قبل اسبوعين، استبعد الإعلاميون الأميركيون في احاديثهم العامة والخاصة، فوز المرشح الديموقراطي جون كيري في الانتخابات الرئاسية، متوقعين انتصاراً "شبه تلقائي" للرئيس جورج دبليو بوش في المعركة الانتخابية، لأنه أقدر عليها. وقبل حفنة أسابيع، استنتجت اكثرية الحكومات في العالم ان بوش سينتصر، مستهترة بالاستطلاعات التي أوحت بمعركة حامية بين المرشحين. وفي الأيام القليلة الماضية، برزت نبرة جديدة لدى تلك الأكثرية من الإعلاميين الأميركيين والحكومات غير الأميركية، اذ بات امكان فوز كيري بالانتخابات وارداً جداً في الأحاديث وفي الأذهان. لم يأت أحد أهم أسباب التغيير بسبب شريط زعيم "القاعدة" أسامة بن لادن الذي اعترف فيه للمرة الأولى بصراحة مباشرة ان "القاعدة" ارتكبت ارهاب 11 ايلول، بل جاء بسبب رسالة بعثها مسؤول عراقي الى المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية الدكتور محمد البرادعي، أبلغه فيها ان نحو 370 طناً من المتفجرات كان في موقع القعقاع عند بدء حرب العراق ثم اختفى. ولم يتأثر الناخب الأميركي جذرياً بلوم رئيس الحكومة العراقية الموقتة اياد علاوي لقيادة التحالف الأميركية على مجزرة اودت ب49 جندياً عراقياً، ولا بالتقارير التي أفادت ان حرب العراق أسفرت حتى الآن عن مقتل 100 ألف عراقي. واهتمام هذا الناخب بما كشفت عنه رسالة الموظف العراقي الى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ناتج من الآتي: صعوبة تصديق كيف فشلت ادارة جورج بوش في تأمين مثل هذا الموقع وهذا القدر من المتفجرات، والخوف من سقوط المتفجرات في أيدي ارهابيين في العراق، وتكرار الأخطاء في حرب العراق بصورة مدهشة، وتحميل اللوم في ذلك الى بوش. وكان محمد البرادعي لفت انتباه الادارة والقيادة الأميركية في العراق أكثر من مرة، الى خطورة عدم تأمين المواقع التي احتوت اسلحة قابلة للاستخدام المزدوج، سبق ان اشرفت الوكالة الدولية عليها اثناء نظام صدام حسين. وكتب البرادعي رسائل الى مجلس الأمن بالفحوى ذاته الذي تضمنته الرسالة الأخيرة. الذخيرة القاضية لكن الفارق هو توقيت الانتخابات الذي أثار غضب ادارة بوش وتهديد مسؤولين اميركيين للبرادعي بعقاب، بل ان الادارة الأميركية ترفض الآن التصديق على مشروع قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة يناقش اليوم الاثنين، لأنه يتضمن الشكر والمديح بالبرادعي الذي سيخاطب الجمعية العامة، فهو في رأي أقطاب ادارة بوش "وفر لفريق كيري ذخيرة ثمينة، قد تكون الطلقة الأهم ضد بوش لاسقاطه". وينفي البرادعي قطعاً تهمة التدخل في الانتخابات الأميركية لغايات سياسية، ويعتبر تلك التهمة كلاماً فارغاً، ويشير الى انه تلقى الرسالة من الوزارة العراقية، والى انه أبلغ قيادة التحالف بها كي تقوم بالتحقيق أو باستدراك ما حدث، اذا ثبت ان المتفجرات سُرقت او سقطت في ايادٍ مجهولة. ويقول انه أبلغ مجلس الأمن بالموضوع بعدما كشف الاعلام عنه، مؤكداً ان من واجبه ان يبلغ المجلس بذلك على أي حال. والبرادعي غاضب من التهديد الأميركي له