الشخصيات : 1 - المتهمة. 2 - المحامي. 3 - شرطيان. الزمان: الوقت الحاضر. المنظر: غرفة كبيرة ملحقة بالموقف حيث يُسجن المتهمون. تُضاء أنوار ساطعة. يفتح شرطي باب الحديد على اليسار ويدخل وبرفقته مدني يحمل حقيبة سوداء. الشرطي مدجج بالسلاح. يشير الى أحد الكراسي. الشرطي - تفضل بالجلوس. سأتصل بهم لإرسال المتهمة. المدني - شكراً. - يجلس على أحد الكرسيين، بينما يخرج الشرطي من باب الحديد. يُسمع وهو يتكلم في الهاتف. الشرطي - آلو. سيدي لقد حضر المحامي، هل تأمر بإحضار المتهمة فريال عبدالمجيد؟ نعم؟ نعم، في غرفة المقابلات ينتظر. تحت الحراسة طبعاً، سيدي. - دقائق ويُفتح الباب على اليمين وتدخل المتهمة بصحبة شرطي آخر مدجج بالسلاح. انها سيدة في أواخر الثلاثينات، ذات جمال ذابل، ترتدي فستاناً أسود طويلاً. تسير بهدوء حتى الكرسي المقابل للمدني ثم تقف. يتراجع الشرطي الذي اصطحبها الى الوراء ويبقى أمام الباب على اليمين. المدني يقف. المدني - سيدة فريال؟ المتهمة - تهز رأسها ايجاباً. المدني - صباح الخير. أنا المحامي علوان حسن. جئتُ أقابلك بعد أن وكلني والدك. - تلبث واقفة من دون كلام، ناظرة اليه بلا مبالاة - تفضلي بالجلوس. لدينا حديث طويل يجب أن نتبادله. المتهمة - تجلس. من قلتَ وكلك؟ المحامي - يجلس هو أيضاً - والدك الأستاذ عبدالمجيد. المتهمة - لماذا تركني طوال هذا الشهر موقوفة؟ المحامي - عفواً سيدة فريال. أنتِ متهمة بجناية لا تسمح بإطلاق سراحك بكفالة، ولذلك لم يكن مهماً أن نتأخر بعض الوقت في مقابلتك. لقد وكلني مساء أول من أمس فقط، ولكن الفرصة سنحت لي مع ذلك لقراءة الأوراق التحقيقية. المتهمة - حسناً، ماذا جئت تريد مني؟ المحامي - لا شيء بالتحديد عدا أن تساعديني بشكل من الأشكال على تخفيف الحكم المتوقع صدوره عليك. المتهمة - هل تظن أن بمقدوري ذلك؟ المحامي - نعم، كما قلت، بشكل من الأشكال. المتهمة - ما هذا... شكل من الأشكال؟ المحامي - في البداية، يجب أن نكون صفاً واحداً... أنتِ وأنا، أن نبذل جهدنا لنكون هكذا. ومن أجل ذلك، عليَّ أن ألمَّ بحقيقة ما جرى. المتهمة - وهل تريد أن تتعاون معي لكي تلمَّ بما جرى؟ المحامي - نعم، اذا سمحتِ، ومن أجل مصلحتكِ. المتهمة - فإذا لم تعد مصلحتي تهمني كثيراً؟ المحامي - سيدة فريال، أرجوك. لا تتكلمي هكذا. - لحظات صمت - يجب أن أشرح لك موقفك القانوني قبل كل شيء. أنا لستُ يائساً، ولكنني قلقٌ بعض الشيء. - لحظات صمت أخرى - أنتِ متهمة بجريمة قتل مقترنة بجريمة قتل، وهذه هي احدى الجنايات الخطيرة التي يعاقب عليها قانون العقوبات بالعقوبة القصوى. أتفهمين ما أقصد بكلامي هذا؟ المتهمة - لقد درستُ القانون مثلك. المحامي - أعلم. نعم، أعلم ذلك. يجب أن أصارحك سيدة فريال، بأنني أشعر ببعض الحرج وأنا أحاورك، لأنني أعرف رفعة ثقافتك وتعليمك وتربيتك، ولكنني أجد نفسي مضطراً أن أبذل أقصى جهدي لأفهم... أو بالأصح، لأطلع على الحقيقة منكِ أنتِ بالذات. إنك لن تخفي عني حقيقة الأمور... أليس كذلك؟ المتهمة - أية أمور؟ المحامي - الآن، أرجوكِ سيدة فريال، لا... لا تدخليني وإياك في هذا المأزق... في هذه المتاهة من لعبة الألفاظ، فأنا، لسوء الحظ، لا أتقنها وهي لن تفيد قضيتنا أبداً. المتهمة - ألم تجد كل شيء في الأوراق التحقيقية؟ المحامي - كل شيء عدا الحقيقة النهائية... الحقيقة الحقيقية. أنتِ لم تفيدي التحقيق إلا بكلمتين..."نعم"وپ"لا"، مما أضطر حاكم التحقيق الى ان يخلطهما ويأخ بپ"نعم"بدلاً من"لا"في الحالين. لماذا فعلتِ ذلك بنفسك؟ المتهمة - اشمئزازاً. المحامي - اشمئزازاً؟! ممن؟ ممَ؟ المتهمة - من كل شيء. بدءاً من الوضع النتن في هذه البلاد، مروراً بغياب القانون والبشر المحترمين ومنهم حاكم التحقيق وحضرتك. من كل شيء... من كل شيء. المحامي - أبسبب هذا قتلتِ ابنك الصغير وزوجك؟ - المتهمة تلازم الصمت منكسة رأسها باستسلام نحو المائدة. المتهمة - تهز رأسها ببطء. كلا، كلا. المحامي - أهذه هي"كلا"نفسها التي كررتها أمام حاكم التحقيق؟ لن يفيدنا هذا في شيء، مع الأسف، وأرجو أن تعلمي مسبقاً بأنني لا أملك دفاعاً عما نعيشه هذه الأيام في العراق. لذلك، من المستحسن أن توفري غضبك عليَّ الى وقت آخر. المتهمة - تتراجع في جلستها. أنت تفهم يا أستاذ ولا تفهم في الوقت نفسه. المحامي - هذا صحيح، فذكائي وخبرتي محدودان. ماذا يمكنني أن أفعل؟ المتهمة - لا أريد أن أهينك. أنا لا أعرفك من قبل، ولا أدري لِمَ استمر في محادثتك. - لحظات صمت - لماذا لم يحضر والدي لرؤيتي؟ المحامي - يفتح ذراعيه - لم أسأله ولم يكلمني عن السبب. هل تودين أن أطلب منه ذلك. المتهمة - كلا. كلا. المحامي - حسناً. الآن، يا سيدتي، هل آمل أن تشرحي لي... أو لنقل أن تكلميني وتوضحي لي موقفك... أو ما جرى لكِ ولهما يوم الحادث. أنا، بالضرورة، متطفلٌ ولكن بصورة قانونية كما ترين. المتهة - تنظر اليه من دون كلام. المحامي - لا تزيدي من حرجي، أرجوك. إذا أحببتِ ان أنصرف، فأنا لا أحب ذلك ولا أستطيعه بالأحرى. كوني إذاً رفيقة متفهمة ودعينا نصل الى... الى نتيجة ما. المتهمة - لا نتيجة هناك، كما تعلم جيداً. المحامي - لا، بالتأكيد. هناك نوع من أنواع الحالات... المواقف. حالة من الحالات تشبه الخيال أحياناً، تجعل الإنسان يخاطر بضرب رأسه بالحائط، ليجد هل هو صلب حقيقةً أم لا. المتهمة - لا أظنك تفعل ذلك. المحامي - أنا أمامك، صدقيني، تملكني حالة من هذه الحالات الجنونية. بودي حتى أن أخاطر بحياتي لأجل أن أعرف ما هذا الأمر الذي يلفّك بغموض. من أنتِ ولماذا فعلتِ ما فعلت؟ المتهمة - أأثير الاهتمام الى هذا الحد؟ المحامي - أي سؤال غريب! أي سؤال بالغ الغرابة! لحظة صمت - قلتُ لك، لا تدعينا ندخل في متاهات نحن في غنى عنها... أنتِ وأنا. ألا ترين أنني مخلص وشبه بريء وأنا أحادثك؟ قدري هذه الصفات على الأقل. المتهمة - من أين تأتي بهذا العناد؟ أنا لا أستحق جهدك هذا ولا اهتمام أبي قبل ذلك. لقد... لقد انكسرت حياتي وتهشمت... هذا هو كل شيء. المحامي - إذن، اسمحي لي أن أعرف كيف حصل هذا، أرجوك. المتهمة - ولكنك تعلم أي تهم خطيرة أنا متورطة بها. المحامي - دعي ذلك جانباً. لنحاول أن نتجه نحو الحقيقة، الحقيقة الحقيقية اذا أمكن القول. المتهمة - كم سيطول الحديث! المحامي - ألا تجدين الوقت أرخص من التراب هنا؟ المتهمة - نعم، أجده. كما وجدتُ أشياء رخيصة أخرى هنا... أرواح البشر وممتلكاتهم وحقوقهم. المحامي - سنبدأ بفتح الأبواب إذاً، ما دمتِ ذكرتِ أرواح البشر. المتهمة - أنت مملوك بفكرة مسبقة عني، وهذا أمر سيئ. المحامي - أبداً... أبداً. - لحظات صمت . المتهمة - أنا امرأة عادية، بسيطة وذات كرامة. لن أدعي شيئاً سوى أنني ملكت وعياً محدوداً بنفسي وبمسار حياتي، وأردتُ أن أنقذ مخلوقاً واحداً من هذا الدمار الذي يحيطنا هذه الأيام في العراق. مخلوق صغير وبريء، أنجبته صدفة وأحببته بشغف رغماً عني. كانت تلك فكرة معقولة ومقبولة في مظهرها، حمقاء وفارغة في مضمونها، اذ من يضمن لأحد أن يعيش دقيقة زائدة أخرى؟ المحامي - كان اسمه سرمد وعمره ستة عوام حين... المتهمة - تمسك رأسها بيديها. لحظات . سرمد... هو سرمدي أنا، أنا التي أنجبته، وكان هو مستقبلي. يا للأمهات المسكينات... كم يحلمن! المحامي - ولكنك... اغفري لي... أنتِ التي... - تقاطعه برفع يدها - المتهمة - لا تزد. لا تكن غبياً مثل الجميع. المحامي - عفوك. لا تظني بي سوءاً. المتهمة - كلا. لا أملك أن أظن سوءاً بأحد. أنا أحدثك هكذا، لأنك تريد أن تضرب رأسك بالجدار لكي تعرف الحقيقة. هذا هو كل شيء. المحامي - هذا صحيح. المتهمة - ولذلك لا يجب أن تعجب إذا سمّاك البعض أحمق. المحامي - لن يدهشني ذلك، فأنا، بالفعل، أحمق على طريقتي الخاصة. المتهمة - هذا كلام جيد. المحامي - هل أستطيع أن أشكرك؟ - تشير بيدها . لقد حدثني والدك ببعض ما جرى لك، أعني الخطوط العامة لحياتك ودراستك... المتهمة - مقاطعة - أبي انسان ضعيف، ولكنه كان قادراً، مع الأسف، على توجيه حياتي الوجهة التي يريدها. كان مشغوفاً بالمال والثراء وكان يعتبر ذلك سره الخاص. لقد دفعني للزواج من ذياك الشخص... ذياك المخلوق... - تتوقف لحظات تحاول أن تتمالك نفسها - كان يعتقد أنه سيضمن لي حياة سعيدة بحسب مواصفاته، وكان، في السر، يخطط للاستحواذ على ثروة ذلك الزوج بشكل ما. يا للغباء!وفي ورطتي تلك اخترت، مضطرة، أن أعيش متعالية على حياتي اليومية تلك حتى حدث... يا إلهي... كيف أمكن أن يحدث ذلك؟! - تخفي وجهها بيديها . كنت حذرة من الحمل، تجنبته بكل الوسائل، آملة أن أستطيع يوماً الخلاص من ذلك المخلوق. المحامي - أنجبتِ سرمد؟ - تهز رأسها بالايجاب . أكان ذلك قبل الحرب؟ المتهمة - نعم، في سنة 1999، وكان هذا التاريخ موضع افتخار له. قال لي، ينبوع البراءة ذاك، قال لي في عيد ميلاده السادس انه من مواليد القرن العشرين. المحامي - كان عمره ستة أعوام حين... حين حصلت الفاجعة؟ المتهمة - كنت مهووسة بذلك الطفل، وكنت أدرك أن حبي الجنوني له أمر غير صحيح، ولكنني لم أستطع السيطرة على عواطفي. لقد غيّر نهج حياتي وتفكيري، وبسب حالتي تلك، حدث كل شيء خارج حدود ارادتي. المحامي - حسناً، حسناً. وضحي لي ذلك رجاءً. المتهمة - لا تكن سخيفاً. لا أريد أن أوضح لك شيئاً. ابتعد عني. - تتراجع في كرسيها بحركة عنيفة . المحامي - محاولاً الامساك بيديها - آسف. يا إلهي... أنا آسف جداً يا سيدتي. ضعي نفسك في