ليس ثمة ما هو أكثر حضوراً، في المترو الباريسي، من الجزائر في هذه الأيام. فالملصقات العملاقة التي تحمل بالفرنسية اسم الجزائر مكتوباً بنطقه العربي لمرة نادرة وليس فقط بنطقه الفرنسي المختلف، تملأ جدران محطات "المترو"، كما ان إسم كاتب ياسين، المؤلف المسرحي الجزائري الراحل، في كل مكان. فإذا أضفنا الى هذا ملصقات معرض الخيول في فنون الشرق والغرب المقام في معهد العالم العربي، ثم ملصقات مسرحية "ام كلثوم" المقدمة في مسرح جان فيلار، تكتمل الصورة: جزء من الثقافة الشعبية الباريسية يعيش اليوم على ايقاع عربي. وعلى ايقاع جزائري تحديداً. ان الملصق الأكثر بروزاً فهو ذاك الذي يتحدث عن حفلة موسيقية كبيرة تقام لمناسبة افتتاح "عام الجزاير" في فرنسا. وهذا العام يتضمن الكثير من الفاعليات الثقافية. أما معهد العالم العربي في باريس، فقد أخذ على عاتقه جانباً أساسياً ومهماً من هذه الفاعليات: طوال عام بكامله تقريباً، سيعرض المعهد عشرات الأفلام التي تشكل التاريخ الأكثر زهواً للسينما الجزائرية. ولافت ان تكون التظاهرة المقسمة على أكثر من حقبة، اختارت لنفسها ان تكون "تحية الى السينمائيين الجزائريين" اذ لمرة، لا بد لأحد من ان يذكّر بأن السينما، سواء أكانت جزائرية أم غير جزائرية، هي صانعوها. الأفراد الذين حققوا الأفلام وخاطروا بأعصابهم ووقتهم، وأحياناً بأرواحهم لكي يكون للجزائر، على مدى نحو نصف قرن، سينما تنافس أحياناً أقوى السينمات العالمية. وحضور يفيض عن "حاجة" الجزائر السينمائية، ليساهم في دعم سينمائيين غير جزائريين، فرنسيين أو مصريين حققوا بفضل الدعم الجزائري بعض أفضل ما عندهم تقول هذا وتفكر ب"زد" كوست غانراس، و"عصفور" يوسف شاهين و"عملية اغتيال" ايف بواسيه... الخ. بدايات ثورية فالحال ان هذه التظاهرة التكريمية التي تجمع في صالات معهد العالم العربي في باريس، على مراحل تمتد اولاها من أوائل كانون الثاني يناير الى أوائل حزيران يونيو المقبل، علامات اساسية من مسار التاريخ السينمائي الجزائري، تأتي لتذكرنا بهذا كله، لتقول لنا كم ان هذه السينما، التي تضاءل اليوم انتاجها وتشتت بعض أفضل صانعيها، كانت واعدة ذات يوم. ولعل من الأمور ذات الدلالة في هذا الإطار ان يتواكب عرض الأفلام المفصلية، مع سهرات تكريمية لأصحابها، في حضورهم، أو حتى في غيابهم - إن كانوا رحلوا أو مجبرين على عدم الحضور - واستعراض اسماء نحو الثلاثين مخرجاً وأكثر الذين سيتم تكريمهم اسبوعاً بعد أسبوع غلى مدى الفترة المقبلة سيضعنا، في الواقع، في واجهة تاريخ للسينما الجزائرية من العصب ان ينسى. وكذلك في مواجهة التوزع التاريخي للأجيال المتتالية التي صنعت هذه السينما، منذ البدايات ايام الثورة، حتى البدايات الفعلية مع محمد الأخضر حامينا وأحمد راشدي وسليم رياض وصولاً الى يمينة بن غيقي ويمينة بشير مروراً بمرزاق علواش وفاروق بلوفة، اضافة الى أولئك الذين حققوا طوال ربع قرن أفلاماً "جزائرية" في فرنسا صارت تشكل الآن