ثلاثة مدهشون حقاً، أو على وجه الدقة، يستدعون الدهشة، أحدهم ظل ينفي منذ اسابيع نفياً قاطعاً، وبثقة الخبير الاستراتيجي، ان تكون الادارة الاميركية تتدخل في موضوع القمة، أو تمارس ضغوطاً على بعض الدول لعرقلة انعقادها. وثانيهم راح يدبج المقالات ممتدحاً إلغاء القمة، وقد اعتبر ذلك "صدقاً" مع النفس. وكان مع كل قمة يهزأ بها لماذا؟ لكونها قمم كلام لا أفعال. وهو في الحقيقة كان سيرفضها أكثر لو نزلت بأقوالها الى التطبيق. قرارات القمم العربية مهمة وان كانت ناقصة التنفيذ. ومن يستهتر بالكلام فليسأل لماذا وضعت الادارة الاميركية كل ثقلها لئلا تسمع كلاماً يصدر عن قمة عربية تدين جرائم شارون وانحياز اميركا له، أو ترفض احتلال العراق أو تستنكر جريمة اغتيال الشيخ أحمد ياسين، أو تدعم الشعب الفلسطيني؟ وثالثهم كان خطوة الرئاسة التونسية، بعد اتفاق وزراء الخارجية على بيان يُعلن عقد القمة العربية. فأخذت الوزراء بغتة، كما لو كانت صاروخ اغتيال، ضرب إرادة 21 دولة، وبقرار منفرد. وسحبت الدعوات التي وجهت الى الملوك والرؤساء العرب. وأجلت القمة الى أجل غير مسمى. هذه الخطوة تعتبر شاذة حتى بمقاييس السياسة التونسية عربياً. ولا علاقة لها، بالتأكيد، بما حله بيان الإلغاء الفوري والتأجيل غير المسمى، بالسبب الحقيقي. بل ان ارتجاليته وسوء اخراجه لا تفسير لهما إلا باعتبار ان أمراً جاء من الخارج. وذلك ما دام من غير المعقول ان يكون نتاج المنطق السياسي الذي حكم العلاقات التونسية - العربية، لا سيما منذ الانقلاب العسكري الذي أطاح الرئيس السابق الحبيب بورقيبة. صحيح ان تونس حاولت عدم استضافة المؤتمر. وصحيح انها تضافرت مع بضعة دول داخل اجتماعات وزراء الخارجية لاستبعاد التوصل الى اتفاق، إلا انها عادت ووافقت على استضافة المؤتمر وقبلت المعالجة التي توصل اليها الوزراء حول ما ثار من خلافات. وغني عن القول ان من أولى مهمات الجامعة العربية ومؤتمرات القمة تتمثل بمعالجة الخلافات العربية والتوصل الى الحد الأدنى من التوافق ان عزّ الأعلى منه. فالتذرع بالخلافات غير مقنع وليس مسوّغ. والانكى ذلك التذرع، في بيان الإلغاء، بالديموقراطية والحريات السياسية والاصلاح والمجتمع المدني. ومن من؟ من تونس... هذا كثير على الشعب التونسي وعلى الدول العربية ان يُعطينا مثل هذا الدرس. وبالأمس فقط قال الرئيس الاميركي في اثناء مقابلته للرئيس التونسي زين العابدين بن علي، وبأسلوب غير لائق: "أريد ان أرى في تونس حرية صحافة، أريد ان أرى في تونس...". والسؤال: أفلا يؤكد قرار إلغاء القمة بهذه الطريقة، حتى بلا اخراج، ان اميركا بوش حين تضغط على جرح الديموقراطية والاصلاح تفعل ذلك لابتزاز مواقف في قضايا تعني المشروع الصهيوني وتعنيها في منطقتنا. ولهذا ينبغي لكل الدول العربية ان تتأكد، وهي تعلم، ان مشكلتها مع اميركا ليس لها علاقة بديموقراطية ولا اصلاح ولا مجتمع مدني ولا تمكين المرأة، وانما مشكلتها القبول بكل قائمة المطالب المتعلقة بالدولة الاسرائيلية. لكل معارض يخطر بباله ان يتقرب من الادارة الاميركية بأن يدرك ان عليه تلبية تلك القائمة بعد ان يتم استخدامه أداة في الضغوط الاميركية أو العدوان. والى هنا يكفي توقفاً عند قرار إلغاء القمة الموعودة. لأنه كاف بسبب خروجه على المألوف التونسي نفسه، عن ظاهرة عربية جديدة اخذت