مكاني. أنا أحاول أن أشيّد دفاعاً عنك. آسف جداً. المتهمة - صارخة. لا أريد ذلك. لا أريد دفاعاً عني. اتركني لمصيري. لستُ أفضل ممن ينجرون حولي في كل مكان. المحامي - حسنا يا سيدتي. اغفري لي كلامي. المتهمة - لم تعد لدي رغبة في الكلام. كما أنا شقية يا ربي! المحامي - على مهلك، أرجوك. خذي وقتك واستريحي قليلاً. المتهمة - لا راحة لي منذ ذلك اليوم المشؤوم، لا راحة لي أبداً. - فترة صمت. تبدو مترددة في القيام أو البقاء جالسة، ثم تلبث في مكانها . ذلك المساء كان مبتهجاً، يستعد للدوام في المدرسة التي سجلته فيها. كان هو يومه الثاني وكانوا قد طلبوا منه بعض المواد المدرسية. وقف باحترام جنب والده. كان هذا مشدود النظر بشكل جنوني الى شاشة التلفاز، يصغي مفتوح الفم الى أحد المعميين يهذي بكلام غير مترابط، فلم يسمعه. كنتُ أهمّ بأخذ طفلي لأقنعه بلا جدوى محادثة أبيه وهو في حالة لا يعي فيها ما حوله، حين رفع صوته قليلاً يطالب أباه بشراء كتب الصف الأول، فاستدار هذا اليه وبدا كمن يصحو من اغماء وعيناه تقدحان شرراً. وبسبب أنني لم أستطع سحب طفلي في الوقت المناسب، كما لم يكن بوسع الطفل أن يتراجع، فقد أصابته، على موضع القلب، ضربة ذلك المخلوق المتوحش. كانت ضربة شديدة جداً من يدٍ غليظة صلدة، رمته أرضاً في الحال وهو فاقد الحياة. ولم أصدق أن طفلي مات بضربة واحدة حتى أحسست بنبضه متوقفاً وأنا أحتضنه وأقبّل الوجه البريء. ثم اختلطت عليَّ الأمور. لا تظنني أدافع عن نفسي. أنا مشمئزة من الحياة أصلاً ومنكم وما تعملون، ولا أريد نجاةً أو هروباً. هذا مصيري وأنا أريده. المحامي - مهلاً سيدتي. مهلاً. المتهمة - لا أدري بأي شيء حطمت رأسه. لا أتذكر شيئاً سوى أنه بقي جالساً في مكانه من دون اكتراث، يستمع الى ذلك المعمم، فتناولت آلة حادة وهويتُ بها على رأسه فانفجر كالدملة. وهكذا، في لحظات، تختلط مصائر الأبرياء والمجرمين. يا لهذا العالم من موضع دنس يملؤه الشر! المحامي - هاتفاً - أنتِ بريئة. أنتِ بريئة بحكم القانون. لقد دافعتِ عن نفسك. المتهمة - لا تكن سخيفاً مرة أخرى. انا لا أريد براءتك هذه. لا أريد هذه المنّة. كان قاتلاً فاقتصصت منه. اقتصوا مني اذاً. المحامي - هذا غير صحيح، غير صحيح مطلقاً. الحالة تختلف. المتهمة - كان ذلك الطفل مستقبلي وبلسمي لتحمل أمراض الحياة من حولي. ماذا يجديني أن أحيا بعده؟ كيف يتسنى لي أن أنساه وكيف أجد هدفاً لعيشي؟ ألا ترى أن الانسان بغير هدف حيوان أبكم؟ فإذا تملكته وسيّرته أهداف واطئة سوداء، انقلب الى متوحش مجنون؟ قل ذلك لأبي، قل له لعله يفهم. - تقوم فجأة وتستدير لتنصرف . المحامي - واقفاًَ ببعض الهلع - رويدك سيدتي، الى أين تذهبين؟ لم ننتهِ بعد. المتهمة - تلتفت اليه وهي تسير ببطء نحو الباب الذي قدمت منه ? أنت الذي لم ينتهِ بعد، أما أنا فقد انتهيت منذ الأزل. ولي لك نصيحة... لا تفتش عن النهايات، فإن ذلك سيبقيك شقياً. - تشير الى الشرطي فيفتح لها الباب. تختفي وراءه من دون أن تلتفت الى الوراء - المحامي يعاود الجلوس ويضع رأسه بين يديه. لحظات صمت... ستار عمان - تشرين الأول أكتوبر 2005.