لا يمكن أحداً أن يزعم أن السينما المغربية لم يكن لها وجود قبل تسلم الناقد نور الدين صايل دفة الحركة السينمائية في هذا البلد المطل على المتوسط والأطلسي في آن معاً، وعلى أوروبا وأفريقيا والعالم العربي في الوقت ذاته. ولكن في المقابل يمكن أن نقول، بالتأكيد أن عدد الأفلام المغربية الطويلة والقصيرة تضاعف خلال السنوات الثلاث التي مضت منذ تسلم صايل هذه الدفة. إذ ساهم في اندفاعة شاءت لنفسها أن تنقل المغرب خلال فترة قصيرة من بلد ينتج فيلمين أو ثلاثة في السنة الى بلد يشكل الإنتاج السينمائي نشاطاً فنياً أساسياً لديه. ساهم صايل، كما يجمع النقاد العرب والسينمائيون المغاربة، في إقامة الترابط بين مواهب سينمائية كانت تبحث عن نفسها وعن مناخ جغرافي وتاريخي مواتٍ للغة السينمائية في المغرب، وبين أرض خصبة تعج بتقنيين وسينمائيين آتين من شتى أنحاء العالم ليصوروا في هذا البلد، وسلطة ادركت باكراً دور الفن في حياة الناس وفي الحيوية الاقتصادية. عودة أسماء... من هنا لن يستغرب أحد إن ذكرنا أن المهرجان القومي للفيلم المغربي الذي افتتح أعماله مساء امس في مدينة طنجة، ويستمر عشرة أيام، يعرض ما لا يقل عن 25 فيلماً طويلاً، و28 فيلماً قصيراً. أفلام حققت كلها في المغرب، وعلى أيدي فنانين مغاربة خلال نحو عشرين شهراً، تمتد بين أول سنة 2006 وآخر آب أغسطس من العام الحالي. والرقم في حد ذاته مدهش، حتى مقارنة بما أنتج في مصر، خلال الفترة ذاتها. غير أن المقارنة من الصعب أن تبقى كمية... ذلك ان الأفلام المعروضة في الدورة الحالية التاسعة لهذا المهرجان، تنتمي في معظمها الى المستوى المتقدم من الإنتاج السينمائي العربي. علماً أنه لا يزال مبكراً الحكم في شكل قاطع على هذه الأفلام، التي يحمل الطويل منها تواقيع معظم الأسماء المغربية التي تشغل الساحة منذ سنوات، إضافة الى أسماء جديدة لمواهب شابة أتاح لها الزخم الإنتاجي الجديد فرصة للتعبير عن نفسها. ولكن، استناداً الى أفلام عرفت على نطاق واسع، واستناداً الى ما يقوله النقاد المغاربة أنفسهم، والنقاد الأجانب الذين شاهدوا معظم الأفلام المعروضة في هذه الدورة، يمكن بكل بساطة الحديث، إن لم يكن عن ثورة عارمة في السينما المغربية، فعلى الأقل عن انعطافة كبيرة في إنتاجات هذا البلد السينمائية... ولطالما تميزت هذه الإنتاجات، ومنذ الفيلم المتعارف عليه أنه الأول الذي عرف خارج المغرب "ألف يد ويد"لسهيل بن بركة، بجدية طرحها لمواضيعها، والتطلع الى لغة تشكيلية تتميز بارتباطها بالتراث الفني المغربي، من عمارة وزينة وملابس وصولاً الى التعبير عن المجتمع الأبوي والقضايا الاجتماعية. نجاحات جماهيرية هذا التميز هو الذي أوصل أفلام أخرى الى الصالات المغربية لتحقق نجاحات جماهيرية استثنائية، مثل من"الحب في الدار البيضاء"لعبدالقادر الأقطع، و"مكتوب"لنبيل عيوش، وخصوصاً"البحث عن زوج امرأتي"لمحمد عبدالرحمن التازي. على هذه الخلفية إذاً، يأتي هذا الكم من الأفلام