القول الشائع في الأوساط السياسية أن الخطب لا تعني الكثير هذه الأيام، لأنها لا تعكس سوى اللحظة السياسية الراهنة، وهي في تغير دائم. في هذا القول بعض من الحقيقة، والأكيد ان الخطب لم تعد بالأهمية التي كانت عليها، مثلاً، أيام ونستون تشرتشل. لكن اذا كنتَ رئيس الولاياتالمتحدة، القوة العظمى الوحيدة، وكنت تلقي تقريرك عن "حال الاتحاد"، فإن لخطابك أهمية كبيرة، وهو يؤثر في الآخرين ويفعل فعله في الأحداث. أثناء فترته في الحكم وصف الرئيس رونالد ريغان الاتحاد السوفياتي بأنه "امبراطورية الشر". ولا شك ان الوصف كان في ذهن المسؤول الذي كتب للرئيس جورج بوش الخطاب الذي القاه في 29 من الشهر الماضي، وقال فيه ان "دولا مثل ايرانوالعراقوكوريا الشمالية تشكل محورا للشر، وهي تتسلح لكي تهدد سلام العالم". من جهتي لا يسعنى سوى ادانة التعبيرين اللا مسؤولين من الرئيسين الجمهوريين. فالتعبيران من دون شك يمثّلان ما يجب تجنبه في تناول موضوع مثل العلاقات الدولية، في عالمنا المدجج بالسلاح والمليء بالحساسيات والتأثيرات المتبادلة. وارتبط التعبيران بالبروز المتزايد للأصولية المسيحية في الولاياتالمتحدة، تلك الحركة السيئة الصيت، وهما يوحيان بان الولاياتالمتحدة تحتل موقع التفوق الأخلاقي، وتنظر من علياها باحتقار الى الهاوية التي تقبع بها بقية العالم بكل صراعاتها وشرورها. التعبيران يرشحان بالصلف ويقومان على سوء الفهم والجهل. في 31 من الشهر الماضي كتبت محررة الشؤون الخارجية لصحيفة "تايمز" برونوين مادوكس، في عمودها المتزايد الفائدة والأهمية عن خطاب بوش: "كان من الواضح أمس أن الخطاب سيدعم بقوة شعبيته الكبيرة أصلا في الداخل ... لكن بوش في اختياره الخاطيء لايران وصمته عن اسرائيل ودعوته التبشيرية الى القيم الأميركية يخاطر بترك الولاياتالمتحدة تقف لوحدها الى حد كبير على المسرح العالمي". يفسر قاموس اكسفورد اللغوي كلمة "محور" axis بالانكليزية على انها "اتفاق أو تحالف بين بلدين أو أكثر يشكلان مركزا لتجمع أكبر يقوم لاحقا من بلدان تشترك في المُثُل والأهداف". لكن من الحمق وصف العلاقة بين ايرانوالعراقوكوريا الشمالية بهذا الشكل، ولا شك عندي ان كاتب الخطاب أراد المقارنة بين هذه الدول والمحور الذي شكلته ألمانيا وايطاليا قبل الحرب العالمية الثانية وخلالها. انني لا ادعي خبرة بشؤون كوريا الشمالية، غير أنني لا اعرف ان علاقاتها مع العراقوايران على ذلك القدر من الدفء والحميمية، ناهيك عن مشاركتها لهما في المثل والاهداف. لكن لي بعض المعرفة بالتاريخ القريب للعراق وايران. من ذلك ان الايرانيين دعوني في 1988 مع عدد من الزملاء الى مستشفى في طهران، لزيارة جنودهم الذين كانوا تحت العلاج هناك اثر تعرضهم لقصف عراقي بالسلاح الكيماوي. كما ان العلاقات بين العراقوايران في 2001 ليست حميمة، بالرغم من اجتماع ديبلوماسي في طهران اخيرا، وتوقع عودة بغداد الى استقبال الايرانيين الراغبين بزيارة الأماكن المقدسة في العراق. ولا شك ان من الغباء الاعتقاد بان الدولتين تنسقان فيما بينهما ضد الولاياتالمتحدة. اذا تركنا جانبا عداء أميركا للعراق وكوريا الشمالية فقد كان من المذهل اختيار ايران بهذا الشكل. وأثار الاختيار مرارة عميقة انعكست في تصريح آية الله خامنئي بأن "الجمهورية الاسلامية تتشرف بكونها هدفا لغضب الشيطان الذي يحظى بأكبر قدر من الكره في العالم". كما اعتبر الرئيس خاتمي، الذي قلما يهاجم القادة الأجانب، ان الرئيس بوش كان "عدوانيا ومهينا". أعتقد اضافة الى ذلك ان المواطن الايراني العادي شعر بصدمة حقيقية من الخطاب، خصوصا في الظروف الحالية. فقد كانت ايران دوما معارضة لنظام طالبان، واتهمته بالمسؤولية عن قتل عدد من الديبلوماسيين الأيرانيين في أفغانستان. وتشعر طهران ان العالم لا يقدر بما فيه الكفاية استضافتها سنين طويلة لأكثر من مليوني لاجيء أفغاني، اضافة في الوقت نفسه الى عدد هائل من اللاجئين العراقيين. السبب الحقيقي للهجوم على ايران هو بالطبع اسرائيل، التي تعتبر ايران منذ زمن طويل الخطر الرئيسي عليها وتشعر بالقلق من أسلحة الدمار الشامل لدى ايران. وادعت اسرائيل أخيرا ان ايران كانت وراء محاولة ايصال السلاح الى الفلسطينيين، وانها سلّحت ولا تزال تسلّح حزب الله في لبنان. وهي تزعم حاليا ان هناك علاقة وثيقة بين حزب الله وتنظيم القاعدة، وان عناصر من التنظيم انتقلت اخيرا من أفغانستان الى لبنان. لا شك ان خطاب الرئيس بوش شكل ضربة للتيار الايراني المعتدل الذي يسعى الى تعامل ايجابي مع الغرب ويميل الى التعاون مع بقية العالم. كما أغضب بوش الحكومات الأوروبية التي تعمل منذ سنين على تحسين العلاقات مع طهران. وليس لنا ان نستغرب الآن اذا قررت ايران زيادة انفاقها الدفاعي. ان بوش يمعن في عزل أميركا ويزيد من المخاطر في عالمنا اليوم. * سياسي بريطاني، مدير "مجلس تحسين التفاهم العربي - البريطاني. كابو