تبرز بأشكال مختلفة منذ بداية التحضير للعدوان على العراق. وتبلورت اكثر بعد احتلاله. وهذه الظاهرة تمثلها "مجموعة" محدودة من الدول العربية الصغيرة. وليس كل الدول التي ابتليت بصغر الحجم، فهناك صغار حجم ليسوا بصغار. والأمر كذلك بالنسبة الى شعوب تلك المجموعة. فالشعوب كبيرة مهما ضاقت حدودها. والمشكلة في الأنظمة التي تستقوي بالخارج على اشقائها وشعوبها. بدأت ظاهرة تلك الدول تتجلى في مواقف ذات نفس عدائي موجه الى هذا "الشقيق الأكبر" أو ذاك، وبخروج عن تقاليد عريقة في نمط العلاقات. وليس هنالك من سبب غير الشعور بما ألم بالوضع العربي من ضعف. وما راح يتعرض له أولئك الاشقاء من ضغوط اميركية. وقد جاءت استجاباتهم دفاعية لا تخلو من ارتباك وضعف، والاسوأ المعالجة المنفردة. مما سمح لأميركا بأن تعظم ضغوطها على الدول الصغيرة، فلم تترك لها ذلك الهامش الذي كانت تراعي فيه الاشقاء والرأي العام العربي، بما في ذلك الرأي العام الداخلي. واذا كان الأمر كذلك فهل دخلنا مرحلة كشف المستور؟ هذه الحالة هي التي تفسر تلك السياسات التي راحت تتجرأ على الجامعة العربية التي طالما كان ميثاقها حماية لتلك الدول. ويفسر هذا التجاسر ذلك الابتعاء كثيراً عن سياسات الأشقاء حتى صرنا نسمع اصواتاً تعطي دروساً في كيف يجب ان تكون العلاقة مع اميركا. وتلح على الاستجابة لكل مطالبها. وتعتبر مجرد التحفظ عن بعض النقاط جهلاً في فهم ميزان القوى وفن السياسة. ولم يعد يهمها ان تنفرد بترتيب أمورها كأن الوضع العربي اصبح سائباً، أو غدا "شرقاً أوسطياً": الكلمة فيه لأميركا ومراعاة الدولة الاسرائيلية. على ان هذه الظاهرة ضعيفة، وغير قادرة على الصمود أو الاستمرارية. وان توهمت ان اميركا هي التي ستكسب الجولة ودونها جولات. وهذا من قصر النظر في فهم موازين القوى الدولية والاقليمية والعربية. وهو أقصر نظراً حين يأتي مثلاً الى شعبي فلسطين ولبنان، على صغرهما، وشعب العراق والشعوب العربية والاسلامية. بل شعوب تلك الدول نفسها، ونخبها ذات التاريخ الطويل في الانتماء للأمة والغيرة على قضاياها. فالادارة الاميركية انكفأت الآن على نفسها عالمياً واقليمياً ولم يبق لها من كلمة مطاعة في اغلب الموؤاقع عدا لدى أولئك الذين لا يحسبون جيداً أو يخافون ان يفضح الاستبداد وهدر حقوق الانسان في بلادهم. بيد ان المطلوب الآن، وبصورة عاجلة، الاصرار على عقد القمة في مقر الجامعة العربية في القاهرة، وبمن حضر، وعدم السماح بالمماحكة والتأجيل. فكل من يطلب التأجيل اكثر من بضعة اسابيع انما يريد ألا تكون هناك قمة. اما اذا ارتئي الا تعقد قمة لأسباب فنية أو قانونية أو غيره، فلتعقد قمة للدول التي يستهدفها تخريب العلاقات العربية - العربية. فالرطل حتى يطير من الميزان يحتاج الى رطلين. ثم هنالك مسألة في معالجة الخلافات العربية - الظاهرة الجديدة - ؤهي عدم الدخول على مستوى الانظمة بالنقد العلني، أو المهاترات، أو قطع العلاقات أو ما شابه. فهذه نتائجها سلبية دائماً ولا تخدم الا اسرائيل واميركا. وليترك هذا الأمر للشعوب للتدخل، لا سيما شعوب الدول التي قبلت لنفسها ان تكون مخلب قط ضد الاشقاء والأمة. فالرأي العام العربي، بالتأكيد، تلقى رسالة إلغاء القمة. ويتميز غضباً ليقول كلمته. وعليه ان يتحدى كل منع للتعبير عن رأيه. وهذا هو الدواء لذاك الداء.