لنفترض ان حل النزاع العربي - الاسرائيلي سيبقى مستعصياً لسنوات عدة بقرار اسرائيلي هدفه، جزئياً، منع الاعتدال العربي من الانتصار على التطرف، ومن أجل طبع الارهاب على الجبين العربي لضمان استمرار التوأمة الاميركية - الاسرائيلية في ما يسمى الحرب على الارهاب. اذا كانت هذه هي الاستراتيجية الاسرائيلية، فما هي الاستراتيجية العربية المضادة، غير الإصرار على ان هزيمة الارهاب تتطلب كشرط مسبق حل النزاع العربي - الاسرائيلي؟ التشديد على ايجاد حل عادل لهذا النزاع منطق يجب ابرازه، انما ليس كذريعة للتهرب من استحقاقات ومواجهة فاشلين ومفلسين تكرههم الاكثرية العربية هم: المحافظون الجدد الاميركيون الذين اختاروا العرب العدو الارهابي الوحيد، رغم ان الارهاب ليس عربياً أو اسلامياً حصراً من جهة، ومن جهة اخرى الارهابيون العرب الذين لم يجلبوا الى المنطقة العربية سوى المآسي، وهم يتظاهرون بأنهم يخدمون قضاياها. وما دام القاسم المشترك في برامج الطرفين هو استدعاء الآخر الى صدام ديني أو عرقي، لن يكون احدهما مفيداً للمستقبل العربي، مهما تكاثرت مزاعم الديموقراطية أو دعوات الجهاد. كلاهما الآن جعل من العراق ساحة مباحة لاختبار طموحات بائسة تستخدم فيها أرواح العراقيين وكأنها سلعة رخيصة في حرب"إبادة"من وجهة نظر مصيرية"اسمها حرب الارهاب". الأكثرية الصامتة في المنطقة العربية تراقب تلك الحرب وكأنها مبارزة بين الولاياتالمتحدة، بقيادة جورج دبليو بوش، وبين شبكة"القاعدة"وزعيمها اسامة بن لادن، ومشتقاتها من أمثال"أبو مصعب الزرقاوي". مبارزة تهدف الى استخدام العراق نقطة انطلاق لتغيير انظمة عربية، بفوضى أو بغزو أو بانهيار. قد يقال ان أفضل خيار هو مجرد المراقبة، لأن الطرفين على مسار الانهيار والفشل. لكن هل هذا كافٍ وهل هناك خيار أفضل؟ وهل صحيح ان الطرفين في انحسار؟ المراقبون للانهيار ينتمون الى معسكرين: معسكر الذين يريدون الاحتفاء بهزيمة المحافظين الجدد، بل الهزيمة الاميركية في العراق. ومعسكر الذين يجدون في أي انتصار للمتدفقين المتطوعين ممن يسمون"العرب الافغان"هزيمة جذرية للمستقبل العربي لأنهم يأخذون بالمستقبل الى قاع انحطاط العصور المظلمة. ثمة خوف ملفت للانتباه في الصراع الداخلي للذين يخشون حسم الانتماء الى أي من المعسكرين. الخوف من ان يؤدي الوقوف ضد المتطرفين أو الارهابيين أو المتمردين أو المقاومين العرب الى تعزيز المحافظين الجدد والصقور والمتطرفين الاميركيين والتمهيد للمزيد من مغامراتهم على حساب المصالح العربية. والخوف من ان يؤدي التصدي للمحافظين الجدد وللتدخل الاميركي في المنطقة عبر الحروب واللااستقرار الى فوز الاسلاميين المتطرفين وتسهيل تسلطهم على القرار السياسي والاجتماعي، بما يطيح الحريات وكل ما هو عصري. هناك من ينادي الى التغيير الضروري في المنطقة العربية على متن أي عربة اسعاف، حتى ولو كانت المحافظين الجدد. وذلك أولاً، من أجل اسقاط الأنظمة المستبدة، وثانياً من أجل منع الاسلاميين والجهاديين من التحكم بالمصير العربي. ورأي هؤلاء ان اسقاط نظام صدام حسين ما كان ليحدث لولا القوة العسكرية الاميركية، ومن دون القوة العسكرية الاميركية ضد الاسلاميين و"العرب الافغان"وأمثال شبكة"القاعدة"سيسيطر التيار الجهادي والاسلامي على المجتمعات العربية وسيسقط أنظمة مستبدة ويستبدلها بأنظمة أكثر استبداداً. أصحاب هذا الرأي ليسوا مخطئين ومنطقهم صحيح. مشكلتهم ان الاهداف الأميركية من حرب العراق ما زالت غامضة وغير معروفة لمعظم العالم. ولذلك تظهر الشكوك في خلفية هذه الحرب ومستقبلها. ولولا المخاوف مما في ذهن الإدارة الاميركية والمحافظين الجدد لكانت الأكثرية الصامتة اكثر جهورية في التعبير صراحة عن رفض السلطوية المطلقة، سواء لبست ثوب الحكومات او قناع المعارضة الجهادية. انما السؤال هو: هل مصلحة هذه الأكثرية المعتدلة مهددة بسبب صمتها واكتفائها بمراقبة الأحداث وكأن الحروب القائمة لا تعنيها؟ الجواب: نعم. ان الصمت يهدد بحسم الحروب من دون تأثير الاعتدال فيها. ولذلك لن يكفي صفوف الاعتدال ان تقبع في المراقبة، اذ حان لها التفكير الخلاق في استراتيجية جديدة لا تخلو من المغامرة. بدلاً من تخوين الذين يتقبلون عربة الاسعاف، بغض النظر عن هويتها، يجدر بصفوف الاعتدال النظر الى"العربة"من ناحية"الاستخدام"العابر. يجدر بها الكف عن النظر الى الواقع والمستقبل العربي من منظور الخطط أو الأهداف أو المؤامرات الاميركية. فهناك قضايا محلية واقليمية كثيرة تتطلب مواقف صريحة وجريئة وعلنية من الاعتدال العربي. وهناك خيار التجاهل للوصايا الاميركية عمداً كجزء من استراتيجية الانصباب على ما هو في المصلحة العربية بمعزل عن رغبات الاميركيين. المصلحة العربية تقتضي الآن تحدي الارهاب مهما كانت غاياته وفصل التحدي له عن مطالب سياسية مهما كانت معالجة القضايا المستعصية منطقية في محاربة الارهاب وقطع الطريق عليه. تقتضي المصلحة العربية تحدي الارهاب لأنه أصبح المبرر لعلاقة أمنية بين الحكومات العربية والادارة الاميركية، ترسخ بقاء هذه الحكومات بسبب اجتهاداتها الأمنية وتقوي أواصر حكمها العسكري على حساب الحريات السياسية والشخصية. كل عاقل يدرك ان حل النزاع العربي - الاسرائيلي يمكن الاعتدال العربي من مواجهة التطرف، ويسحب من الارهابيين والجهاديين ورقة حشد العداء للولايات المتحدة. كل عادل يدرك ان الاعتذاريين لاسرائيل من الاميركيين يستغيبون القضية الفلسطينية والنزاع العربي - الاسرائيلي عمداً وتكراراً عند الحديث عن سبل مكافحة الارهاب. وذلك للأهداف الآتية: اعفاء اسرائيل من الضغوط الاميركية، والحفاظ على مكانة التوأمة لاسرائيل مع اميركا في الحرب على الارهاب، وتقنين الارهاب في العرب بصورة خاصة وكأنه نزعة طبيعية لا علاقة لها بالنزاعات السياسية ولا صلة لها بالاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية. اضافة الى ان القرار الاسرائيلي الاستراتيجي هو ابعاد معالجة النزاع العربي - الاسرائيلي عن النقاش في وسائل مكافحة الارهاب، وتغييب الاحتلال وافرازاته، مع زج الفلسطينيين في قفص"الارهاب". أمام هذا الواقع هل أمام الاعتدال العربي من خيارات سوى الإصرار على معالجة النزاع العربي - الاسرائيلي كشرط مسبق للوقوف جهراً في وجه الارهاب لمكافحته؟ الفلسطينيون من أمثال محمود عباس رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، بدأوا بتناول الأمرين بصورة منفصلة لفك الربط بين الفلسطينيين والارهاب كما يصوره رئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون واقنع الادارة الاميركية بذلك التصور. لا شرط مسبقاً بين مكافحة الارهاب الذي حمل الى الشعب الفلسطيني المزيد من البؤس، وبين حل النزاع الفلسطيني - الاسرائيلي حلاً عادلاً يضمن للفلسطينيين مستقبلاً ودولة مستقلة. هكذا يطرح الاعتدال الفلسطيني موقفه الآن، وهو محق. فكما توقف الكلام عن الشرط المسبق بين الاصلاح