لم يكن العام 2003 الذي انقضى عاماً طيباً بالنسبة الى السينما العربية في شكل عام، وإن شهد نشاطاً إنتاجياً محموماً ابداه عدد من السينمائيين العرب الأكثر شهرة وموهبة. لكن أياً من هؤلاء لم ينجز فيلمه الموعود، او الذي بدئ في تصويره، ما يعني - إذ ان لدى كل واحد منهم فيلماً هو الآن قيد الإعداد - ان العام 2004 سيكون عاماً سينمائياً عربياً مميزاً. وحسبنا ان نستعرض اسماء الذين ينكبون الآن على إنجاز افلامهم للتيقن من هذا. فهناك اولاً يوسف شاهين الذي يضع اللمسات الأخيرة على فيلمه الجديد "الاسكندرية - نيويورك"، وهو في رأي الذين شاهدوه حتى الآن تحفة جديدة تضاف الى سجل شاهين في مجال "سينما السيرة الذاتية"، ومرافعة سياسية - سينمائية من طراز طيب، حول موقف فنان عربي مرهف الحس من اميركا وحضارتها. وهناك محمد ملص الذي ينجز "شمس الأصيل" في عودة الى الشاشة الكبيرة منتظرة منذ زمن طويل. ملص، بعيداً من السيرة الذاتية التي هيمنت على فيلميه الكبيرين السابقين، يقدم هنا حكاية اجتماعية ذات دلالة وشديدة الحساسية، من خلال حكاية جريمة "شرف" حدثت حقاً في مدينة حلب. محمد ملص اختار ان يصور فيلمه الجديد بالكاميرا الرقمية ديجيتال سعياً وراء فرص تعبير جديدة، ولكن كذلك في محاولة - مجدية - لضغط النفقات في زمن لم يعد من الممكن العثور على تمويل حقيقي لأفلام حقيقية. ومثل هذا فعل محمد خان في مصر، وخيري بشارة وأسماء البكري، مواطنا محمد خان، إذ ها هم الثلاثة يستعدون لإطلاق جديدهم، في مناخ اكثر تأزماً، ولكن اكثر استقلالية في الوقت نفسه. قضايا وذات يسري نصر الله يسير في اتجاه آخر، فإذا كان زملاؤه الذين كانوا يسيرون في اتجاه سينما القضايا، بدأوا يعودون الى داخل الذات شيئاً ما، فإنه هو يتجه معاكساً لهم، يترك الذات ليخوض سينما القضية. والقضية هنا هي القضية الفلسطينية، من خلال حكاية الهجرة الفلسطينية، وفي قالب وعد يسري نصر الله بأنه سيكون بعيداً بعض الشيء من الرسالة السياسية والأفكار الجاهزة التي اعتادت الهيمنة على مثل هذه الحكايات. فيلم يسري نصر الله عنوانه "باب الشمس" وسيكون سينمائياً في جزء واحد، وتلفزيونياً في جزءين. هذا الفيلم صوره يسري نصر الله، بأموال فرنسية، بين لبنان وسورية، ويتوقع له البعض ان يصل الى "كان". وفيلم شاهين قد يصل ايضاً الى "كان" إن لم يعرض في برلين خلال الشهر المقبل. وإذا كنا توقفنا هنا عند هذه الأسماء التي هي عادة، الأبرز في مجال ما يسمى - اتفاقاً - بالسينما العربية الجادة، فإن في الإمكان ايضاً الوقوف عند جوسلين صعب التي تصور في مصر فيلمها الجديد "دنيا". تغوص فيه في صلب قضايا المرأة، روحاً وجسداً، بدعم مباشر من اعلى السلطات في مصر. وحتى الآن يتردد ان ليلى علوي ستشارك في الفيلم الى جانب هند صبري، التي ستلعب، هي، الدور الأساس. ولمناسبة الحديث عن جوسلين صعب، وسينما المرأة العربية، قد يكون من المهم الإشارة الى ان الفلسطينية مي مصري تعمل حالياً، وللمرة الأولى في تاريخها السينمائي، على كتابة فيلم روائي طويل، لم يتضح بعد ما اذا كانت ستتمكن من تصويره وعرضه خلال هذا العام. في المقابل تنجز التونسية مفيدة تلاتلي فيلمها الجديد - الثالث - الذي قد يعرض في واحد من مهرجانات العام الدولية - "كان" أو "البندقية" - ويقول العارفون بعمل تلاتلي انها قد تكون في الفيلم الجديد مستعدة للإفادة من بعض ردود الفعل السلبية التي جابهت فيلمها الثاني "موسم الرجال" مقارنة بتحفتها الأولى "صمت القصور". وفي تونس ايضاً ربما يبدأ رضا الباهي تصوير فيلم جديد له، يريد منه ان يكون ذا مدى عربي واسع... وهو نفسه ما يتطلع إليه مؤمن السميحي المغربي الذي يبدو غائباً عن الساحة منذ زمن. موعد الصيف وفي المغرب نفسه، ثمة حمى إنتاج حالياً، لم يتضح بعد، المدى الذي ستتخذه، وما اذا كان سينجز خلال العام الحالي بعض وعودها، ولكن من المؤكد ان وصول الناقد نور الدين صايل الى رئاسة المركز الوطني للسينما، سيؤجج هذه الحمى، بحيث ان المرحلة المقبلة ستستمد جديداً لمبدعين من طينة جلالي فرحاتي ومحمد عبدالرحمن التازي وفريدة بليزيد وغيرهم. من كل هذا، قد يتضح لنا ان السينما العربية، او هذا الجزء منها على الأقل، سيكون في خير خلال العام الجديد، ولا سيما بالمقارنة مع العام المنصرم الذي حتى وإن كانت سورية قد تمكنت خلاله من إنجاز عملين لافتين "ما يطلبه المستمعون" لعبداللطيف عبدالحميد و"رؤى حالمة" لواحة الراهب وكان لبنان انجز عملين آخرين "طيارة من ورق" لرندة الشهال، الذي كوفئ تسامحه السياسي ووقوفه الى جانب حق المرأة العربية في الحب بجائزة لا بأس بها في مهرجان "البندقية"، و"زنار النار" لبهيج حجيج، فإن كل ما أنتج خلاله في البلدان العربية كافة، جاء مقصراً من ان ينعش آمال الصور المتحركة، ولا سيما في مصر حين اقتصرت الجدية على فيلمين هما "سهر الليالي" و"حب البنات"، فيما ظل "بحب السينما" رائعة اسامة فوزي الجديدة، في علبه يعاني ما يعاني، وهو الفيلم الذي - إذ شاهدناه في عرض خاص في القاهرة - تبدى تحفة صغيرة، من الناحيتين الفنية والاجتماعية. في اختصار، من الواضح ان هذا كله يعد بأن يكون الموسم السينمائي لمهرجان الفيلم العربي في "معهد العالم العربي" في باريس، خلال الصيف المقبل، موسماً غنياً. إذ ان هذا الموعد الذي بات، عاماً وراء عام، الموعد الأساس للسينما العربية في العالم، سيحظى بأفضل ما عرض خلال العامين الفائتين، وبأفضل ما أنتج حتى الآن ولم يعرض بعد. ومن هنا نضرب لمحبي السينما العربية موعداً في الصيف، سيتكامل تأكيداً مع المواعيد الأخرى، إذ نتوقع، منذ الآن، ان يكون الحضور العربي في "برلين" و"كان" و"البندقية" وغيرها افضل كثيراً مما كان خلال 2003.