حين باشر المغني المصري مطرب ال"CNN" والعرب كلماته الأولى في برنامج "يا ليل يا عين"، كانت راقصة البرنامج المجهولة دائماً تعد خصرها لانطلاقة جديدة. لم تكن ألحان أغنيته "أغنيتنا جميعاً"، تناسب ما يتطلبه جسم الراقصة من ألحان متعاقبة وقوية، لكن الجسم بتحفزه ولياقته لن يستكين لهذه الموسيقى القليلة. ربما استمدّ انفعالاته من قوة الأغنية ومن شعوره بنفاذها، أي أن جسم الراقصة المنفعل الذي تجاوز الأغنية واللحن استمد قوته من خارج موضوعه، من مداعبة "أنا بكره اسرائيل" لمشاعرنا، فراح يرقص على تقاسيم دواخلنا ووجداناتنا. كم كان واضحاً ومباشراً في اللوحة التي قدّمها لنا شعبان عبدالرحيم والراقصة المجهولة، ذلك التداخل بين السياسة كما نفهمها وكما تقدّم لنا وبين ابتذالنا أنفسنا. السياسة حين تكون تحتها كتلة شعورية غير عاقلة. فحين يصرخ عبدالرحيم "الدرة لما مات، الريس كان حزين" يترافق ذلك مع تصاعد في انفعالات الراقصة، يتقاطع هنا بكاؤنا على الدرة مع هذيان أجسامنا غير المثقفة أو غير المكترثة إلا لحزن الرئيس. لا حزن ثابتاً ومستمراً إلا إذا عُمّد بدموع الرئيس، وهو حزن معرّض لأن يتحوّل الى حفلة راقصة هدفها الإغواء والمنافسة والمزيد من المشاهدين. الاستغراق في التفكير في الواقعة "واقعة شعبان عبدالرحيم والراقصة المجهولة"، قد يؤدي الى مزيد من الحزن، ومن الضحك ايضاً. فعبدالرحيم حقيقي كثيراً عندما يغني "أنا بكره إسرائيل"، لأننا جميعاً نكرهها كما يكرهها هو. لأن كراهيتنا هذه صارت غريزة، ودخلت الى مناطق غير واعية في أنفسنا. نحن لا نكره اسرائيل لانها قتلت الدرة، فهي بفعلتها هذه قدّمت لنا صورة ومادة لاحتفالنا. قدمت مادة لهذه الكتلة الشعورية غير الواعية. والاستغراق في التفكير ايضاً يبعث على تأملات واسئلة تخفف المفاجأة. إذ لا بد من ملاحظة احساسنا جميعاً بأن كلمات شعبان عبدالرحيم تخرج من مكان حقيقي وفعلي في ثقافتنا، وإلا إلى ماذا نرد تسامحنا معه في ابتذاله لمأساتنا؟ فالصيغة التي أخرج بها معادلة عدائنا لإسرائيل، كان من المفترض ان تواجه بمشاعر الأسى على الأقل. لكن رواج الأغنية وتفشيها يذكراننا بأنها قبل ان تصير أغنية، كانت مادة السياسة الدائمة في دولنا ومجتمعاتنا. ولكن ما يجب الدفاع عنه، ليس السياسة، فهي ضحية قديمة لسوء فهمنا، وإنما تلك اللحظة المشهدية التي قبلنا بنصبها في دائرة هذياناتنا... ذلك الطفل الذي أقحم الاسرائيليون قتلهم له في ضمائرنا كأشخاص. نجحنا مرة جديدة في نزع الصورة وفي بعث معانٍ مختلفة لها. "أنا بكره اسرائيل"... المعادلة الحقيقية التي توازي عندنا "السياسة". لكن الخطورة في أن تقادم الكراهية يحولها الى غريزة، ولهذه الأخيرة استعمالات مختلفة.