الضروري للحكومات العربية وبين حل النزاع العربي - الاسرائيلي، يمكن وقف الكلام عن شرط حل النزاع لمكافحة الارهاب. فكل مسألة بحد ذاتها مسألة كبيرة تستحق العمل عليها عربياً بغض النظر ان كانت منفصلة عن المسألة الأخرى أو مرتبطة معها. الاصلاح ضروري. حل النزاع العربي - الاسرائيلي ضروري. مكافحة الارهاب ضروري. فإذا كانت الاستراتيجية الاسرائيلية تتعمد جعل حل النزاع العربي الاسرائيلي مستحيلاً لطبع الارهاب على الجبين العربي بسبب تلكؤ وترفع الاعتدال عن تحديه، لربما من مصلحة استراتيجية الاعتدال العربي فك الربط بين الارهاب والحل، مهما استخدمته اسرائيل، من اجل افشال استراتيجيتها. بكلام آخر، لربما حان التفكير العربي بغير الفكر التقليدي القائم على حساب المصلحة العربية عبر موازين الخسارة أو الفائدة الاسرائيلية، ليحسب حساب الفائدة العربية. سيقول البعض ان المقاومة للاحتلال حق مشروع. هذا كلام صحيح يضاف اليه ان قوة الاحتلال الاسرائيلي تمارس أنواعاً عدة من الارهاب، كما تلخص المقاومة كمجرد ارهاب، بسبب اعمال ارهابية استهدفت المدنيين. قد يقال ان العمليات الانتحارية باتت السلاح المتاح امام التفوق في القدرات العسكرية الاسرائيلية. نعم، انما هذا السلاح انقلب على الفلسطينيين انفسهم، ولذلك فإن كل الفصائل الفلسطينية تتحاور في شأن كون المصلحة الفلسطينية تقتضي استراتيجية جديدة كلياً. عراقياً، قد يقال ان حركة التمرد أو المقاومة للاحتلال هي التي لقنت الولاياتالمتحدة درساً في الغزو وافرازاته، هذا صحيح ايضاً، ولكن النتيجة ليست في مصلحة الاعتدال العراقي، ولا تضمن بقاء العراق موحداً، وتنذر إما بحرب طائفية وتفكيك العراق وإما بحكم اسلامي له امتداد الى ايران. هناك من يتوقع ان تؤدي حرب العراق الى تسليم العراق الى ايران كأمر واقع بعد ان تهرول القوات الاميركية عائدة من مغامرة فاشلة ورطها فيها المحافظون الجدد في العراق. الذين يتوقعون هذه النتيجة يشيرون الى ان هذه الحرب تكلف الخزينة الاميركية مئة بليون دولار سنوياً. كما ان كلفة العتاد العسكري التي ستظهر في فاتورة 2006 أو 2007 ستكون باهظة لدرجة الادهاش. ولذلك ستهرول القوات الاميركية عائدة بقرار لإدارة جورج دبليو بوش، ان كان العراق في مسيرة الديموقراطية أو في انهيار، أو في احضان ايران أو في حرب اهلية مستعرة. رأي آخر يشير الى اصرار المحافظين الجدد على ضرب ايران والاستيلاء على الحقول النفطية العربية وابقاء القوات الاميركية في المنطقة للهيمنة عليها لضمان المصالح الاستراتيجية الاميركية ومصالح اسرائيل. والقائلون بهذا الرأي يتوقعون ألا يخضع المحافظون الجدد للخسارة بسهولة وسيلجأون الى أي وسيلة حتى وان زادت في توريط الولاياتالمتحدة وهلاك المنطقة العربية. فمشروع المحافظين الجدد، كما مشروع الجهاديين الاسلاميين لا علاقة له بخير للعراق وانما له كل علاقة بالكراهية والسلطوية. الشهور المقبلة ستكون باهظة الكلفة ليس فقط للفرد الاميركي الذي تموّل ضرائبه مغامرات المحافظين الجدد، وانما ايضاً للفرد العربي الذي يرتهنه الجهاديون والاسلاميون في مسيرة التدمير بلا أي وعود بمستقبل أفضل. فما يقدمه هؤلاء، حتى وان تذرعوا بمقاومة الاحتلال الاجنبي، هو من أجل فرض هيمنتهم على مستقبل الأجيال العربية لاقتناصها. وما يتعالى به المحافظون الجدد يستحق الازدراء لأنهم على طريق الانهيار بعدما ارتهنوا اميركا ورئيسها لتسويق وعود الديموقراطية والحرية الزائفة.