تشهد أسواق الأسهم العربية عملية تصحيح حادة، بدأت نهاية السنة الماضية، فيما سجلت دول المنطقة معدلات نمو مرتفعة تعكس أوضاعا اقتصادية مزدهرة وغير مسبوقة في تاريخها الحديث. ويعرف الجميع ان هناك علاقة عضوية بين حركة واتجاهات أسواق الأسهم، والأداء الاقتصادي العام. فأسعار الأسهم غالباً ما ترتفع مع تحسن الأوضاع الاقتصادية والتي يصاحبها زيادة مضطردةً في أرباح الشركات، في حين ان الهبوط في أسواق الأسهم يقلص مداخيل وثروات المساهمين وقيمة الشركات المدرجة، وينعكس سلباً على الأجواء الاستثمارية والحالة الاقتصادية. إلا أن هناك أوقات تشهد فيها أسعار الأسهم هبوطاً، خصوصاً بعد فترات من المغالاة في ارتفاع الأسعار، من دون أن يتأثر بذلك النشاط الاقتصادي العام. فعلى سبيل المثال، عندما انخفض مؤشر"ناسداك"لشركات التكنولوجيا في الولاياتالمتحدة بنسبة 78 في المئة بين آذار مارس 2000 وحزيران يونيو 2002، حافظ الاقتصاد الأميركي على معدلات نموه المرتفعة. وبين تموز يوليو 1994 وحزيران 2001 ارتفع مؤشر سوق الأسهم الصينية بنسبة 700 في المئة مدفوعاً بمعدلات نمو اقتصادي قوي وزيادة في أرباح الشركات، غير أن في آب أغسطس 2000، وبعد أن وصل مكرر سعر السهم إلى العائد إلى 60 أخذت السوق اتجاهاً معاكساً، فتراجع المؤشر خلال السنوات الخمس اللاحقة بشكل كبير لينخفض مكرر سعر السهم إلى العائد إلى مستوى 15، في الوقت الذي حافظ فيه الاقتصاد الصيني على زخم معدلات نمو اقتصادي قوية. وتشهد دول الشرق الأوسط اليوم معدلات نمو اقتصادي تعتبر الأسرع بين دول العالم. فالناتج المحلي الإجمالي مقاساً بالأسعار الجارية يتوقع له ان ينمو بمعدلات تفوق 10 في المئة سنوياً خلال السنوات الخمس المقبلة، في حين ان معدلات النمو بالأسعار الثابتة قد تزيد على ستة في المئة خلال هذه الفترة. فأسعار النفط لا يتوقع لها أن تتراجع إلى ما دون 50 دولاراً للبرميل، وقد تتراوح بين 50 و80 دولاراً خلال السنوات الخمسة المقبلة. ويتوقع خلال هذه الفترة ان يرتفع إنتاج دول مجلس التعاون الخليجي من النفط بنسبة 25 في المئة، أي من 16 مليون برميل يومياً في عام 2005 إلى نحو 20 مليون برميل يومياً في عام 2010، لتصل عندها العوائد النفطية لدول المنطقة إلى نحو 450 بليون دولار، مقارنة ب350 بليون دولار في 2005. وهذا سيشجع دول الخليج على إتباع سياسات مالية توسعية بزيادات سنوية تتراوح ما بين 20 و30 في المئة، وسيكون التركيز على رفع طاقة إنتاج النفط وتكريره والتي يتوقع ان يخصص لها أكثر من 200 بليون دولار. كذلك سيكون هناك مشاريع ضخمة تشمل تحديث مرافق البنية التحتية من طرق ومياه وكهرباء ونقل ومطارات وتصريف صحي وغيرها، وزيادة مخصصات التشغيل والصيانة لهذه المرافق، إضافة إلى الصحة والتعليم والتدريب. ويمكن للمنطقة استغلال توفر الطاقة الرخيصة لديها والغاز الطبيعي كلقيم لإنشاء مزيد من الصناعات الثقيلة مثل البتروكيماويات الأساسية والأسمدة والمعادن، ما سيشجع القطاع الخاص على الاستثمار في صناعات مكملة تقوم على استعمال هذه المنتجات كمدخلات لها. كذلك ستنتعش نشاطات القطاع الخاص الأخرى بما فيها المصارف والاتصالات والإعلام والعقارات وما شابه. فالخطوات والسياسات التي تتخذها دول المنطقة اليوم ستترك أثرها على هيكل النمو الاقتصادي مستقبلاً. وعلى نقيض