المغربية التي حُققت في الآونة الأخيرة. ويأتي مهرجان طنجة أشبه بمرآة حقيقية لهذا الواقع. ذلك ان هذا المهرجان، الذي يقام للمرة التاسعة، يعرض كل الإنتاج الأخير. وهو أمر يمكّن الجمهور - حتى وإن كان آتياً من بعيد-، من معاينة هذا الجديد الذي ينمو في بلد يعيش على حدة بين البلدان العربية. كما يمكنه من معاينة ما وصل إليه بعض أصحاب الأسماء الأكبر والأقدم. وبعضهم غاب طويلاً منذ بداياته الناجحة الاولى. فأحمد المعنوني كان من أصحاب الريادة في سينما القضية الاجتماعية منذ تحفته الأولى"الأيام... الأيام"، يعود هذه المرة بفيلم جديد هو أشبه بسيرة ذاتية له"قلوب محترقة". وكذلك يفعل عبدالقادر الأقطع في جديده"ياسمين والرجال"، ونبيل لحلو"تابيت أو لا تابيت"ولطيف لحلو"حدائق سميرة". وفي المقابل تسمح المناسبة بمتابعة جديد بعض أصحاب الأسماء الأكثر حداثة، مثل نرجس نجار"أفق أيها المغرب"وعبدالحي العراقي"عطر البحر"وفوزي بن سعيدي"يا لهذا العالم العجيب"، وبخاصة داود ولد السيد"انتظار بازوليني". وبين هؤلاء وأولئك يطل الجيل المتوسط من أمثال حسن بن جلون"الى أين انت ذاهب يا موشي؟"وسعد الشرايبي"اسلامور"وفريدة بورقية"امرأتان على الطريق". طبعاً لن نواصل اللائحة حتى النهاية... فالمهم هنا ليس تعداد أسماء الأفلام وأصحابها، بل التوقف عند هذه الظاهرة الجديدة، من خلال تظاهرة لعل اختيار طنجة مكاناً لها، يعبر خير تعبير عنها وعن تنوعها. فطنجة، كمرآة للتنوع في المغرب، هي مثل هذه الأفلام جميعاً تنتمي الى الماضيين القريب والبعيد، والى العوالم التي تلتقي عند المغرب، عالم البحار والقارات... وكذلك الى ذلك التنوع الثقافي الذي جعل منها محط أنظار كبار كتّاب العالم وفنانيه. عرض كل هذا الإنتاج في طنجة اليوم أمر يتخذ دلالاته وأبعاده. لكنه في الوقت ذاته يضعنا أمام تساؤل مزدوج، نأمل أن تشكل الأيام التالية بعروضها ولقاءاتها مجالاً للإجابة عليه. تساؤل يتناول واقع ان هذه السينما المغربية الناهضة والمكثفة، والتي باتت ذات حضور حتى في اوروبا واميركا، لا تزال في منأى عن المشاهد العربي خارج المغرب. فبالكاد نشاهد فيلماً مغربياً في مهرجان عربي... ومن المستحيل أن تكون لهذا الفيلم عروض على الشاشات التلفزيونية الفضائية العربية، على كثرتها وفقر عروضها السينمائية الحالية. ثم، إن عرض كل هذا الكم من الأفلام الطويلة يحفز على التساؤل عن ضآلة عدد الأفلام القصيرة المعروضة في التظاهرة ذاتها نسبياً. صحيح أن 28 فيلماً جيداً مختاراً بعناية ليس بالأمر اليسير، لكن نور الدين صايل، حين حدد برنامجه للسنة الأولى من عمله مديراً لمركز السينما، وعد بأن يمكّن الشبان من تحقيق 40 فيلماً في عام واحد، فحققوا يومها 56 فيلماً. من هنا السؤال: كيف هبط كم الإنتاج الى النصف خلال العام ونصف العام التاليين؟ وأين الأسماء الجيدة في مجال تحقيق الأفلام الطويلة، من بين أولئك الشبان الذين كانت أعمالهم القصيرة، في المرحلة الأولى واعدة؟