غالبية الناس وخصوصاً في الغرب ينظرون الى اجتماع وزراء "اوبك" على انه لغرض تحديد الانتاج ورفع الاسعار. ومن الواضح ان هذا المنظور متحيز ولو ان تحديد سقف الانتاج من اهم اهتمامات المنظمة الآن وعلى مدى سنوات مضت، لأن ذلك هو الوسيلة الوحيدة المتبقية للمنظمة للتأثير في سوق النفط. لكن هناك نقطتين مهمتين في البيان الصادر عن اجتماع وزراء "اوبك" الاخير في اصفهان وليست لهما علاقة بسقف الانتاج ولم يلحظهما كثير من المعلقين. وهاتان النقطتان تتعلقان بوضع صناعة التكرير والسياسات البيئية كما تراهما "اوبك" وغيرها على ان لهما تأثيراً كبيراً على تطور مستوى اسعار النفط وخصوصاً منذ بداية 2004. والواقع ان هاتين النقطتين مترابطتان كما سنرى لاحقاً. فبالنسبة الى صناعة التكرير توقع البيان استمرار "شح طاقة تكرير مؤثرة وخصوصاً طاقة التحويل" وان ذلك يسبب انفصاماً بين اسعار النفط الخام وأسعار المنتجات النفطية في السوق. والواقع ان اسعار المنتجات الخفيفة ارتفعت بنسبة اعلى من اسعار النفط الخام مما يعني ان السوق وان كانت مجهزة بما يكفي من النفط الخام، الا ان المصافي غير قادرة على تحويله منتجات تحتاجها السوق. وفي نهاية 2004، قالت مجلة "النفط والغاز" المتخصصة المعتمدة ان هناك 674 مصفى في العالم بطاقة تكرير ابتدائية كلية تصل الى 82.4 مليون برميل في اليوم م ب /ي وان هذه قريبة جداً من الطلب على النفط الخام ويعني ذلك عدم وجود طاقة احتياطية. اما طاقة التحويل التي تعني الطاقة المتعلقة بتحويل المنتجات الثقيلة غير المرغوبة الى منتجات خفيفة يحتاجها السوق فذكرت المجلة انها تبلغ 27.5 م ب /ي او 33 في المئة من طاقة التكرير الابتدائي. وهذه النسبة اقل مما هو ممكن فنياً اذ انها تبلغ 54 في المئة في الولاياتالمتحدة التي تمتلك صناعة تكرير على درجة عالية من التطور مما يعني انها تحتاج الى كمية اقل من النفط الخام لاشباع سوق معينة بالمنتجات الخفيفة. وباختصار هناك حاجة واضحة لبناء طاقات تكرير وتحويل جديدة لمناطق عدة من العالم وربما تأخذ طاقات التحويل اسبقية في ذلك. وفي الوقت نفسه ذكرت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها عن السوق النفطية في آذار مارس 2005 ان طاقة التكرير العالمية من عوامل ارتفاع الاسعار في 2004 وتضيف ان "توسيع طاقة التكرير اصبحت مسألة حرجة" وان "استهلاك النفط وصل الى طاقة التكرير المؤسسة". ودعا البيان "الجميع الى الشروع بجهد مشترك لمواجهة التحديات التي تواجه صناعة النفط". وهنا نرى ان على الدول المنتجة ان تكون على جانب من الحذر اذ ان التعاون وان كان مطلوباً بالفعل الا ان بناء طاقات تكرير جديدة يجب ان يؤسس على ربحية هذه المشاريع المكلفة وذات المردود المحدود تاريخيا. ان الولاياتالمتحدة مثلا تحتاج الى عدد من مصافي التكرير الكبيرة والمتطورة واذا ارادت ان تبنى هذه المصافي خارجها فعليها ان تضمن استيراد منتجاتها وان تضمن هامشاً معقولاً من الربح. وحتى لو بنيت هذه الطاقات في الولاياتالمتحدة ذاتها فإن عليها تسهيل ذلك للمستثمرين سواء كانوا شركات اميركية او اجنبية من البلدان المنتجة. والنقطة الثانية التي اشار اليها البيان تتعلق بالسياسات البيئية. وفي هذا الخصوص "يدعو الحكومات المستهلكة الى مواءمة سياساتها البيئية والطاقوية". ففي سنة 2004 حصل تشدد في مواصفات المنتجات النفطية في الولاياتالمتحدة وسيحصل الشيء نفسه في اوروبا في 2005. وحتى الهند والصين أدخلتها تغيرات في الاتجاه نفسه ولو بدرجة اقل. وعموماً يعتقد ان هذه التغييرات - على اهميتها - سريعة وان المصافي قد لا تكون تحظى بوقت كاف للاستثمار او لإحداث التغيرات المطلوبة في عملياتها. ففي آسيا على سبيل المثال فأن طاقة التحويل تزيد قليلاً عن 5 م ب /ي او 23 في المئة من طاقة التكرير الابتدائي وان ذلك مقرون بطاقة ازالة كبريت متدنية مما يجعل الحصول على مواصفات المنتجات الجديدة صعباً من دون الاعتماد على النفوط الخفيفة قليلة الكبريت مما ادى الى توسع الفروقات النسبية بين النفوط الثقيلة والخفيفة الى ضعفين او اكثر من مستواها المعتاد. وفي الولاياتالمتحدة ايضاً قامت بعض الولايات ذات الاستهلاك العالي بحظر مزج MTBE في الغازولين مما ادى الى شحة الغازولين في السوق وارتفاع في الاسعار. وMTBE من منتجات صناعة الغاز اذ يساعد على رفع العدد الاوكتيني للغازولين وزيادة الحجم المنتج كما يقلل الانبعاثات الضارة الى الجو. ان اكتشاف تسربات هذا المنتوج في ابار المياه في كاليفونيا كان ينبغي ان يدفع برنامج تصليح خزانات الغازولين الارضية للمحافظة على تكامل أنظمة السلامة بدلاً من حظر استخدام هذا المنتوج. ويتضح في الاقل من هذه الامثلة وغيرها ان السياسات البيئية لم تنسق بالشكل الكافي مع سياسات الطاقة. ولا غرابة ان تقرير "اوبك" عن سوق النفط في تشرين الاول أكتوبر 2004 قد قال "ان قصور طاقة التكرير في الولاياتالمتحدة ومحدودية طاقة التحويل ونزع الكبريت في آسيا ستبقى سبباً مهماً في المخاطر التي تواجه السوق". وبلغت نسبة التشغيل في المصافي في مناطق متعددة من العالم مستويات عالية وصلت احياناً اكثر من 90 في المئة. واذا كان ذلك مفيداً من الناحية الاقتصادية فأنه ليس كذلك من ناحية تأمين الامدادات. كما ان زيادة انتاج النفوط الجديدة في الفترة الاخيرة في السوق سيؤدي الى انخفاض اضافي في طاقة التكرير المؤسسة والى ضغط جديد على الاسعار والفروقات النسبية. * خبير سابق في وزارة النفط العراقية.