الطفرات النفطية السابقة لم تتسرع دول الخليج في توجيه الفوائض النفطية نحو التسلح والمشاريع الإنشائية الكبرى، وتكريس نهج اقتصاد ريعي في البلاد. وتشير إحصاءات صندوق النقد الدولي إلى ان هذه الدول لم تصرف سوى 30 في المئة من عوائدها النفطية خلال الفترة 2003-2005، بل ان معظم هذه العوائد ادَخر وما صرف منه أُحسن استخدامه في مشاريع التنقيب وإنتاج النفط، إضافة إلى التكرير والتسويق وتحسين البنية التحتية القائمة والخدمات العامة خصوصاً في مجالي التعليم والصحة، في حين قام القطاع الخاص بالاستثمار في المشاريع الصناعية والعقارية والسياحية والمالية. ومع أن موازين المدفوعات الخارجية للدول العربية غير المنتجة للنفط تأثرت سلباً من ارتفاع فاتورة استيراد النفط، إلا أن هذه الدول ستستفيد من الانتعاش الاقتصادي في دول الخليج من جراء ارتفاع حجم التحويلات المالية التي ترسلها اليد العاملة الوافدة إلى دولها، وزيادة مستويات السياحة الإقليمية البينية، وارتفاع حجم الصادرات إلى دول الخليج التي تشهد فورة اقتصادية. إضافة إلى زيادة تدفقات رأس المال التي تبحث عن مجالات استثمار واعدة في الدول غير النفطية، ستنعكس في شكل إيجابي ومباشر على الأوضاع الاقتصادية في هذه الدول. كذلك ستستفيد الدول العربية غير النفطية في شكل غير مباشر من التمثل بالخطة التنموية التي اتبعتها دبي والتي تعتبر قصة نجاح يُحتذى بها. واستطاعت دبي التي بدأ ينفد منها النفط ان تحول نفسها خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، إلى مركز عالمي للنقل والمال والتجارة والسياحة والإعلام والطيران والترفيه وغيره، وهي تنوي بحلول عام 2020 زيادة حجم اقتصادها إلى أربعة أضعاف ما هو عليه اليوم. أما الانخفاض الذي شهدته أسواق الأسهم في دول المنطقة من أعلى مستوى وصلت اليه، سواء في الفصل الرابع من عام 2005 أو في الفصل الأول من هذه السنة، فقد تراوح من دولة لأخرى حيث وصل إلى 60 في المئة في دبي، و46 في المئة في المملكة العربية السعودية، و34 في المئة في قطر، و30 في المئة في الأردن و23 في المئة في مصر، و20 في المئة في لبنان و19 في المئة في الكويت، ما وضع نهاية"لفترة الجني السريع للأرباح"الذي وفرته أسواق الأسهم العربية لتعود أسعار كثير من أسهم الشركات المدرجة إلى مستويات تقويم أكثر واقعية. فقد انخفض مؤشر السعر إلى العائد من أعلى مستوى وصل إليه السنة الماضية عند حدود 45 في المملكة العربية السعودية و25 في معظم أسواق الأسهم في الدول العربية، إلى اقل من 20 أخيراً وتراجع إلى اقل من 15 للكثير منها. لكن لا تزال هناك مغالاة في مؤشرات التقويم الأخرى لعدد من دول المنطقة مثل القيمة الرأسمالية للأسهم المدرجة إلى الناتج المحلي الإجمالي، وسعر السهم إلى القيمة الدفترية. فبينما لا يتعدى معدل القيمة الرأسمالية للأسهم المدرجة إلى الناتج المحلي الإجمالي نسبة 75 في المئة في معظم الأسواق الناشئة، فهو لا يزال يتجاوز مستوى 200 في المئة في عدد من أسواق الأسهم العربية ويزيد على 100 في المئة في معظمها. كما ان معدل السعر إلى القيمة الدفترية لمؤشر سوق الأسهم في المملكة العربية السعودية ما زال في حدود 6 وفي قطر 3.2 وفي دولة الإمارات العربية المتحدة ،3.3 وفي مصر 4.5 وفي الأردن 2.9 وفي الكويت 2.6، مقارنة بمعدل لا يزيد عن 2 