بإقصائه من منصبه عقاباً، ليس لأنه يريد المنصب وإنما لأنه سقط في مخالب الاعتبارات الانتخابية، فيما كان يقوم بمهمته وبمسؤولياته قلقاً من مصير وقوع 380 طناً من المتفجرات في أيدي الإرهاب. ولم يتناول مجلس الأمن الموضوع، أولاً: لأن السفير الأميركي الجمهوري أوضح انه لن يسمح بذلك. وثانياً، لأن بقية أعضاء المجلس خشيت ان تُتهم بالتدخل في الانتخابات الأميركية. وتذمر كوفي أنان الأسبوع الماضي، من أن كل موقف يتخذه وكل اجابة له عن سؤال يؤخذ في الإعلام كدعم أو معارضة لأحد المرشحين. وجملته الشهيرة التي وصف فيها حرب العراق بأنها كانت "غير قانونية"، اعتُبرت صوتاً انتخابياً ضد بوش. هناك من يخشى على أنان من العقاب إذا بقي بوش في منصب الرئاسة. وهناك من يرى أن موضوع العراق سيبقي ميزان العلاقة الأميركية مع العالم، اذا كان الرئيس الأميركي كيري أو بوش. اذا طُرد جورج دبليو بوش من البيت الأبيض، فإن السبب الرئيس وراء سقوطه هو العراق الذي يشكل موقع "انزلاق قدم" العقيدة الاستباقية التي تصورها المحافظون الجدد والصقور في ادارة بوش. العراق في عهد كيري فوز كيري، إذا فاز، لن يغيّر جذرياً السياسة الأميركية نحو العراق، لكنه يمثل فرصة لإعادة رسم المسار هناك. فمجرد قدوم ادارة جديدة الى الواجهة بشعار التغيير له وطأة سيئة ولو كان شعار ادارة بوش هو الاستمرار في المسار الذي أدى حتى الآن الى نتائج معروفة ومكلفة. الديبلوماسية الأوروبية والأممالمتحدة، بشقيها البريطاني من جهة والفرنسي - الألماني، ليستا بتلك الدرجة من الارتياح لقدوم كيري الى الرئاسة. فالشق البريطاني يعتبر نفسه حليفاً لبوش نظراً الى العلاقة المميزة بين بوش وتوني بلير، كما ان انتقادات كيري اللاذعة لسياسة بوش في العراق هي أيضاً ضد سياسة بلير في العراق. أما الشق الفرنسي - الألماني فيخشى أن يفترض كيري ان مجرد دعوته أوروبا للمشاركة في العراق ستعني الموافقة التلقائية لمجرد انه "رئيس" الديبلوماسية المتعددة الأطراف. ذلك ان هذه الدول لن تلبي الدعوة الى المأزق العراقي اذا جاء من جون كيري بقدر ما رفضت ان تلبي الدعوة عندما جاءت من جورج بوش. ويخشى هذا المعسكر ان يأتي كيري، عملياً، بموجة جديدة من المواجهة الأميركية - الأوروبية، بما يؤدي مجدداً الى انقسام اوروبي والى معركة بين جزء من أوروبا مع الولاياتالمتحدة بقيادة كيري. عقر دار الديبلوماسية العالمية في نيويورك، حيث حكومات العالم تمثل شعوبها لدى الأممالمتحدة، يسير الى انفصام كامل بين الشعوب التي لا تريد بوش رئيساً لأميركا وبين الأكثرية الساحقة من الحكومات التي لا تريد كيري. ففي هذه الدار تضج الأروقة عامة بانتقادات متراكمة للسياسة الأميركية كما تعبر عنها الادارة الحاكمة، ديموقراطية كانت أو جمهورية. يزداد الضجيج في السنة الأخيرة من الولاية الى حين بروز احتمال حقيقي لمجيء الجديد. عندئذ تهتز اروقة هذا الدار في استدراك وفي "لف كوع" سريع بشعار "شر تعرفه ولا خير تتعرف عليه". فهذا هو قدر الثقة بالقيادة الأميركية ضد الارهاب وفي الساحة العراقية.