جزءاً من التراث السينمائي الفرنسي، ناهيك بانتمائها الى التراث السينمائي الجزائري رشيد بوشارب، كريم دريدي، ومهدي شريف بين آخرين. والحقيقة ان هذه التظاهرة على غناها، اذا كانت قادرة على ان تؤكد ما ذهب اليه الناقد الفرنسي الراحل سيرج دانيْ يوماً، من انه اذا كان من غير الممكن الحديث عن سينما أفريقية، فإنه من المنطقي الحديث عن سينمائيين جزائريين أفارقة. والسينما الجزائرية هي، في هذا الاطار واحدة من السينمات الكبرى في العالم الثالث التي يمكن الحديث عن صانعيها الأفراد بأكثر مما يمكن الحديث عنها كسينما قومية. وانطلاقاً من هنا يمكن لمن يدقق في الأفلام المعروضة، ان يكتشف بسهولة كم ان التبدلات التي طرأت على هذه السينما وعلى فكر أصحابها، كانت سريعة وصائبة في معظم الأحيان. أسئلة شائكة فالسينما الجزائرية التي ابتدأت من التعبير عن "القضية" ابان الثورة ثم بعد الاستقلال، والتي ساهم في صنع أفضل انتاجاتها جزائريون، ولكن ايضاً فرنسيون تعاطفوا معهم ومع قضيتهم. ووصلت الى ذروة ذلك مع شرائط محمد الأخضر حامينا "رياح الأوراس" وأحمد راشدي "فجر المغربين" و"الافيون والعصا"، كما ساهم فيها يوسف شاهين حتى قبل الاستقلال بفيلمه "جميلة الجزائرية"، ثم جيلو بونتكورفو ايطالي بفيلمه الذي لا يزال مميزاً حتى اليوم "معركة الجزائر"، هذه السينما سرعان ما انطلقت من تمجيد الثورة وبطولاتها ومآثر رجالها، بالضد على الاستعمار الفرنسي، الى مرحلة تالية ابتدأت خلالها بطرح اسئلتها على الثورة نفسها. ولن يكون من المغالاة هنا القول ان "الاحتفال" الافتتاحي لمثل هذه النظرة أتى على الأقل عبر فيلمين أساسيين من المؤسف انهما يكادان ان يكونا منسيين اليوم "نوه" لعبدالعزيز الطلبي و"الفحام" لمحمدد بو عماري. فهذان الفيلمان، ومنذ النصف الأول من سبعينات القرن الماضي آثرا، وكل على طريقته، التخلي عن سهولة التمجيد، للوصول الى صعوبة طرح الاسئلة... ولم يقابلا طبعاً بعين راضية، اذ ان المخضرمين انتصبوا دفاعاً عن المجد والتاريخ ضد الواقع الراهن الذي جعل الثورة غير قادرة على الوفاء بكل وعودها. لماذا؟ سؤال حاول الاجابة عنه محمد الأخضر حامينا في "وقائع سنوات الجمر" فتشتتت الاجابات لكن الفيلم لقي صدى كبيراً، اضافة انه نال عام 1975، اكبر جائزة ينالها فيلم عربي حتى اليوم: "السعفة الذهبية" لمهرجان "كان". في هذا الفيلم كان الواضح من جواب حامينا ان الثورة انما كان لها هذا المصير لأن الخلل يكمن في جذورها الاجتماعية. وهذا الكلام أثار الحفائظ. وخوّن الرجل. ولكن اليوم، ألا يمكننا ان نرى في ما حصل في الجزائر تحققاً ل"نبوءة" حامينا، وكذلك تحققاً لمواقف الطلبي وبوعماري. ثم أفلا يتطابق مصير المرأة الجزائرية التي كانت ساهمت مساهمة أساسية في الثورة مع ما تقوله آسيا جبار، المنتقدة هي الاخرى لضحية الثورة في فيلمها الوحيد والبديع "نوبة نساء جبل شنوة"؟ بين الداخل والخارج غير ان كل هذه الأفلام وكل هذه المواقف ظلت واقفة عند حدود زمن الثورة، سلباً أو ايجاباً. فما الذي حصل في الجزائر بعد ذلك" كيف سارت الأمور بعد الاستقلال" وأي وعود هي الآن وعود الجمهورية المستقلة؟ لقد كانت هذه، بدورها، اسئلة شائكة. أما الجواب فكان مرزاق علواش اول من جرؤ على الاتيان به، في فيلمه العلاقة: "عمر قتلته الرجولة" ذلك الفيلم المتبصر الذي حسبنا ان نعيد اليوم مشاهدته حتى نفهم حقاً ما الذي حدث في الجزائر بعد ذلك. ومع هذا حين حقق هذا الفيلم ونال نجاحه الاستثنائي، كان سطح الأمور لا يزال يقول ان الجزائر في خير. فيلم مرزاق علواش، إذاً، نكش في العمق... وكان على حق. ومنذ ادرك علواش انه على حق لم يتوقف عن متابعة مسيرته، حيث تبدو افلامه المتتالية تصويراً لمختلف مراحل تطور الذهنية الاجتماعية الجزائرية. اما المبدع الآخر الذي ينتمي الى جيل علواش نفسه، اي فاروق بلوفة، فقد اختار طريقاً اكثر مواربة، فهو في فيلمه الوحيد الكبير الذي حققه "نهلة" اختار ان يقول ازمة الهوية والمجتمع الجزائريين ولكن من خلال الحرب اللبنانية. وتحديداً من خلال صحافي جزائري يجد نفسه امام اسئلته الخاصة امام هذه الحرب التي وجد نفسه يتورط فيها. زمن "نهلة" كانت الجزائر لا تزال دولة قوية - حتى وإن لم يكن مجتمعها كذلك - وكان في وسعها ان تهتم بما يحدث خارجها، وأن تدعم سينمائيين يأتون من الخارج. ولكن بعد ذلك تدهورت الأمور، ضعفت الدولة عبر التحولات المتتالية، وتدهورت اوضاع السينما... السينما بالمعنى الجماعي للكلمة. ولكن في الوقت نفسه زادت قوة التعبير السينمائي لدى من بقي قادراً على العمل من السينمائيين. إذ حتى حين بدا المخضرمون غير قادرين على الوصول الى مستويات كان سبق لهم الوصول إليها حامينا، رياض، راشدي وحتى علواش، فإن أجيالاً جديدة راحت تبرز، ولا سيما في الخارج، وأحياناً من خارج إطر التعبير الثقافي الرسمي رشيد بن حاج. وإذ نقول هذا عن قوة التعبير فنياً، ومن ناحية الوضوح نفكر ببعض افلام محمد شويخ ولا سيما "القلعة" و"سفينة الصحراء" وابراهيم نساكي اطفال الريح ومحمود زموري واختياراته الناقدة. اليوم، وعلى رغم نجاح افلام مثل "انشالله الأحد" و"رشيدة" - وخارج الجزائر اكثر مما داخلها - يبدو مشروعاً التساؤل عما آلت إليه احوال هذه السينما التي كانت - بعد السينما المصرية - اهم سينما عربية وواحدة من اهم التيارات السينمائية الافريقية ذات يوم. وفي خضم التكريم المهم والضخم الذي تحظى به هذه السينما اليوم ولشهور طويلة مقبلة، في "معهد العالم العربي" في باريس، قد يبدو هذا السؤال الراهن والمستقبلي، بعيداً من اهتمامات تظاهرة تنظر بحب وحنين الى الماضي. ولكن أوليس في قوة ماضي هذه السينما، وأوليس في جدارة مبدعيها بأن يحتلوا الصفوف الأولى في بعض خرائط السينما العالمية، مبرر يكفي لطرح هذا السؤال الشاق والمؤلم؟ سؤال آخر، جوابه عبر عشرات العروض التي نأمل ان تعثر على جمهور كبير يمكنها من المساعدة على التقاط انفاس بات الوقت ملائماً لالتقاطها.