شِباك الصيد وما الى ذلك. وأكثر من ذلك فقد تسرّبت بعض المَشاهِد للأبنية والمنازل الجميلة المطلة على النهر لأنها تمثل جزءاً حيوياً من خزين ذاكرته البَصَرية التي تطفح بين آن وآخر في أعماله الفنية.
يلعب الموروث الشعبي دوراً مهماً في حياة الفنان صادق طعمة، فلا غرابة أن تتسيّد بعض الأشكال والموضوعات التي تُحيل الى المنحى الشعبي مباشرة. وربما يذكِّرنا اللون الفيروزي بالاحالة الى الطلاسم والتمائم المستعملة في معظم البيوت العراقية مثل تعويذة"أم سبع عيون"التي يضعها العراقيون غالباً على أبواب منازلهم لكي تُبعد عنهم الحسد أو تشتته، فهم يعتقدون أنه إذا ما تتشتت النظرات الحسودة الى سبع أقسام فإنها تبطل وتصبح غير فعّالة وتفقد، في نهاية المطاف، قدرتها على إلحاق الأذى بالناس أو بممتلكاتهم. والغريب أن هذه التعويذة كانت مستعملة منذ العصر البابلي ولا تزال حتى يومنا هذا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.