يصح الاتفاق مع رأي كثيراً ما يتردد عن مخاطر انزلاق شعوب كالأكراد يربو تعدادهم في الشرق الأوسط على 35 مليون نسمة، الى مهاوي تجزئة الدول التي يتوزعون عليها في المنطقة كالعراقوتركياوإيران. لكن في الوقت عينه، يفقد هذا الاتفاق كل معنى إذا لم نتفق، في الوقت ذاته، مع رأي مختلف يرى خطورة الاستهانة برغبات شعوب المنطقة أو قمع تطلعاتها الاستقلالية أياً كانت الذرائع. فهذه الشعوب حينما تشعر بأنها لا تزدهر ولا تنمو ولا تتكامل مع ركب التحرر الإنساني في إطار دول غير ديموقراطية لا تعبر عن هويتها، تتملكها نوازع شرعية وقانونية للاستقلال. أقرب مثال في هذا الصدد هو النموذج الفلسطيني. فالجزء الأكبر من الفلسطينيين، وجدوا في إسرائيل دولة محتلة لأراضيهم ولا تشكل الوعاء الدستوري للتعبير عن كينونتهم العربية. لهذا تمسكوا بحق تقرير المصير وتأسيس دولتهم المستقلة. هنا، هل يمكن القول إن المطالبة الفلسطينية بالدولة هو دفع للمنطقة نحو التفتت؟ ثم هل يمكن تبرير سياسات إسرائيل في قمع رغبات الفلسطينيين في إقامة دولتهم بالقول إنها من ضرورات استقرار المنطقة؟ على صعيد ذي صلة، يصح طرح أسئلة أخرى حول مسألة الاستقرار: أي استقرار يجرى الحديث عنه حينما يصل النقاش الى حق شعب كبير كالشعب الكردي في تكوين دولته؟ وهل تقوم الخريطة السياسية في المنطقة على دعائم الاستقرار والثبات؟ ثم، هل ترفل المنطقة وشعوبها في استقرار سياسي واقتصادي وثقافي يمكن لنزعات الاستقلال الكردي أن تهدده وتصيبه بزعزعة غير محمودة؟ الى هذا، هل يعني الحفاظ على الاستقرار، في الشرق الأوسط أو أي بقعة أخرى من العالم، منع شعوب من التمتع بما تريده من استقلال ورغبة في التنمية الذاتية؟ هل يمكن للاستقرار أن يقوم على الضد من إرادة الشعوب والمجتمعات الإنسانية؟ عند الإجابة عن أسئلة كهذه، لا بد من الوقوف عند المقابلة التي أجرتها صحيفة"الحياة"في 22 آذار مارس الجاري مع رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني الذي تطرق في المقابلة الى قضايا تعلقت بموضوعين أساسيين: قيام الدولة الكردية، وما يتردد عن وجود نشاط إسرائيلي في كردستان العراق. بدءاً، يعرف عن بارزاني بين الأكراد والعراقيين، بل وحتى بين كثير من الأوساط العربية والإقليمية، بأنه من أكثر زعماء المنطقة هدوءاً وصراحة في التعبير عن حقوق شعبه في إطار دولة عراقية فيديرالية ودستورية موحدة. فهذا الزعيم الذي قام قبل أيام بزيارتين ناجحتين الى كل من المملكة العربية السعودية والأردن بغية التشديد على رغبة شعبه في إدامة وتطوير علاقاته مع الدول العربية المعتدلة، هو أول زعيم كردي يبادر الى كسر التردد والخوف من الحديث الصريح عن حق الأكراد في بناء دولتهم كأي تكوين إثني يمتلك مقومات إقامة دولته. وهو إذ شجع شعبه على التعامل الحيوي والصريح مع فضائه الخارجي، شدد على الدوام على أن المصلحة العليا تتمثل في العيش بسلام وتناغم وحيوية في إطار العراق الجديد. من دون شك، العراق عزيز على الأكراد، والعلاقات المصيرية مع العرب والدول الإقليمية عزيزة على قلوبهم، فما قدموه طوال العقود الماضية من تضحيات على طريق الديموقراطية للعراق يفوق بشهادة الجميع، كل ما قدمه الآخرون في هذا الخصوص. فوق هذا وذاك، يبدي الأكراد استعدادهم للعيش الكامل الى الأبد في عراق ديموقراطي شرط أن يلتزم العراق تطبيق كل حقوقهم القومية. فمنصب رئيس الجمهورية إنجاز مهم. واحترام الخصوصية الكردية مهم أيضاً. وقانون النفط والحقوق السياسية لا يمكن التقليل من شأنه. لكن هذه الحقوق لا يمكن أن تتكامل ما لم تترافق مع حقوق أساسية أخرى كإزالة آثار كل سياسات التمييز العنصري التي لحقت بهم وإعادة المناطق التي طاولتها سياسات التعريب الى الإقليم الكردي والوفاء بكل الالتزامات