ما كنت أحسبني أحيا الى زمن يساء فيه الى الإسلام هذه الإساءات البالغة، فالإسلام ضحية اخرى للإرهاب المجنون الذي عصف بالولايات المتحدة. ربما كان سبب بعض الأخطاء الجهل الخالص من دون سوء نية، غير ان أكثر الإساءات يرتكب عمداً وعن سبق إصرار وتصميم، في جريمة لا تخدم غير الإرهابيين الذين يريدون توسيع شقة الخلاف بين الإسلام والغرب، وهكذا يلتقي هنا الإرهابيون مع انصار إسرائيل في الهدف. لا أحتاج أن أدافع عن الإسلام في جريدة عربية لعرب ومسلمين، ولكن اختار للقراء نماذج من المعلومات الغريبة المتداولة يومياً عن الإسلام. جريدة "الأوبزرفر" اللندنية الأسبوعية رصينة عاقلة تحاول جهدها، وهي نشرت ضمن هذا الجهد نبذة عن حياة الرسول العربي توقفت منها عند الفقرة الأولى فهي قالت حرفياً: "في مجموعة من احاديث النبي محمد نشرها بعد حوالى قرنين من وفاته العالم الإسلامي صحيح بخاري يمنع الانتحار بوضوح...". الكاتب وأعفيه من ذكر اسمه لأنه يبدو انه مسلم من الهند أو باكستان يعتقد ان "صحيح" الاسم الأول للإمام البخاري، وهكذا فعندنا العالم صحيح مسلم، والعالم سنن أبي داود، والعالم جامع ترمذي والعالم مجتبي نسائي. والبداية لا تحتاج الى حديث أصلاً، فتحريم الانتحار موجود في القرآن الكريم نفسه، ففي سورة النساء الآية 29 هناك القول الكريم "ولا تقتلوا انفسكم إن الله كان بكم رحيماً...". ما سبق هو أهون ما قرأت فالجهل بالموضوع سببه، ولكن الجهل يختلط بالغرض في "واشنطن تايمز" فهي تنقل عن باتريك سوخديو، رئيس معهد لندن لدراسة الإسلام والمسيحية قوله: "إن المسيحية، بعكس الإسلام، لا تبرر استخدام جميع انواع العنف". كيف يبرر الإسلام جميع أنواع العنف؟ سوخديو كتب في جريدة "الديلي تلغراف" الصهيونية الميول مستشهداً بالسورة التاسعة، أي سورة التوبة، وبالآية الخامسة منها، فيهمل اول أربع كلمات وهي "فاذا انسلخ الأشهر الحرم" ويبدأ "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم واحصروهم، واقعدوا لهم كل مرصد..." ويتوقف هنا فلا يكمل كلاماً متصلاً بقيته "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فخلّوا سبيلهم إن الله غفور رحيم". مرة اخرى، فأنا أكتب لعرب ومسلمين، ولكن اعتقد ان هندوسياً موضوعياً سيقول إن الآية لا تبرر بأي حال جميع انواع العنف. أما المسلم فيعرف انها نزلت بعد نقض المشركين صلح الحديبية، اي انها في موضوع معين، ولا يمكن ان تفهم إلا من ضمنه. أرجو ان يكون سوخديو يعرف عن المسيحية اكثر مما يعرف عن الإسلام فهو يكمل جازماً ان القرآن الكريم لا يمنع القتل فليس فيه نص صريح كالتوراة يقول "لا تقتل". ويزيد ان الإسلام انتشر بالفتوحات، وفي اندونيسيا اليوم يخيّر غير المسلمين بين اعتناق الإسلام أو الموت. طبعاً ما سبق مزيج من الخطأ الصريح والكذب الوقح، فالنص الذي يحرم القتل في القرآن أقوى من الموجود في التوراة، وأكتفي من سورة المائدة، ومن الآية 32، بالقول الكريم: "إنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما احيا الناس جميعاً..." وهكذا فالإسلام يجعل قتل انسان واحد من دون وجه حق قتلاً للناس جميعاً، ثم يزيد ان إحياء نفس واحدة هو إحياء لجميع الناس. ولعل القارئ لاحظ ان سوخديو هذا يشير الى انتشار الإسلام عن طريق الفتوحات ويتحدث تحديداً عن اندونيسيا. اندونيسيا اكبر بلد مسلم في العالم إلا انها لم تفتح عنوة، بل وصل الإسلام إليها، وعموماً الى شرق آسيا، عن طريق التجارة والدعاة، وهكذا فأكبر البلدان الإسلامية اليوم لم يعتنق الإسلام بالسيف، وإنما بالكلمة المؤمنة. ومرة اخرى، فالأخطاء السابقة نشرتها "الديلي تلغراف" اللندنية، وبدل ان يقف الأذى عند قرائها، اختارت "واشنطن تايمز" ان تعمم الأخطاء على قرائها في اميركا. مراسل "نيويورك تايمز" دوغلاس جيل موضوعي جداً ومهني، وهو كتب مقالاً من القاهرة عنوانه "مزيد من الإرهابيين يجد اساساً لثورته في الإسلام" استشهد فيه بجمع من علماء المسلمين. وأتوقف من الموضوع عند فقرة تقول إن متطرفين مسلمين كثيرين يستندون في اعمالهم على الآية 190 من سورة البقرة التي تقول: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين". ثم الآية 191 بعدها مباشرة تقول: "واقتلوهم حيث ثقفتموهم، واخرجوهم من حيث أخرجوكم، والفتنة أشد من القتل، ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم فاقتلوهم، كذلك جزاء الكافرين". والآيتان السابقتان، مثل الآية الخامسة من سورة التوبة، نزلتا في موضوع محدد هو صلح الحديبية ونقض المشركين له، وفي جميع الأحوال فالكلام لا يمكن ان يبرر القتل، خصوصاً قتل النفس التي حرم الله قتلها. وإذا اعتقد القارئ أن ما سبق سيئاً، فهناك مزيد مستمر، وأكمل غداً.