في الأسواق الناشئة الأخرى. ويبدو أن النشاط والحماسة اللذين تميز بهما التداول في أسواق أسهم دول المنطقة قد فترا أخيراً، كما أن الناس فقدوا"الثقة العمياء"التي رأيناها خلال الفترة 2003-2005. أدى حجم وطبيعته التراجع في أسواق الأسهم إلى إقناع المساهمين بأن فترة الطفرة انتهت وان إمكان تكرارها في المدى القريب يبدو ضئيلاً. والأسواق التي شهدت ارتفاعاً كبيراً في الأسعار جراء الإفراط في الإقراض والتمويل على الهامش، تكون في الغالب أكثر عرضة للانخفاض السريع، حيث ستؤدي التصفية الإلزامية للأسهم والتي تقوم بها المصارف المقرضة إلى مزيد من عمليات البيع. وأدركت الحكومات التي حاولت التدخل لدعم الأسعار في أسواق الأسهم لديها بشكل مباشر أو غير مباشر، بأنها نجحت فقط في تأخير عملية التصحيح المتوقعة. وفشل هذا التدخل في حفز ثقة المستثمرين، بل فُسَّر من جانب المضاربين على انه إقرار من الحكومات بأن الأوضاع قد تتدهور في شكل أكبر لاحقاً. فكلنا يعلم أن الأسواق تصبح في مرحلة الاستقرار والتوازن عندما تصل أسعار الأسهم إلى مستويات تجعل التداول بين البائعين الراغبين والمستثمرين الراغبين ممكناً. والسؤال المطروح الآن هو: هل وصلت أسواق الأسهم إلى مستوى القاع لدورة الهبوط الحالية؟ لا أحد يعرف بعد، ولكنها بالتأكيد متجهة إليها، وعاجلاً أم آجلاً، سيبدأ المستثمرون الذين يتبعون القوانين الاقتصادية وتحاليل القيمة العادلة للأسهم بعمليات الشراء، ثم لا يلبث أن يتبعهم المضاربون، لتستقر بعدها الأسواق في شكل تدريجي. ولتسريع هذه العملية، ينبغي على السلطات التنظيمية تطبيق مزيد من الإصلاحات التي تشمل إزالة القيود الهيكلية واتباع إطار تنظيمي يشدد الرقابة ويزيد من الشفافية ويعالج الاختلالات التي ساهمت في ظهور الفقاعة ولاحقاً في تنفيسها. ويبقى الأداء الاقتصادي القوي السائد حالياً في مختلف دول المنطقة الداعم الرئيسي لأسواق الأسهم العربية خلال الشهور المقبلة. فأسعار النفط المرتفعة والسياسات المالية التوسعية المتبعة ستنعكس إيجاباً على النشاط الاقتصادي وتزيد من الأرباح التي تحققها الشركات المدرجة. وجاء ارتفاع إجمالي أرباح الشركات المدرجة التي يشملها مؤشر شعاع كابيتال المركب لأسواق الأسهم العربية بنسبة 49 في المئة في 2005، مقارنة بعام 2004 ليكون الحافز الرئيس لزيادة الطلب على أسهم الشركات المدرجة وبالتالي ارتفاع أسعارها. غير ان الأرباح هذه تباطأ نموها خلال النصف الثاني من 2005، إذ ارتفعت بنسبة 35 في المئة مقارنة بنسبة ارتفاع تعدت 65 في المئة خلال النصف الأول من تلك السنة. وتشير نتائج الش ركات المدرجة للفصل الأول من عام 2006 إلى أن أرباحها ارتفعت بنسبة 20 في المئة في المعدل، ويتوقع ان يستمر تباطؤ الأرباح هذه خلال الفصل الثاني والثالث من هذه السنة قبل أن تبتدئ بالتسارع من جديد في الفصل الرابع منه أو في الفصل الأول من عام 2007. وعندما تعود أرباح الشركات الفصلية أو نصف السنوية بالارتفاع بمعدل نمو أسرع مقارنة بالفترة السابقة، تكون أسعار الأسهم قد وصلت إلى نقطة التعادل. وسيسيطر المستثمرون الذين يعتمدون على التقويم المالي لأسهم الشركات المدرجة في شكل تدريجي على ديناميكية السوق لتنتهي بذلك مرحلة التصحيح في الأسعار وتبدأ معها دورة جديدة من الصعود. الرئيس التنفيذي ل "أموال إنفست"