الدستورية المتعلقة بالحالة الكردية. من دون هذا التكامل في موازين الحقوق لا يمكن للذاكرة الكردية أن تمحو من ثناياها كل مآسي العراق القديم. وهكذا، يظل العراق عزيزاً. ويظل، أيضاً، عزيزاً عليهم حق امتلاك دولة مستقلة تحميهم من المشاريع القومية الأكبر في المنطقة ومن مستقبل تفكك العراق أو تصاعد حروبه الداخلية. لقد حرص الزعماء الأكراد على لعب دور ريادي في تخليص العراق من الديكتاتورية وتركيز جهود العراقيين على بناء نظام ديموقراطي. وبذلوا جهوداً في تقريب وجهات النظر بين مختلف الفئات العراقية المتنافسة أو المتصارعة، والمساعدة في استكمال العملية الدستورية والعمل البرلماني وتشكيل الحكومات عبر تداول سلس للسلطة. وفي الواقع، شكلت الفترة التي أعقبت سقوط النظام العراقي السابق في التاسع من نيسان أبريل 2003 فرصة ذهبية أمام الأكراد لإعلان دولتهم المستقلة. لكنهم لم يذهبوا في هذا الطريق، إنما فضلوا العمل على إنقاذ العراق من حالة التشرذم والاحتراب الداخلي والفوضى التي هددت بنيانه بالانهيار. وكانت الدعوات التي وجهها بارزاني الى العراقيين بضرورة العمل وفق مبادئ توافقية وتسامحية أبرز الأمثلة على الحرص الكردي على تجنيب العراقيين مخاطر الوقوع في مطبات الاقتتال الأهلي. في الحقيقة، ظل الأكراد متمسكين بهذه الدعوات في الوقت الذي ذهبت فيه تكوينات أساسية غير كردية في العراق نحو إشعال حرب طائفية مقيتة لم تفض حتى الآن سوى عن دفع العراق نحو التمزق والانهيار. الأكيد أن العرب العراقيين الذين يخوّفهم البعض من مخاطر كردية - إسرائيلية في العراق، قد يختلفون على حقوق كردية عدة. لكنهم يتفقون على حقيقة أساسية مفادها أن الأكراد يشكلون الضمانة الوحيدة التي حافظت على وحدة بلدهم في خضم لجة عصيبة نسي خلالها عراقيون كثيرون هذه الوحدة. غير أن النغمة التي يبدو أن البعض في الأوساط الثقافية والصحافية والسياسية العربية لا يمل عن تردادها تتلخص في القول إن أفضل الحلول أمام الأكراد هو التخلي عن نزوعهم نحو الاستقلال وعدم إصابة المنطقة بهزات هي في غنى عنها. الواقع أن أراء من هذا القبيل يمكن استساغتها والتمعن في وجاهتها، خصوصاً أن الأكراد مستمرون في تأكيد هويتهم العراقية في وقت يتدافع فيه آخرون نحو تمزيق وحدة العراق عبر صب الزيت على نار الصراعات الطائفية والفئوية. هنا، تبرز أيضاً مشكلة من نوع آخر مفادها أن الأيديولوجيين الذين يدعون الأكراد الى نبذ روح الاستقلال، يتجنبون تحذير شعوب أخرى، مثل الفلسطينيين أو الكشميريين أو الصحراويين، أو حتى عرب الأهواز في إيران من مثل هذه الحالة. الى هذا، تتمثل المشكلة في أن التحذيرات في الحالة الكردية تطلق في إطار تشكيكي غير مبرر حيال الدور الكردي، وعبر الغمز، بخبث من قناة وهمية مفادها علاقات كردية مع إسرائيل. إجمالاً، تحدث بارزاني في المقابلة التي أجرتها معه"الحياة"عن حق شعبه في تكوين دولته، مشدداً على أن الظرف الراهن لا يشكل الفرصة المناسبة لترجمة هذا الحق الى واقع عملي، ومؤكداً أن الحدود الراهنة للدول التي تقتسم كردستان في ما بينها هي حدود مصطنعة. هذا الكلام، في حقيقته لا يبغي سوى الإشارة الى حقيقة تاريخية مفادها أن الحدود الحالية التي تقتسم كردستان هي حدود غير تاريخية ولا تمتد جذورها الى أكثر من السنوات الخمس أو الست التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الأولى. هذا القول في حقيقته، تأكيد لحقائق تاريخية كثيراً ما يتم تداولها. أما قيام البعض من الأيديولوجيين في الأوساط العربية بتفسيرها بالقول إنها دعوة الى الكفاح المسلح ضد إيرانوتركيا فهو ليس أكثر من تحريض مباشر للدولتين ضد الأكراد، في الوقت الذي لا يني فيه بارزاني يؤكد أن الحقوق الكردية في إطار دول المنطقة، أو الدولة الكردية في حال قيامها، لا تشكل أي تهديد لاستقرار تلك الدول، بل على العكس ستتحول هذه الحقوق أو الكيان الكردي المستقل الى عنصر استقرار كبير للمنطقة بعدما أسهم زج الأكراد في عراء العبودية والمحق والإبادة الجماعية في تعميق حالة اللااستقرار لا في العراق وحده، بل في مجمل منطقة الشرق الأوسط. في هذا المعنى، لا يمكن لإحقاق الحق الكردي، في إطار الدول القائمة أو خارجها، إلا أن يسهم في شكل فاعل في نزع صاعق أساسي من صواعق الصراعات في الشرق الأوسط خصوصاً بين العراقوتركياوإيران وسورية. الى هذا، لا يمكن للديموقراطية أن تنهض في العالم العربي والشرق الأوسط بعيداً عن منح التكوينات الإثنية الكبيرة كالإثنية الكردية حقها في تقرير المصير. في الواقع، ظل سلب هذا الحق مبرراً في الأوساط القومية لا لتغييب الديموقراطية فحسب، بل لتحضير الأجواء أمام ولوج العسكر الى الحياة السياسية في المنطقة وتجييش المجتمعات ومصادرة الحريات وسحق حقوق الإنسان. هنا أيضاً، يصح التأكيد أن إعادة حق تقرير المصير بما فيه حق تأسيس الدولة القومية، سيمهد الأرضية بشكل كبير أمام تراجع دور العسكر في أنظمة الحكم القائمة وتسهيل عمليات اندماج المنطقة بتيارات الديموقراطية والتعددية والتسامح، علماً ان بعض المراقبين لا يستبعد أن تكون الرغبة الأيديولوجية في التمسك بالاستبداد والديكتاتورية والوحدانية وهوَس امتلاك القوة القادرة على تدمير الآخر، وراء فكرة الاستهانة بحق شعوب كالأكراد والبربر وسكان دارفور في تقرير مصيرها. لكن كيف يمكن للمتشبثين بالنظام القديم للشرق الأوسط أن يضغطوا في اتجاه عرقلة المسار الديموقراطي في المنطقة؟ الأكيد أن منع الشعوب من التمتع بالاستقلال يشكل إحدى أهم الحجج. وبغية تحويل هذا الأمر الى مطلب واسع لا بد من التلويح بالبعبع المخيف المتمثل بمقولة أن تلك الشعوب تخضع الى نفوذ إسرائيلي خفي. هنا، يلعب الأيديولوجيون لعبتين متداخلتين: الأولى، الحديث عن خطورة قيام دول جديدة في المنطقة للتغطية على مخاوفهم الحقيقية من بزوغ الديموقراطية وزوال الديكتاتوريات والأنظمة العسكرية والمنظومات الفكرية الاستبدادية الراهنة. والثانية، الحديث عن مخاطر تواطؤ إسرائيلي مزعوم مع الشعوب التي تطالب بدولها للتغطية على مخاوف تتعلق بقيام دول ستشكل حتماً بوابات أساسية لنشر الديموقراطية في المنطقة. في ما يتعلق بالأكراد وإسرائيل لم يخف بارزاني أن قيام علاقات مع إسرائيل لم يعد أمراً غريباً في المنطقة. لكنه ركز على حقيقة أساسية يتلمسها كل من يزور كردستان العراق مفادها عدم وجود أي نشاط إسرائيلي في هذه المنطقة. هنا، يغيب عن البعض أن الأكراد حالهم في ذلك حال شعوب ودول معتدلة أخرى في المنطقة لا يرفضون علاقات طبيعية مع إسرائيل. لكن الواضح أنهم لا يأملون في حصول أي علاقات مع الدولة الإسرائيلية التي تركز كل جهودها على تطبيع علاقاتها مع الدول العربية والمسلمة. ففي قناعة الإسرائيليين أن العلاقات مع الأكراد قد تضر بتحالفاتهم مع تركيا وعدد من الدول العربية. ثم ان الأكراد واعون لصعوبات الحالة الإقليمية في أطرافهم. فإيران وسورية تمران بمشكلات كبيرة مع إسرائيل. هذا إضافة الى المشكلات العربية والعراقية مع الدولة العبرية. لهذا، يدركون أن أي علاقات كردية مع تل أبيب قد تجر الى نتائج قاسية. والأدهى أن العملية العسكرية التي نفذها الأميركيون قبل أشهر بدهمهم وكراً في أربيل واعتقال خمسة ضباط من الاستخبارات الإيرانية أوضحت، على عكس ما يشاع، أن دولاً أخرى غير إسرائيل تحاول استخدام كردستان العراق كقاعدة لمد الجماعات المسلحة في العراق بالدعم اللوجستي. مع هذا، لماذا لوم الأكراد على علاقة مزعومة مع إسرائيل في الوقت الذي ترتفع فيه أعلام إسرائيلية في عواصم عربية وإسلامية؟